ضمن منافسات القائمة القصيرة ل الجائزة العالمية للرواية العربية 2026، تفرض رواية "غيبة مي" للروائية نجوى بركات حضورًا لافتًا كعمل سردي يغوص في تعقيدات النفس الإنسانية، حيث لا تكتفي الكاتبة برصد حكاية فقد، بل تقدم بناءً روائيًا يشتغل على مفاهيم الغياب والهشاشة النفسية، متسائلة عن حدود الهوية حين تتداخل مع الأمومة، وعن الفجوة بين الحضور الجسدي والاختفاء الروحي. تدور أحداث الرواية حول "مي"، امرأة في عامها الرابع والثمانين، تعيش عزلة داخلية عميقة رغم وجود توأمين لها هاجرا إلى الولاياتالمتحدة منذ سنوات، يرسلان إليها المال ويتواصلان معها أحيانًا، لكنها لا تشعر نحوهما بأي ارتباط عاطفي، مكتفية بوصفهما "التوأمين"، في دلالة على علاقة فقدت معناها الإنساني. ويمتد هذا البرود إلى محيطها القريب، بما في ذلك البواب يوسف والعاملة التي ترعاها، حيث تبدو منفصلة عاطفيًا عن الجميع، وكأن من حولها مجرد ظلال عابرة، حتى في علاقتها بقطة ضالة احتفظت بها على مضض بعد محاولات للتخلص منها. تقف "مي" على شرفتها، تتأمل حياتها دون ندم أو انتظار، غير أن هذا الفراغ يخفي هاجسًا واحدًا يسيطر عليها، وهو الخرف. تبدأ الشكوك تتسلل إلى وعيها، خاصة مع سماعها صوتًا يناديها داخل شقتها المغلقة، ما يفتح باب التساؤل: هل تفقد ذاكرتها، أم أن ما تخشاه قد بدأ بالفعل؟ وتبرز في الرواية قدرة نجوى بركات على توظيف اللغة كأداة معرفية، حيث تأتي الصور البلاغية كإضاءات تكشف عتمة الذاكرة، مانحة النص كثافة فنية تجعل كل جملة أقرب إلى مشهد مستقل. ويتجلى ذلك بوضوح في تناولها لفكرة الخرف، إذ تصوره ككائن حي ينهش الوعي تدريجيًا، كما في أحد المقاطع اللافتة: "فأنا لا يشغلني سوى أمر أوحد وحيد: أن لا يجد دود الخرف طريقه إلى عقلي..."، في تصوير يجسد الهواجس الذهنية بصورة حسية مؤثرة. وعلى غلاف الرواية، نقرأ: تعيش مي وحيدة في شقتها بالطابق التاسع، تطل على بيروت، بينما يتولى رعايتها ناطور العمارة وطبيب العائلة، قبل أن تفاجأ يومًا بصوت غامض يناديها داخل شقتها المغلقة، لتبدأ رحلة الشك والبحث في أعماق الذاكرة. وتقدم الرواية معالجة إنسانية عميقة لفكرة التآكل الداخلي للذاكرة، وما يصاحبه من عزلة وخوف، في عمل يراهن على التأمل أكثر من الحدث، ويطرح أسئلة وجودية حول الهوية والذاكرة والانتماء.