فى ظل التحديات التى تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، الصراعات والحروب وما تفرضه من ضغوط متزايدة على أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً فى ظل استهداف كل الأطراف المتحاربة مصادر الطاقة وتعطيلها عن الإنتاج، فلم يعد الاعتماد على مصادر الوقود الأحفورى خيارًا آمنًا أو مستدامًا، فاضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار، وتأثر سلاسل الإنتاج الصناعى عالميًا، كلها عوامل تفرض واقعًا جديدًا، يدفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها فى ملف الطاقة. اقرأ أيضًا| حرب إيران تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.. إلى أين تتجه أسعار الطاقة والسلع الغذائية؟ ومن هنا لم يعد الحديث عن البدائل رفاهية فكرية أو ترفًا بيئيًا، بل أصبح ضرورة وجودية للدول التى تسعى إلى تثبيت أقدامها فى عالم مضطرب. الحروب لم تعد فقط صراعًا على الأرض، بل على مصادر الطاقة ومساراتها، والتقلبات فى أسعار النفط والغاز لم تعد مجرد أرقام فى بورصات عالمية، بل انعكاسات مباشرة على حياة الناس، وعلى قدرة المصانع على العمل، والدول على الاستمرار.. وسط هذا المشهد، تبرز مصر «بموقعها الجغرافى الفريد» كواحدة من الدول القادرة على إعادة صياغة دورها فى معادلة الطاقة، ليس فقط كمستهلك أو ممر، بل كمنتج ومصدر. فى هذا الحوار، يفتح المهندس سيد بخيت، خبير الطاقة المتجددة، المشرف والمنفذ لمشاريع الطاقة الشمسية فى مبادرة حياة كريمة، ملفًا بالغ الأهمية، كاشفًا عن تصور متكامل لمشروع وطنى يستهدف إنتاج 10 آلاف ميجاوات من الطاقة الشمسية، دون تحميل الدولة أعباء مالية مباشرة، وبعوائد اقتصادية ضخمة، وتحولات استراتيجية عميقة. العالم يتحرك بدايةً.. لماذا أصبح التوسع فى الطاقة الشمسية ضرورة الآن؟ يقول المهندس سيد بخيت: دعنى أقولها بوضوح نحن لم نعد نملك رفاهية التأجيل... فالعالم كله يتحرك، ليس بدافع الرفاهية البيئية، ولكن بدافع الضرورة الاقتصادية والسياسية، حين ترتفع أسعار الغاز بنسبة 30 و40% خلال فترات قصيرة، وحين تتأثر الإمدادات بسبب صراعات إقليمية، فإن أول ما يتأثر هو الكهرباء، ومن ثم الصناعة، ومن بعدها الاقتصاد بالكامل. مصر تستهلك سنويًا ما يقرب من 65 إلى 70 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى، يذهب جزء كبير منه لتوليد الكهرباء، ومع زيادة الطلب السنوى على الطاقة بمعدل يتراوح بين 5 إلى 7%، نحن أمام فجوة متوقعة خلال سنوات قليلة إذا لم نتحرك.. فى المقابل، نحن نمتلك موردًا طبيعيًا لا ينضب... وهو الشمس.. لدينا متوسط سطوع يتجاوز 3200 ساعة سنويًا، وإشعاع شمسى من الأعلى عالميًا، وهو ما يعنى ببساطة أننا نقف فوق «منجم طاقة» لا يحتاج إلى حفر أو استيراد. 10 آلاف ميجا مشروع 10 آلاف ميجاوات.. كيف يمكن تبسيط هذا الرقم؟ حين نقول 10 آلاف ميجاوات، نحن لا نتحدث عن رقم نظرى، بل عن قدرة إنتاجية ضخمة تعادل واقعًا ملموسًا.. هذا الرقم يساوى تقريبًا إنتاج 10 إلى 12 محطة كهرباء تقليدية كبيرة ويمكنه أن يغذى ما يقرب من 18 مليون وحدة سكنية، أو يشغل نحو 1200 إلى 1500 مصنع متوسط وكبير، كما يمكنه أن يغطى ما يقارب ربع الحمل الأقصى للشبكة القومية.... وبلغة الأرقام، نحن نتحدث عن إنتاج سنوى يتراوح ما بين 22 و24 تيراوات/ساعة، وهو رقم كفيل بتغيير معادلة الطاقة بالكامل داخل مصر. تكلفة وماذا عن تكلفة المشروع؟ هل نحن أمام أرقام ضخمة؟ نعم، هو مشروع ضخم، لكن دعنا نضع الأرقام فى سياقها الصحيح.. تكلفة إنشاء الميجاوات من الطاقة الشمسية انخفضت عالميًا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تتراوح ما بين 850 ألفاً إلى مليون دولار للميجاوات الواحد. بالتالى، فإن مشروعًا بقدرة 10 آلاف ميجاوات قد تتراوح تكلفته الإجمالية بين 8.5 إلى 10 مليارات دولار. لكن الأهم والكلام للمهندس سيد بخيت ليس الرقم الإجمالى، بل كيفية توزيعه، فنحو 45% من التكلفة للألواح الشمسية، وحوالي 20% للمحولات والبنية الكهربائية، وقرابة 15% لأعمال التركيب والإنشاء، و10% للبنية التحتية والربط بالشبكة، والباقى للإدارة والتشغيل والاحتياطيات. هذه الأرقام تؤكد على أن المشروع قابل للتنفيذ على مراحل، وليس دفعة واحدة، وهو ما يقلل الضغط المالى ويزيد من مرونته. التنفيذ لكن كيف يتم تنفيذ مشروع بهذا الحجم دون تحميل الدولة أعباء؟ هذه هى النقطة الأهم فى المشروع برمته، فالنموذج الذى نتحدث عنه يعتمد على الشراكة مع القطاع الخاص، بحيث تقوم الشركات والمستثمرون بتمويل المشروع، مقابل بيع الكهرباء المنتجة بعقود طويلة الأجل. وهنا الدولة لا تدفع تكلفة الإنشاء، بل تشترى الكهرباء بسعر ثابت نسبيًا، يتراوح بين 2.5 إلى 3 سنتات لكل كيلووات/ساعة، وهو سعر تنافسى للغاية، وأقل من تكلفة إنتاج الكهرباء من الوقود الأحفورى فى كثير من الأحيان. بمعنى آخر أكثر وضوحًا، الدولة تتحول من «ممول» إلى «منظم ومستفيد»، وهو نموذج مطبق عالميًا وحقق نجاحات كبيرة. تحدثتم عن عوائد قد تصل إلى 20 مليار دولار.. كيف يتحقق ذلك؟ العائد هنا ليس رقمًا واحدًا، بل مجموعة من العوائد المتراكمة. أولًا: توفير الوقود. نحن نستخدم الغاز فى توليد الكهرباء بكميات ضخمة، هذا المشروع يمكن أن يوفر ما يقرب من 5 إلى 6 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا، وهو ما يعادل توفيرًا ماليًا يصل إلى 3 أو 4 مليارات دولار سنويًا. ثانيًا: تصدير الكهرباء مصر بدأت بالفعل فى الربط الكهربائى مع عدد من الدول عربيًا وإفريقيًا وأوروبيًا، ومع توافر فائض من الطاقة النظيفة، يمكن تصدير ما بين 10 إلى 12 تيراوات/ساعة سنويًا، بعائد قد يصل إلى 6 أو 7 مليارات دولار سنويًا. ثالثًا: خفض تكاليف التشغيل والصيانة محطات الطاقة الشمسية أقل تكلفة بكثير فى التشغيل مقارنة بالمحطات التقليدية، وقد تصل نسبة التوفير إلى 30%. وعندما نجمع هذه العناصر على مدى 20 أو 25 عامًا، فإننا نتحدث عن عوائد قد تتجاوز 20 مليار دولار. ماذا عن الجوانب الفنية؟ هل لدينا القدرة على تنفيذ مشروع بهذا الحجم؟ بخيت: بكل تأكيد، التكنولوجيا اليوم أصبحت متاحة، بل ومتطورة بشكل كبير، ونحن نتحدث عن ألواح شمسية بقدرات تصل إلى 700 وات للوح الواحد، بكفاءة تتجاوز 22%عن السابق، وهو مستوى متقدم جدًا. كما يتم استخدام أنظمة تتبع للشمس تزيد الإنتاجية بنسبة تصل إلى 15 إلى 20%، إلى جانب محولات كهربائية متطورة، وأنظمة مراقبة ذكية تعمل لحظيًا. أما من حيث الأداء، فنحن نستهدف معدل كفاءة (PR) يتراوح بين 78 و82%، وهو رقم يعكس جودة عالية فى التصميم والتنفيذ. المشروع يحتاج إلى مساحات شاسعة ... فماذا عن الأراضى المطلوبة لتنفيذه؟ بخيت: مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى مساحات كبيرة بالفعل، ولكن مصر لديها ميزة، فنحن نتحدث عن نحو 40 إلى 50 ألف فدان، يمكن توزيعها على مناطق مثل الصحراء الغربية وأسوان وسيناء. هذه مناطق غير مستغلة زراعيًا، لكنها مثالية لمشروعات الطاقة الشمسية، سواء من حيث الإشعاع أو المساحات أو القرب من خطوط الكهرباء. فرص عمل ماذا عن فرص العمل؟ هذا أحد أهم مكاسب المشروع، فخلال مرحلة الإنشاء فقط، يمكن توفير ما بين 25 إلى 30 ألف فرصة عمل مباشرة، إضافة إلى عشرات الآلاف من الوظائف غير المباشرة. وبعد التشغيل، نتحدث عن 15 إلى 20 ألف وظيفة دائمة فى مجالات التشغيل والصيانة والإدارة. والأهم أن هذه الوظائف تمتد إلى صناعات مرتبطة، مثل الكابلات، والهياكل المعدنية، والنقل، والخدمات. إذن ما أبرز التحديات؟ طبيعى أن يكون لكل مشروع تحديات وصعوبات فالتحديات موجودة، لكنها ليست مستحيلة، وتتمثل فى التمويل، الإجراءات، وتطوير الشبكات لكن مع الإرادة السياسية، يمكن تجاوز كل ذلك. كيف يمكن تجاوز هذه الصعاب والتحديات، خصوصًا إشكالية التمويل؟ يقول المهندس سيد بخيت دعنى أكون صريحًا... التمويل ليس عائقًا حقيقيًا بقدر ما هو «ملف يحتاج إدارة ذكية»لأن العالم اليوم يبحث عن مشروعات طاقة نظيفة ليستثمر فيها، نحن لا نطرق باب التمويل، بل التمويل هو الذى يبحث عن مثل هذه المشروعات،لكن بشرط الوضوح والثقة وضمان العائد. أولًا: تفكيك التمويل إلى مراحل أحد الأخطاء الشائعة هو التفكير فى المشروع ككتلة واحدة بقيمة 10 مليارات دولار. لكن فى الواقع، المشروع يجب أن يُنفذ على مراحل: ■ المرحلة الأولى: 2000 ميجاوات ■ المرحلة الثانية: 3000 ميجاوات ■ المرحلة الثالثة: 5000 ميجاوات بهذا الشكل، نحن نتحدث عن تمويل مرحلى يتراوح بين 1.8 إلى 3 مليارات دولار لكل مرحلة، وهو رقم قابل للتنفيذ وجاذب للبنوك والمؤسسات التمويلية. ثانيًا: الاعتماد على نموذج شراء الطاقة (PPA) العنصر الحاسم فى جذب التمويل هو وجود عقد شراء طاقة طويل الأجل. حين يعرف المستثمر أو البنك أن هناك جهة موثوقة تمامًا ستشترى الكهرباء لمدة 20 إلى 25 عامًا بسعر ثابت أو شبه ثابت، فإن المخاطرة تنخفض بشكل كبير. وفى هذه الحالة، فإن البنوك يمكن أن تموّل حتى 70% من المشروع، والمستثمر يضع فقط 30% كرأس مال، وهذا ما يحدث فعليًا فى أغلب مشروعات الطاقة حول العالم. ثالثًا: تنويع مصادر التمويل. لا يجب الاعتماد على مصدر واحد عند التمويل، فلدينا 4 قنوات تمويل أساسية، وهي البنوك المحلية؛ خصوصًا مع وجود سيولة كبيرة تبحث عن استثمارات مستقرة، ومؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي، وبنك التنمية الإفريقي، وهذه المؤسسات تموّل الطاقة النظيفة بشروط ميسرة، وكذلك الصناديق السيادية العربية، وهى تبحث عن مشروعات طويلة الأجل بعوائد مستقرة، فضلًا عن الاستثمار المباشر من الشركات العالمية التى تمتلك الخبرة والتكنولوجيا وأيضًا هناك التمويل الأخضر والسندات، مع تقليل المخاطر وليس البحث عن المال . كلمة أخيرة؟ بخيت: نحن أمام فرصة تاريخية إما أن نستغلها الآن، أو نندم لاحقًا. الطاقة الشمسية ليست رفاهية... بل مستقبل، فبين الأرقام الدقيقة، والرؤية الواضحة، يطرح مشروع 10 آلاف ميجاوات من الطاقة الشمسية نفسه كأحد أهم المشروعات الاستراتيجية فى مصر خلال السنوات المقبلة.