بتكلفة 40 مليون جنيه.. افتتاح 6 مساجد جديدة في محافظة القليوبية    نقيب الأشراف يؤدي صلاة الجمعة الأولى من رمضان بمسجد مصر الكبير بالعاصمة    آلاف الفلسطينيين يصلون الجمعة الأولى من رمضان بالمسجد الإبراهيمي    قبل وصولها للمواطنين.. ضبط 8 أطنان منظفات مغشوشة و15 ألف عبوة فارغة    ارتفاع حالات واقعة تسمم حالات "البوظة" بسوهاج إلى 77 حالة    برودة شديدة.. تعرف على حالة طقس الإسكندرية بثالث أيام نوة الشمس الصغرى    دراما رمضان 2026.. «حد أقصى» يساهم فى رفع الوعي المصرفي    يسرا تشيد بمسلسل «سوا سوا» وتؤكد: دراما إنسانية تستحق النجاح    لماذا سُمّي رمضان بهذا الاسم؟.. تعرف على 16 اسما أخرى بدأت ب«نائق»    خدمات التأمين والمعاشات المتوفرة إلكترونيًا عبر «مصر الرقمية».. خطوات الاستعلام    ترامب يحذر إيران: أمامكم 15 يومًا للتوصل إلى اتفاق نووي.. وإلا «سيكون الأمر مؤسفًا»    القبض على سائق ميكروباص بدون رخصة بعد واقعة سب وإنزال ركاب    هيئة السكك الحديدية تعلن تعديل تركيب وتشغيل مواعيد بعض القطارات    بولندا تكشف عن نظام «بلوشتش» لزرع الألغام وتلوّح بتلغيم حدودها مع روسيا    كومباني يهاجم مورينيو ويساند فينيسيوس في أزمة العنصرية    قيادي بحركة فتح: تنكر المستوطنين بزي الجيش تعبير عن إرهاب منظم    القومى للبحوث يشارك فى المرحلة التنفيذية لتحالف "تطوير صناعة الألبان"    لماذا لا يجب أن يفوتك الزبادي في وجبة السحور؟    وزارة العمل توفر فرص تشغيل ل 75 شابًا من ذوي الهمم بالقاهرة    الإمارات تعتزم بناء حاسوب فائق بقدرة 8 إكسافلوب في الهند    السعودية تؤكد دعمها لسيادة السودان وتدعو لحل سياسي شامل    بأمر الملك سلمان.. وسام الملك عبدالعزيز ل 200 مواطن ومواطنة تبرعوا بأعضائهم    «القومي للمرأة» يطلق المرصد الإعلامي لرصد الدراما الرمضانية    عوائد السندات الأمريكية مستقرة قبل صدور بيانات التضخم الرئيسية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: تبسيط الإجراءات وتحسين كفاءة المتابعة خلال المرحلة المقبلة    محافظ الدقهلية ينعى ضحايا حادث محور 30 يونيو جنوب بورسعيد    نائبة: قرية النسيمية بالدقهلية نموذج ملهم للريف المصرى الحديث    موعد مباراة الزمالك وحرس الحدود والقنوات الناقلة في الدوري المصري    إصابة شخصين في حريق شقة سكنية بالهرم    المالية: سعر العائد على «سند المواطن» 17.5% مع ميزة تنافسية كبرى    الصحة تعلن تجديد اعتماد مصر من الصحة العالمية كدولة خالية من الحصبة    البرلمان الفنزويلي يقرّ بالإجماع قانون العفو    تغليظ عقوبة التهرب من التجنيد وإضافة حالة إعفاء، تفاصيل تعديل قانون الخدمة العسكرية    شرايين التنمية بقلب الصعيد.. كل ما تريد معرفته عن الخط الثاني للقطار الكهربائى    متحدث محافظة القدس: الاحتلال يمنع الفلسطينيين من دخول مدينة القدس    الفرعون الصغير في برشلونة| حمزة عبدالكريم.. موهبة تحتاج الصبر والفرصة    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    دعاء الجمعة الأولى من رمضان 2026 مكتوب وأجمل الأدعية المستجابة عنوان مشابه:    الاحتلال يمنع الفلسطينيين من دخول مدينة القدس    مواقع التواصل الاجتماعي في مصر تبث مقطع فيديو وثق لحظات مثيرة للرعب لواقعة اعتداء عنيف نفذها شخصان بحق مواطن كان برفقة طفله.    صحة قنا تنجح في الكشف الطبي على 792 مواطنًا بقرية الرئيسية بنجع حمادي    جوميز يهاجم التحكيم بعد خسارة الفتح من الاتفاق في الدوري السعودي    إنجاز مصري مشرف في المعرض الدولي للاختراعات بالكويت 2026    قمة ب6 نقاط| «سيراميكا» المتصدر يصطدم بطموحات «بيراميدز».. اليوم    نجم الزمالك السابق: معتمد جمال على قدر المسؤولية.. والفريق يحتاج لعودة المصابين    فى ثاني أيام الإفطار.. طريقة عمل السمان المحشي    وفاة الممثل إريك داين بعد صراع مع المرض    صور| مسجد الحسين يشهد ثاني ليالي التراويح في أجواء إيمانية مهيبة    الداخلية تكشف تفاصيل فيديو "الاعتداء على أمن كمبوند" بالتجمع    خاصمته 10 أشهر.. على قدورة يروي تفاصيل مشاجرته مع عمر كمال    وفاء عامر: العمل مع عادل إمام حلم.. ولا أندم على أدوار الجرأة لأنها كانت مرحلة تناسب سني    مصطفى شعبان يتربع على السوشيال ميديا لليوم الثاني على التوالي بمسلسل درش    مظاهرات ب #جزيرة_الوراق تجبر "الداخلية" إطلاق "القرموطي" .. وناشطون: الحرية قرار    علي قدورة: قراري بالاعتزال نابع من قناعتِي الشخصية    ميشيل يانكون يكشف حقيقة شكواه ضد الأهلي    ألسن قناة السويس تعزز حضورها الفرنكوفوني بمشاركة فعّالة في الشتوية بجامعة عين شمس    بث مباشر | ليلة الحسابات المعقدة في الدوري.. الأهلي يواجه الجونة تحت ضغط الصدارة المفقودة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حصان المساجين
نشر في الشروق الجديد يوم 07 - 04 - 2011

فى أحد أقسى سجون الأشغال الشاقة على وجه الأرض قررت الإدارة شراء حصان ليساعد فى بعض المهام الخاصة كنقل المؤن والمياه، وكان ضمن السجناء كثيرون ممن يفهمون فى أمور الخيل، أوكلت لهم الإدارة وهم فى الأغلال مهمة اختيار الحصان الأفضل من بين عشرات الخيول التى أخذت تتوافد إلى ساحة المعتقل مع بائعيها، وكان السجناء حول زملائهم خبراء الخيول ينتظرون بفارغ الصبر وصول كل حصان جديد ويستقبلونه بفرح كفرح الأطفال. وبرز من بين الجميع خبيران تُركت لهما المهمة وتجمَّع حول كل منهما حزب من المتحمسين للآراء التى يبديها فى كل حصان يفحصه.
تعالت أصوات الجدل بين الفريقين وكان هناك دائما ميل للتصالح والوصول إلى قرار مشترك. ومن بين ثلاثة خيول وصلت لتصفية السجناء الحماسية النهائية تم اختيار حصان جميل صغير السن قوى البنية، ثم بدأت المساومة على السعر مع صاحب الحصان والتى شارك فيها كل السجناء بالتلويح والتصايح، وطالت المساومة واحتدمت حتى بدأ السجناء يضحكون من أنفسهم ويقول كل منهم للآخر: «كأننا سندفع من جيوبنا». كأننا نريد أن نوفر لخزينة السجن»!
لا لم يكونوا سيدفعون من جيوبهم ولا كانوا يفكرون فى تحقيق وفر لخزينة السجن، «فلماذا إذن يهتم سجين مبهوت ومقهور ولا يجرؤ على رفع صوته فى أبسط الأمور، لماذا يهتم بشراء هذا الحصان أو ذاك كأنما هو يشتريه لنفسه؟» هذا السؤال طرحه دوستويفسكى فى كتابه بالغ الإيلام وسحر التعبير «ذكريات من منزل الأموات»، وأجاب عنه بقوله: «لقد كانوا ممتلئين بسرور عارم لأنهم يستطيعون أن يشتروا حصانا كما يفعل أحرار الناس، فكأنهم يشترون لأنفسهم وكأن ثمن الحصان سيدفعونه من جيوبهم الخاصة»، هذه هى المسألة: أن يختاروا.. أن يتمتعوا بالحق فى الاختيار، فحق الاختيار لا يستمتع به إلا إنسان حر.
هذه الحكاية أهديها بشكل خاص، للواء ممدوح شاهين عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى أبدى انزعاجا من بعض الأصوات التى أعلنت اعتراضها على الإعلان الدستورى أو بعض ما ورد فيه، وهديتى بكل دلالاتها الإنسانية أقدمها بامتنان صادق له ولقادة المجلس العسكرى الأعلى، وقد كان أحد ثلاثة من فرسان هذا المجلس أطلوا علينا لأول مرة، عبر برنامج العاشرة مساء، فهدأت خواطرنا لما لمحناه من استقامتهم الصلبة وصفاء رؤيتهم الوطنية، فبِتُّ والملايين غيرى ممن اكتشفوهم فى هذه الليلة على طمأنينة وتفاؤل رحيبين عقب قلق شديد من غيام الرؤية بعد انزياح نظام مبارك، والذى ما كان ليسقط بكل هذه الدقة دون أن تنهار أنقاضه على رءوس الأمة لولا موقف رجال القوات المسلحة وخطوات قادتها بالغة الذكاء والإحكام والصبر، وهذا ليس بغريب على خير أجناد الأرض الذين أراهم ويراهم غيرى شركاء أصيلين فى صناعة هذه الثورة لا مجرد حماة لها، ففرسان المجلس العسكرى كما سائر ضباط قواتنا المسلحة عندما حسموا قرارهم فى صف الثورة، إنما كانوا يحملون أرواحهم على أكفهم ويختارون الحق أو الشهادة فى مواجهة الباطل.
باطل كان كثيفا ومعتما وأحال وطننا بالفعل وعلى مدى سنين ثقال إلى مدفن للأحياء، فقد كان القهر يُميتَنا يوميا ونحن نرى ثروات أمتنا تنهبها عصابة لصوص على شكل نظام تتمركز فى قلبه أسرة أسكرها الغرور وأعماها الجشع، وبطانة وحاشية وأتباع ومحاسيب ومنتفعون كانوا من أفحش خلق الله طمعا. كنا نُدفَن أحياء كل يوم، ونحن نرى هذه العصابة يزداد تمكنها بالقوة والكذب ونفاق الحزب الفاسد وانحراف المؤسسات وأجهزة الدولة التى اختطفها هذا النظام لتمرير وتبرير وحماية مفاسده، وكنا نتطلع بعيون مطفأة إلى مستقبلنا ومستقبل أولادنا فلا نرى غير أفق كالح أقفرته عصابة جراد بشرى بالغ الصفاقة.
وليت الأمر توقف عند حدود التخريب المادى ونهب مُقدَّرات الأمة، فالأخطر فى رأيى كان التخريب القيمى فى المجتمع وتشويه عقيدة المؤسسات التى بناها الشعب المصرى بجهد أبنائه وتضحيات السنين، وليس أدل على ذلك مما حدث لمؤسسة الشرطة منذ اختطفها النظام الساقط وحتى مؤامرة الفراغ الأمنى الذى لانزال نعانى آثاره ويعانيه معنا شرفاء الشرطة الذين عادوا لمواقعهم وبدأوا يحققون وجودا وانتصارات مهنية احترافية وقانونية تقطع بأن هذه المؤسسة الوطنية بشرفائها وأسويائها تريد أن تزيح عن كاهلها ما جناه عليها النظام الفاسد الساقط، الذى لم يكتف باختطاف الأجهزة الأمنية، فاختطف أيضا أجهزة ومؤسسات التشريع والتقنين والعدالة، فكان له برلمان التزوير وتفصيل القوانين وتعطيل أحكام القضاء التى تقف فى وجه مفاسده، والتى كثيرا ما استبدلها بأحكام معيبة تلائم فاسديه ومفسديه لينطق بها نفر قليل من مثقوبى الضمير.
لقد كانت جريرة أركان وتابعى النظام السابق أفظع كثيرا من مجرد ارتكاب جرائم اقتصادية، لأن جريمتهم الأشنع هى إفساد الحياة السياسية والاجتماعية والأخلاقية للأمة، وما عمليات البلطجة التى تقلقنا الآن وتقلق المجلس العسكرى ووزارة الدكتور شرف، إلا نتاج عمليات الإفساد السياسى التى مارسها النظام السابق على مدى عقود مريرة، بالبلطجة من كل نوع، والكذب الإعلامى، وتزوير الانتخابات، وتلفيق التهم الباطلة لمعارضيه، والتنكيل الجسدى ببعضهم، وتشويه آخرين بأكذب وأحط الوسائل.. فساد شاسع كان حتما يؤدى إلى كثير من الإفساد القيمى فى المجتمع ونشر أساليب العنف والبلطجة.
وليس ببعيد عن كل ما سبق من موبقات إفساد الحياة السياسية والاجتماعية وازدراء القوانين.. تبرز الآن عربدات إجرامية أغرب ما تكون، تتزيا بلبوس دينى وتأويلات لا أنزل الله بها من سلطان، لتسوِّغ ترويع المجتمع بفواحش جنائية لا تسويغ لها بأى قانون دينى أو دنيوى غير أهواء الجنوح فى نفوس مرتكبيها، كقطع أذن مواطن وسحل امرأة وحرق عفش بيتها وتهديد غير المحجبات بماء النار وهدم أضرحة أولياء الله الصالحين، وهى جنايات سنجد ولو خيطا رفيعا يربطها بجرائم الحكم الساقط وتآمراته التى كان ينفذها بلطجيته المنظمون أو المأجورون من ذوى السوابق وجماعات العنف المعادية للمجتمع، وينبغى التعامل مع شرورها كخروقات للقانون لا تهاون فيها، حتى تترسخ هيبة الدولة، الدولة العادلة التى يتوخاها الناس الأسوياء جميعا بعدما حُرموا منها على امتداد عقود.
لقد أبدى مساجين منزل الأموات فى سيبيريا كل الحماس والسعادة وهم يشاركون فى اختيار حصان للسجن لم يكن لهم فيه معرفة ولا حافر، لا لشىء إلا مجرد الإحساس بطعم الحرية، فالحرية قوامها الأول هو حق الاختيار، وهو ما حرمت عصابة الحكم الساقط أمتنا منه فى معظم مناحى الحياة، خاصة السياسية، لهذا ننادى من نحبهم ونقدر عظيم دورهم وثقل أمانة الحكم التى يحملونها فى هذه الفترة الحرجة، ألا يضيقوا بحقنا فى الاختلاف مع بعض اجتهاداتهم دون أن يخل ذلك بتقديرنا لهم، فهناك أمور توجب الاختلاف، لا هواية للاختلاف، ولكن مخافة ترك ثغرة تتسلل منها أعطاب النظام الساقط كالإبقاء على نسبة 50% عمالا وفلاحين فى شرعة الانتخابات والتى ظلت تتيح للنظام الساقط جوقة مصفقين ومنتفعين ومنحرفين لم يعبِّروا أبدا عن العمال والفلاحين بل عبروا عن تبعيتهم الفجة للفساد وصوتوا للتشريعات الفاسدة والتى كانت حتما ضد حقوق العمال والفلاحين. وهذا خوف مشروع لأننا نحلم ببرلمان جديد يكون برلماننا المقبل مجلسا تشريعيا حقيقيا جادا مليئا بالكفاءات والضمائر من كل أطياف الأمة المخلصة للأمل الوليد فى مصر، مصر جديدة.
لقد كان حصان «ذكريات من منزل الأموات» مجرد تشبُّث بوهم الحرية، أما حصان لحظتنا الكائنة بعد ثورة يناير، وبرغم كل ما نعانيه من شوائب وغبار وأنقاض النظام الساقط، فهو حصان حرية تحول من حلم إلى واقع بثمن ليس قليلا وتتوجب على الجميع حراسته ورعايته، فنحن شركاء لا فرقاء، فمهما اختلفنا فى الرأى ودعمْنا هذا الاختلاف بكل وسائل التعبير السلمى والحضارى، يظل الاختلاف فى إطار الائتلاف، وهى صيغة واجبة الأداء، ليس فيما يخص الأمة والمجلس العسكرى الحاكم فقط، بل فيما بين كل قوى النهضة المأمولة على اختلاف مشاربها واجتهاداتها مادام هناك إخلاص لنبالة الأهداف ورصيد من سعة الأفق الإنسانى والنزاهة الشخصية، فليس الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح والمهندس خيرت الشاطر والدكتور خالد عودة وشباب الإخوان، على سبيل المثال لا الحصر، ببعيدين فى إرادة الخير للأمة عن الدكتور محمد غنيم والدكتور البرادعى والدكتور أبوالغار والدكتور عبدالجليل مصطفى وشباب ائتلاف الثورة، على سبيل المثال لا الحصر أيضا.
أعتقد أننا ينبغى أن نفكر بشكل إبداعى يليق بإبداع هذه الثورة والطموح المشروع لإنقاذها وإنقاذ الأمة والنهوض بها، لأن حصاننا الذى يجمح للانطلاق ليس حصانا يوهم بالحرية كحصان المساجين فى معتقل الأشغال الشاقة الرهيب الذى عاش فيه وكتب عنه دوستويفسكى، بل هو حصان أحرار تشاركت فى إطلاقه الأمة، وهو ينادى الآن مخلصيها بأحرِّ الصهيل إلى الائتلاف.. لا الاختلاف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.