كما قالت «التحرير» فى عنوانها الرئيسى أمس بأن الحديث عن «هُدنة» فى أسوان لمدة ثلاثة أيام هو «مسخرة» حقيقية! حين تكون الدولة حاضرةً تفرض القانون، وحين تَغِيب الدولة «كما نرى من سنوات»، يصبح أقصى ما تستطيعه أن تتحول إلى «وسيط» بين الأطراف المتقاتلة، ويصبح الوصول إلى «هدنة» بين هذه الأطراف «إنجازًا»، بينما هو فى الحقيقة.. فضيحة كاملة! «التهدئة» بالطبع مطلوبة، ولكن استخدام مصطلح «الهدنة»، هو الأمر الكارثى، لأنه يعنى الاعتراف بشرعية العنف واستخدام السلاح من جانب الأطراف المتصارعة، ويعنى أيضًا أن الحكومة تحولت من مهمة الحَكَم إلى مهمة «إدارة» الصراع بين المتقاتلين بدلاً من «الحل»، الذى يستوجب مصادرة السلاح وتطبيق القانون وفرض هيبة الدولة من جديد. لا نريد أن نظلم حكومة محلب، فالميراث هنا ثقيل، والدولة خلال السنوات الماضية، رضيت بضياع هيبتها، والحدود المفتوحة جعلت السلاح يباع فى محلات البقالة، وما فعله الإخوان وحلفاؤهم من عصابات الإرهاب جعل لغة العنف هى سيدة الموقف، والتحديات التى تواجهها أجهزة الأمن وهى تقاتل الإرهاب وتحاول حماية الحدود تحديات كبيرة، واستهداف مصر وثورتها لم يتوقف من قوى مستعدة لفعل أى شىء لحصار الثورة وجر مصر نحو الفتنة الداخلية والاقتتال الأهلى. لكننا -فى نفس الوقت- لا نملك ترف التهاون فى مواجهة ما يحدث فى أسوان، أو الاكتفاء بِعَقد «الهدنة» والسعى إلى مجالس الصلح، وتبويس اللحى، بينما تبقى الأسلحة فى الأيدى، ويبقى غياب الدولة هو الأساس، وإهمال القانون هو القاعدة! ونحن أيضًا لا نملك ترف التعامل غير المسؤول مع قضية بهذه الأهمية.. سواء باستمرار التخاذل الأمنى، أو بافتقاد الخبرة والمعرفة فى كيفية مواجهة هذا التحدى سواء من الجهات المسؤولة، أو من جانب إعلام يقع فى مصيدة الاستخفاف أو الاستسهال، أو عدم المعرفة، فتكون النتيجة أننا نعطى نقاطًا مجانية لمن يستهدفون أمن مصر واستقرارها.. بل ووحدة أراضيها! والنقطة الأساسية هنا أن يتم تصوير المأساة التى تشهدها أسوان على أنها صراع بين أهل النوبة وباقى مواطنى أسوان.. وهو أمر يجافى الحقيقة التى تقول إننا أمام مشكلة تطورت إلى مأساة بين عائلتين إحداهما نوبية والأخرى تقول إن أصولها عربية وترجع إلى بنى هلال، أما الأغلبية الساحقة من أبناء القبائل النوبية والعربية وباقى مواطنى أسوان فهم خارج الصراع.. ومهمتنا أن نحاصر قتال العائلتين حتى ننهيه، وأن لا نسمح مطلقًا بأن يتحول الأمر إلى صراع بين أهل النوبة و«الآخرين».. لأن هذا هو الخطر الحقيقى والهدف الأساسى للمؤامرة. إن القضية ليست صراعًا عِرقيًّا، بل هى ميراث من ثقافة كنا قد تجاوزناها، ونحن نسعى لبناء الدولة الحديثة، وتعود الآن فى ظروف تتحول فيه قرى مصر إلى مخازن للسلاح، ويتراجع دور الدولة منذ سنوات فى جميع المجالات، وفى الوقت الذى نواجه فيه إرهاب الإخوان وحلفائهم من العصابات الإجرامية فى الداخل، تشتعل حدود مصر بنفس مخططات الإرهاب القادم من غزة أو من ليبيا أو من السودان. القضية ليست صراعًا عرقيًّا، لكنها تهديد للأمن القومى ينبغى أن يفتح عيوننا على خطورة الأوضاع عند أطراف الدولة، حيث ينبغى أن تكون الدولة حاضرة بأقصى قوتها وبكل إمكانياتها، وحيث لا بد من الضرب بيد من حديد على كل من يحاول زرع الفتنة ويصر على انتهاك القانون. عودة الدولة ليست فقط هى مفتاح الحل لوقف المأساة فى أسوان، بل هى الرادع الذى لا بديل عنه لكى نستطيع التصدى للتآمر وإنقاذ الوطن مما يدبر له، أما مجالس الصلح وعقد «الهدنة» فهى إقرار صريح بأن الدولة غائبة والقانون فى إجازة، ولله الأمر من قبل ومن بعد!!