85 فرصة عمل جديدة لأبناء السويس بالعين السخنة| تفاصيل    اسعار الفاكهه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى اسواق محافظة المنيا    تراجع أسعار الذهب بضغط من الدولار وترقب تقرير الوظائف الأمريكي    استشهاد طفلة فلسطينية في غزة بنيران إسرائيلية واعتقال 12 آخرين بالضفة الغربية    قتيلان و6 جرحى إثر إطلاق نار فى كنيسة بولاية يوتا الأمريكية    حالة المرور اليوم في القاهرة والجيزة والقليوبية، أحجام مرورية متحركة    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    تحذير دولي وسحب احترازي: تفاصيل أزمة حليب الأطفال من «نستله» وتوضيح الجهات الرسمية في مصر    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    قتيلان و6 جرحى بإطلاق نار في كنيسة أثناء تشييع جنازة بولاية يوتا الأمريكية    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    بن فرحان وروبيو يبحثان في واشنطن آخر مستجدات المنطقة وجهود الأمن والاستقرار    رامي وحيد يكشف حقيقة تقديم جزء ثانٍ من فيلم «حلم العمر»    المجلس الانتقالي الجنوبي يشن هجوما حادا على السعودية    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    وزير خارجية البحرين يبحث مع نظيريه القبرصي والأوكراني مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية    ما نعرفهاش، أول رد من اتحاد التنس على فضيحة اللاعبة هاجر عبد القادر في مسابقة دولية    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    "بروفة" الأوسكار، "وان باتل أفتر أناذر وسينرز" يتصدران ترشيحات جوائز ممثلي هوليوود    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية يقتل سائقة في مينيابوليس خلال حملة هجرة مثيرة للجدل    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    غيبوبة سكر.. أمن القاهرة يكشف ملابسات العثور على جثة مسن بمصر الجديدة    رئيس الوزراء الأردني يؤكد تعزيز الشراكة مع البنك الأوروبي لدعم مشروعات التنمية    مؤتمر فليك: هذه الطريقة التي أريد أن نلعب بها.. وغياب لامال ليس للإصابة    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    مصطفى شكشك: أتمنى إتمام الانتقال إلى الأهلي فى يناير    اعمل حسابك في هذا الموعد، انقطاع المياه عن بعض المناطق بالجيزة لمدة 8 ساعات    عبر المكبرات.. المساجد تهنئ الكنائس والمسلمون حاضرون في أعياد الميلاد بقنا    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    الطفل ريمون توفيق يوضح كواليس مشاركته فى the blind date show    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    التعليم تحدد الضوابط العامة للورقة الامتحانية لطلاب أولى وثانية ثانوي    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    مصرع طفلة رضيعة بمركز طهطا بسوهاج فى ظروف غامضة    رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة يحذر من تفاقم أزمة الكلاب الضالة ويطالب بحلول عاجلة    صراخ وتجمهر.. التفاصيل الكاملة لمشاجرة بين أهالي مريض وأمن مستشفى كفر شكر    وزير الإسكان يُعلن طرح حزمة من الفرص الاستثمارية بمدن العبور والعاشر من رمضان وطيبة الجديدة    اتحاد منتجي الدواجن: المخاوف من وصول الأسعار إلى 90 جنيهًا قبل شهر رمضان مبالغ فيها    محمد بركات: خبرة لاعبي منتخب مصر حسمت مواجهة بنين    عضو اتحاد الكرة: تريزيجيه يسابق الزمن للحاق بمواجهة كوت ديفوار    محاكمة مسؤولي اتحاد السباحة بعد وفاة السباح يوسف .. اليوم    أمم إفريقيا - منتخب الجزائر يستضيف ويكرم مشجع الكونغو الديمقراطية    القصة الكاملة لواقعة رئيس مدينة مع بائع طعمية بقنا    إحالة رؤساء القرى والجمعيات الزراعية بالطريق الزراعي بالقليوبية للتحقيق    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    مدير مستشفى أمراض الباطنة بطب قصر العيني تتابع جاهزية الأقسام خلال إجازة عيد الميلاد المجيد    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السفاح محمود أمين سليمان : (اللص والكلاب) اعتبرها النقاد انقلابا فى مسار عميد الرواية
نشر في الشروق الجديد يوم 21 - 01 - 2011

عندما صدرت الطبعة الأولى من رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ عام 1961، أثارت جدلا نقديا كبيرا، واعتبرها النقاد انقلابا فى مسار نجيب محفوظ الروائى، واعتبرها البعض أنها مجرد محطة تجريبية سيتخطاها الكاتب بسرعة، ويعود إلى مساره الطبيعى، بل إن كثيرين عدوها بداية جادة للرواية البوليسية فى مصر، وتحير النقاد والمراقبون فى تصنيف هذا النص، خاصة أنه ترجمة فورية لحادث واقعى كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس بشكل مذهل، أقصد ظهور السفاح محمود أمين سليمان، لقد صار كما كتب بكر درويش فى خيال بعض الناس إلى أسطورة شعبية.. إلى نوع من أبوزيد الهلالى وعنتر بن شداد.. ولكن ذلك لم يكن اعجابا «بمضمون جرائمه وإنما بشكلها)، بذكائه الخارق وجرأته المذهلة وقدرته العجيبة على التصرف فى أدق المواقف وأكثرها صعوبة وحرصا.
لا أريد أن أربط بشكل ميكانيكى بين السفاح محمود أمين سليمان، وسعيد مهران بطل اللص والكلاب، لكن هناك أوجه شبه كثيرة بين الشخصيتين، وإن كان نجيب محفوظ قد طوع شخصية سعيد مهران وأخضعها لتغيرات اجتماعية وفلسفية متعددة، فسعيد مهران الذى خرج من السجن ليواجه زوجة خائنة (نبوية)، وزوجها (عليش) الرعديد، ورءوف علوان (الصحفى)، وصديقه، وأستاذه، والذى تعلم منه أشياء كثيرة، لكنه أدار له ظهره، وتعالى عليه، ولم يمد له أى سبيل للمساعدة، ثم ابنته «سناء» التى أنكرته، وهذا شىء طبيعى، لأنها تربت فى غيابه، ولا تعرفه.
إذن كيف يواجه سعيد مهران كل هذه المفردات، فى ظل مجتمع جبان ومتخاذل ومتفسخ، لاحظ أن الرواية تتحدث عن مجتمع فى مطلع الستينيات، حيث اشتد عود الدولة الناصرية، وقوتها، وكانت ظاهرة الاعتقال متفشية بشكل واسع، إذن ماذا يفعل سعيد مهران أمام هذا المجتمع الذى تنكر له، وأدار له ظهر، وأهانه، ولم يستطع أن يوفر له أى مساحة أمان؟ ولم يمد له يد العون حتى يتجاوز محنته، ويعود لزوجته، ويأخذ ابنته بين ذراعية، وتستقيم العلاقة بينه وبين صديقه، والأدهى من ذلك أن المجتمع المحيط بكل هؤلاء كان مجتمعا هشا، ولم يساند مهران بأى شكل من الأشكال، حاول سعيد أن يذهب إلى شيخه القديم الشيخ جنيدى حتى يفهم، أو يتوب، أو يعيده لرشده، أو يستمع لنصيحة تهديه سواء السبيل.. ودار بينهما حوار، وطلب سعيد من الشيخ أن يعاونه:
(إنى فى حاجة إلى كلمتة طيبة)
ولكن الشيخ كان متأنيا، وتأخر عنه فى الإجابة، وهذا يلهب أعصاب سعيد (أحنى رأسه أى الشيخ حتى انتشرت لحيته على صدره وراح مستغرقا).. وكانت نصيحة الشيخ لسعيد أن يأخذ مصحفا ويقرأ فيه، بعد أن يتوضأ.. ولكن سعيد حاول أن يعدد شكاواه أمام الشيخ.. (أنكرتنى ابنتى، وجعلت منى كشيطان، ومن قبلها خانتنى أمها.. خانتنى مع حقير من أتباعى، كان يقف بين يدى كالكلب)، ولكن الشيخ يعود ويقول له: (توضأ واقرأ «قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله» واقرأ «واصطنعتك لنفسى» وردد قول القائل «المحبة هى الموافقة أى الطاعة له فيما أمر، والانتهاء عما زجر، والرضا بما حكم وقدر» هذه نتيجة ذهاب سعيد للشيخ، هنا نلاحظ ان مواعظ الشيخ وخصائصه كانت بعد فوات الأوان، هناك تناقض بينها وبين قدرة سعيد على تحمل ما أصابه.. ومقارنة بسيطة بين سعيد مهران ومحمود أمين سليمان، ستهدينا إلى أوجه شبه، محمود السفاح الذى علم بخيانة زوجته له، وراح ينهال عليها ضربا، وينكل لها، ويعذبها حتى اعترفت بانها كانت تخونه بانتظام مع صديقه بدر الدين أيوب المحامى، كما اعترفت بأنها خانته مع شقيقها، وأضافت أن صديقه «محمود أمين» له علاقة آثمة مع شقيقته غادة أمين سليمان.. هناك اعترافات مذهلة لنوال عبدالرءوف آنذاك جعلت محمود أمين سليمان سفاحا، وقاتلا مع سبق الاصرار والترصد، انه لم يكن ضحية خيانة واحدة، بل فريسة ووليمة لانهيار مجتمع كامل، مجتمع ألبسه نجيب محفوظ أقنعة عديدة، حتى تنجو روايته من مصير سابقتها «أولاد حارتنا»، وجاء بناء الرواية على شكل الرواية البوليسية، ولكن بشكل جديد ومختلف ورافد، هناك مطاردات، وأشكال من القتل، وحوارات ساخنة، لكن لم يغب البعد الفلسفى، ولم تغب النظرة الاجتماعية العميقة لنجيب محفوظ
ولكن ظهرت الإدانة الشاملة لكل مظاهر المجتمع، إدانة لهذه الإدارة التى انتجت كل هذه الشخصيات الفاسدة، رءوف علوان الانتهازى، نبوية الخائنة، عليش أحد صبيان سعيد مهران الحقير الذى تزوج زوجة صديقه، المحيط البشرى الذى يلتف حول كل هؤلاء، ولا يخضع إلا لمنطق القوة، «اللص والكلاب»، رواية إدانة بشكل عميق، حتى سعيد مهران ذاته الضحية، تحول إلى جلاد وقاتل وسفاح، ضاعت برصاصاته الطائشة ضحايا أبرياء، وقيم راسخة مثل التسامح، واستقرار كان من الممكن أن يحدث، ولكن فى ظل منظومة أخرى، بعيدا عن المنظومة السياسية والاجتماعية القائمة آنذاك عام 1960 واتخذ نجيب محفوظ من سعيد مهران قناعا لإدانة كل هذه المظاهر، تكتب د. فاطمة موسى «ومن الواضح أن الكاتب استوحى قصته من حادث «سفاح الإسكندرية» محمود أمين سليمان الذى شغل الأذهان يوما، وأقام الدنيا وأقعدها، وجعلت منه تهويلات الصحافة بطلا وصورته عموما فى صورة الإنسان الخارق القادر على كل شىء، ثم كانت نهايته بواسطة الكلاب البوليسية التى اقتفت أثره أو رائحته حتى فر إلى كهف فى الجبل كما تفر الضوارى أمام كلاب الصيد»!
أظن أن استيحاء نجيب محفوظ قصة السفاح المثقف، والذى انشأ دورا للتستر وهو فى هربه، يشبه كثيرا لص نجيب محفوظ، الذى كان يطالب بالعدل، ولكن عدله كان عن طريق الثأر، وأقام مشنقة تقريبا لكل من يراهم خونة، ولكل لص حقيقى، سعيد مهران هو الرافعة المختلة للعدل، ورفعة لم تستقم لها الظروف حتى تحقق ما تصبو إليه، فسقطت تحت رصاصات البوليس فى الرواية وبمحاصرة الكلاب، وسقطت هذه الرافعة، بانتحار السفاح فى الحقيقة، والمحاصرة التى اختلطت خطوات رجال البوليس مع أقدام الكلاب الكثيفة من أحد كهوف حلوان، وهكذا جاءت رواية «اللص والكلاب» تدين كل الروافع المختلة، والتى تحاول أن تحقق العدالة الاجتماعية.
هذه هى «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، التى كتبها عام 1961، وتركت اثرا بعيدا فى وجدان الناس، وأصبحت جزءا من التفكير فى ذلك الوقت، وتحولت إلى فيلم سينمائى حاول أن يقترب بقوة من روح الرواية، وكان اختيار الممثل العظيم شكرى سرحان لشخصية سعيد مهران اختيارا صائبا، وكذلك كان اختيار كمال الشناوى ليقوم بدور رءوف علوان فى غاية التوفيق، وأصبحت اللص والكلاب واحدة من الكلاسيكيات الابداعية المصرية فى العصر الحديث، وفتحت المجال واسعا أمام الروائيين ليجربوا، ويخوضوا فى أشكال ابداعية شامخة، أى أن «اللص والكلاب» على وجه الخصوص، ومجمل روايات نجيب محفوظ عموما لعبت دورا كبيرا فى تحريض الكتاب على اقتحام مناطق جديدة فى الكتابة
وظهر هذا فى جيل الستينيات، فى «الزينى بركات» لجمال الغيطانى، و«أخبار عزبة المنيسى» ليوسف العقيد، و«تلك الرائحة» قبلهما لصنع الله إبراهيم، و«أيام الإنسان السبعة» لعبدالحكيم قاسم، و«العطش» لحسن محسب، و«السائرون نياما» لسعد مكاوى، وغيرها.. ولكننا سنلحظ أن كاتبا شامخا من جيل الستينيات، حاول أن يعيد كتابة «اللص والكلاب» بطريقته الخاصة، وهو الكاتب الراحل الكبير غالب هلسا، والذى ترك أثرا بدوره على أبناء جيله، هذا الاثر الذى لا ينمحى، وأصبح مكونا أساسيا فى تطور الثقافة المصرية والعربية على السواء، ولكننا أهملنا بضراوة، وتركناه نهبا للنسيان، واكتفى البعض بكتابة مقال أو مقالين عنه، أو عن أعماله بعد رحيله، ثم كفى المؤمنين شر القتال، أقول «شر القتال»، لأن المثقفين المصريين الكبار، والذين رافقوا «غالب» فى مسيرته ما تنكروا له، بل البعض هاجموه، بسبب روايته «الروائيون»، وروجوا عنها أنها تسب المصريين، وتنعتهم بصفات وضيعة، وهذا ليس صحيحا، غالب الذى لم يدع أى انتماء سوى لمصر، وتنطق رواياته السبع بذلك، وتقول مجموعتاه القصصيتين: «وديع والقديسة ميلادة»، و«زنوج وبدو وفلاحون» إن غالبا مصرى حتى النخاع، أو على الأقل أنه نسيج عميق من مكونات مصرية، فقد جاء إلى مصر عام 1953، بعد سلسلة من المطاردات بدأت من بلاده الأردن وانتهت به إلى القاهرة، ودرس فى الجامعة الأمريكية، حيث تخصص فى الصحافة، وعمل فى وكالة أنباء الصين، وبدأ يكتب فى الصحف العربية والمصرية، وشارك بقوة فى المناقشات السياسية والفكرية التى تخض المجتمع المصرى، واعتقل مع رفاقه المصريين عام 1966
وكان معه صلاح عيسى وجمال الغيطانى وعبد الرحمن الأبنودى وسيد حجاب وعبدالرسول وآخرون، وأظن أن غالب هلسا كان واحدا من الذين قادوا عملية الصمود فى المعتقل، حتى خرجوا فى مارس 1967 أى قبل الهزيمة بشهرين بعدما شارك بقوة فى تجربة جاليرى 1968، وكتب فيها مقالات نقدية مهمة، أثارت جدلا كبيرا بين المثقفين، ورد عليه خليل كلفت، وإبراهيم فتحى، وظل يشارك فى الكتابة عن الثقافة المصرية ومعاركها، وذلك فى مجلات الأدب البيروتى، والكتب المصرية، والحرية اللبنانية، وغيرها، وترجم كتابا هو من أهم كتب علم الاجتماع «غاستون باشلار» وهو كتاب «جماليات المكان»، وأصدر مجموعته الأولى «وديع والقديسة ميلادة» من القاهرة وروايته الأولى «الخماسين» صدرت عن دار الثقافة الجديدة فى مصر، وأشرف على نشرها الروائى صنع الله إبراهيم، وفى أكتوبر 1976 أبعدته السلطات المصرية عن مصر وإلى الأبد، حيث راح يتنقل فى عدة أقطار من بغداد إلى بيروت، حتى رحل فى أعقاب اجتياح إسرائيل لبيروت عام 1982، واستقر فى دمشق حتى رحيله فى 18 ديسمبر 1989، وكان ميلاده فى ذات اليوم من عام 1932، وعاش فى القاهرة 23 عاما، أى سنوات النضج والتكون والنشاط، وكتب معظم ما كتب من إبداعات عن حياته فى القاهرة وتأتى روايته «سؤال» متقاطعة مع رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، أى عن السفاح محمود أمين سليمان، ولكن من وجهة نظر إبداعية مختلفة
فإن كان نجيب محفوظ ركز محور الرواية حول صراع سعيد مهران مع مفردات كثيرة، نجد غالب هلسا يجعل من السفاح أحد الأشكال الضاغطة على جميع شخصيات الرواية، هذه الشخصيات التى لها تجارب سياسية واعتقال وعمل عام بين الناس، شخصيات خارجة من قبو السجون، ولا تفعل شيئا سوى تناول الخمور، وعقد علاقات نسائية مركبة، إنها شخصيات محبطة من المناخ العام القابض والكابوس الذى كان مهيمنا، هنا السفاح لم يكن سفاحا فردا، رغم أن ارتكابه لجرائم قتل بشعة، كانت تشوبه علامات غموض كثيرة، إلا أن الإشارات للسفاح فى الرواية، لم تكن خالية من مزجه مع سفاحين آخرين فى المجتمع، وفى السلطة، وفى المعتقلات، وهناك شواهد كثيرة على ذلك، أبرزها وصول خبر اغتيال شهدى عطية الشافعى، فى المعتقل، وسؤال صديقه مصطفى أحد الشخصيات الرئيسية فى الرواية هل السفاح هو الذى ارتكب جريمة اغتياله أم من؟ وثانى إجابة مصطفى شبه مؤكدة، أنه لا فرق بين السفاحين عموما، بل إن السفاح المعلن عنه، ،والمطارد، والذى تبحث عنه أجهزة البوليس، سفاح ينشد العدل، ويحاول أن يشرح ذلك من خلال مقالات راح يرسلها للصحف، ومن ضمنها رسائل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، لكى يوضح أنه سيحرر البلاد من الدنس العالق بثوبها، وعندما يؤمن الناس برسالة السفاح، وينبهر بسلوكه، تقع حادثة قتل لمضيفة بريئة، ويتهمه الناس بأنه ليس نبيلا ولا فارسا، ولا أبوزيد الهلالى ولا يحزنون، يسارع لتوضيح أنه ليس المرتكب الحقيقى لهذا الحادث، ولذلك سيتعقب القاتل وينتقم منه شر انتقام، وتتسع دائرة الرواية لتشمل جميع مظاهر المجتمع، وبالطبع تنشر فى الرواية نزعة انتقاد الأوضاع بشكل مباشر، والتهكم على الاشتراكية الوهمية التى تروجها السلطة، وضمن كل هذا هناك إدانة لوضعية المثقف إزاء ما يحدث، وبالتالى افتقاد الناس والجموع إلى الثقة فى هذا المثقف، لذلك كانت أحلامهم تتعلق بأحلام هذا السفاح الذى سينظف المجتمع من دنسه وعهره.. إلخ.
المقارنة بين الروايتين تحتاج إلى صفحات طويلة، لكننى أردت أن أنفى السؤال الساذج والعبيط المطروح دوما، هل نجيب محفوظ عطل من تطور الرواية المصرية أو العربية؟ ثانيا أردت أن أذكر بكاتب كبير وعلامة فارقة إبداعية فى تطور الرواية العربية وهو غالب هلسا وهو تطور طبيعى وجدلى لإبداعات نجيب محفوظ، فرواياته السبع «الخماسين، والسؤال، وسلطانة، والروائيون، وثلاث وجوه لبغداد، والضحك، والبكاء على الأطلال» امتداد فريد واستثنائى لنجيب محفوظ، ولكن أعمال ونصوص غالب غير متوافرة للأجيال الجديدة فى القاهرة، ولا يتم التذكير به، ومنذ أن رحل لم يكتب عنه سوى قلة، وأعدت مجلة فصول فى عهد الدكتور جابر عصفور ملفا صغيرا عنه وفقط، ولكن كل الذين بكوا عليه بعد رحيله، لم يقوموا بواجبهم الطبيعى تجاهه، أو من اعتقد فى أنه واجبهم، ولم يوفوه حقه من الدرس النقدى، والتعريف به
حتى أعماله المكتوبة عن مصر، لم تطبع فى القاهرة، وعندما أقامت بلاده التى شردته من قبل احتفالية له، وأعطته جائزة الدولة التقديرية بعد رحيله بزمن لم يشارك فى هذه الاحتفالية مصريون، إلا قليلا، فهل هذا التذكير بواحد من كتابنا الكبار، وأحد الذين أحبوا مصر بضراوة، وعاشوا فيها، وشاركوا فى أحداثها الإيجابية، وذاقوا سجونها، هل أذكر أصدقاء غالب هلسا: مثل د. صبرى حافظ، ود. جابر عصفور، وسليمان فياض، وإبراهيم أصلان، وخليل كلفت، وإبراهيم فتحى، وإدوار الخراط.. وغيرهم أن يقوموا بالتعريف بهذا الكاتب الشامخ. وهل من الممكن أن يتبنى المجلس الأعلى للثقافة أو هيئة قصور الثقافة طبع أعماله، مثلما حدث مع على أحمد باكثير، أو أدونيس، أو أنس الحاج?.
أرجو أن تجد هذه الكلمة أذنا تسمع و عينا ترى، و ضمير استيقظ .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.