بما أنك اتخذت قرارك، وتقف الآن فى الطابور، أو وقفت أمس، أو حتى اكتفيت بمشاهدة الطوابير فى التليفزيون، مقاطعًا أو متكاسلًا، فتعالَ أحدثك حديثًا ليس عابرًا عن الهند. لا شىء فى الهند أعز لديها من ديمقراطيتها «الأكبر فى العالم»، ومن مبادئها الدستورية الضامنة للتعايش وحماية وإدارة التنوع بين طوائفها، أحد المفاهيم المؤسسة لدستورها هو «حياد الدولة»، وهى درع مهمة فى بلد يضم عددا غير معروف من الديانات بين الرسالات السماوية الثلاث والديانات الأرضية، تتصدرها الهندوسية والإسلام والسيخ والمسيحية والبوذية والزرادشتية، إلى جانب الديانات المحلية البدائية. وفى عام 2002، اندلعت مواجهات طائفية طاحنة فى ولاية «جوجارات» بين الهندوس والمسلمين، راح ضحيتها قرابة ألف مسلم، وتم اتهام الزعيم القومى الهندوسى المتطرف ناريندرا مودى رئيس وزراء الولاية المنتمى إلى حزب «بهاراتيا جاناتا»، برعاية هذه المواجهات وعدم بذل ما يكفى من جهد لحماية المسلمين، حتى إن الولاياتالمتحدة رفضت منحه تأشيرة دخول أراضيها فى عام 2005، ووضعت اسمه على قوائم الممنوعين من دخول أمريكا. خطاب ناريندرا مودى وسلوكه وسياساته خلال مرحلة المواجهات تلك كان طائفيًّا بامتياز، وسياساته كانت منحازة بوضوح للهندوس، فى صدام واضح مع قيم ومبادئ الدولة والشعب الهندى، وبقى هذا هو الانطباع عنه طائفيًّا وسياسيًّا، لكنه رغم كل ذلك حقق إنجازًا اقتصاديًّا كبيرًا فى ولاية «جوجارات» خلال السنوات الثمانى الأخيرة، جعلها الأكثر نموًّا وجذبًا للاستثمارات فى ظل ركود اقتصادى كبير ضرب البلاد خلال قيادة حزب «المؤتمر الوطنى» للحكومة المركزية فى نيودلهى. ظل حزب المؤتمر بتاريخه الكبير الممتد إلى آباء الهند الأوائل وزمن مقاومة الاستعمار، الأقرب منهجيًّا وأيديولوجيًّا لروح الهند ومبادئها فى حماية واحترام التنوع، لكن الهنود وجهوا للحزب ضربة قاصمة فى الانتخابات العامة الأخيرة التى خرج منها خاسرًا بفداحة، ولم يستطع وهو الحزب الحاكم تجاوز خمسين مقعدًا فى البرلمان، بينما نجح «بهاراتيا جاناتا» فى تحقيق فوز مريح جدًّا ضمنَ له تشكيل الحكومة منفردًا برئاسة «ناريندرا مودى». منح الهنود «هندوسًا ومسلمين وسيخا ومسيحيين.. إلخ» أصواتهم للرجل المتهم بالتطرف الطائفى، الذى ربما لا تتناغم كثير من قيمه الشخصية مع قيم الدولة، أملًا فى نجاح اقتصادى بشرهم به الرجل، واستند إلى تجربة أمامهم حققها فى «جوجارات». نجح الرجل فى إقصاء عائلة «نهرو غاندى» عن الحكم بحملة انتخابية ركزت على همّ الاقتصاد، وقام فيها بزيارات قطع خلالها 300 ألف كيلومتر وتحدث أمام 457 اجتماعا حاشدا، خلال خمسة أشهر. فاز الرجل المتهم بالطائفية فصعدت الأسهم، وقفزت الأسواق الهندية، وارتفع سعر العملة الوطنية «الروبية» أمام الدولار لأعلى مستوى، ورفعت واشنطن اسمه من قوائم الممنوعين من دخول أمريكا، بعد أن حاول طمأنة الأقليات، وقال: «ولَّى عهد السياسات المسببة للشقاق.. من الآن فصاعدًا سنبدأ سياسة توحيد الناس». نحَّى الهنود مخاوفهم الطائفية، ومنحوا الرجل المتهم بمحاباة الهندوس تفويضًا انتخابيًّا هو الأكبر فى تاريخ الهند الحديث بعد الزعماء التاريخيين، واختاروا أن يغامروا بقدر من القلق على «حياد الدولة» وتنوعها الفريد، مقابل آمال فى النمو وتوفير الوظائف وجذب الاستثمارات بعد فترة طويلة من الركود. عرف الهنود ما يريدون فى هذه المرحلة، واختاروا الأنسب لما هو مطلوب حتى لو كان عليه تحفظات فى جوانب أخرى. الآخرون الأكثر ليبرالية واندماجًا وقبولًا بالتنوع وتماهيًا مع مبادئ الدستور العظيمة ليس لديهم مشروع لإخراج البلاد من عثرتها، بعضهم تم تجريبه وفشل، والبعض الآخر لم يصمد فى منافسة احتكمت إلى صناديق الاقتراع. ولم يخرج أحد لاتهام الشعب بالجهل، وهو فيه فعلًا نسبة أمية كبيرة. هكذا راهن الهنود، ولا يزعجهم الرهان حتى لو خاب، لأنهم يملكون صندوق اقتراع نزيها، يذهبون إليه بالملايين، ولا أحد يستطيع أن يحول بينهم وبينه، سواء فى انتخابات مبكرة إذا طلبوها، أو فى المواعيد المقررة للاستحقاقات، والتغيير فى أيديهم وبإرادتهم.