البابا تواضروس يصلي قداس خميس العهد بدير مارمينا بمريوط    13.7% ارتفاع فى أسعار المطاعم والفنادق محليا خلال شهر مارس الماضي    محافظ الأقصر يتفقد حواجر المريس والضبعية ويوجه بحزمة قرارات خدمية وتنموية    تسلا تحتل المركز الثالث بسوق السيارات الكهربائية الألماني في الربع الأول    تحرك حكومي جديد لدعم التوظيف، تشكيل لجنة دائمة لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتشغيل    رئيس الوزراء يصدر قرارًا جديدًا بنزع ملكية أراضي زراعية    ترامب يصعد ضد الناتو: "مخيب للآمال" ولن يتحرك بدون ضغط    إنذار بحري في إسبانيا.. رصد غواصة روسية قرب المياه يرفع حالة الاستنفار    تدفق شحنات المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم لدعم الفلسطينيين    الضفة.. مستوطنون إسرائيليون يعتدون على عيادة متنقلة ويحاصرون طاقمها    الجيش الإسرائيلي: محمد وشاح عضو في حماس وكان يعمل تحت غطاء صحفي    فيفا يوقف 11 ناديا سعوديا عن القيد    مجموعة الهبوط، تشكيل الاتحاد أمام كهرباء الإسماعيلية في الدوري المصري    بعد غياب 16 عاما، عودة الصافرة السعودية إلى كأس العالم    خبر في الجول - بقيادة أمين عمر.. طاقم حكام مصري بالكامل في كأس العالم 2026    ضبط شخص لتلويحه بإشارات مخالفة للقيم أمام سيارة شرطة بالقاهرة    العثور على فتاة الهرم المتغيبة داخل منزل صديقها بالوراق    التحفظ على 1.3 طن دقيق بلدي مدعم قبل تهريبه للسوق السوداء بالفيوم    محمد محيي رئيساً لقطاع الأمانة العامة بماسبيرو    عاجل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي يرحب باتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران ويشيد بدور مصر والوسطاء    عاجل- مدبولي: تنسيق حكومي مع البنك المركزي لتأمين الدولار ودعم السلع الاستراتيجية    الطقس غدا.. استمرار ارتفاع الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 27 درجة    نشوب حريق محدود فى 3 عربات بقطار قصب بقنا    إحالة إدارة مدرستين بالمنيا للتحقيق    سعيد خطيبي ل «البوابة نيوز»: أنا مدين للأدب المصري بالدرجة الأولى وجائزة «البوكر» احتفاء بجيل يبحث عن الجمال والصدق    تضامن نجمات مصر مع لبنان بعد القصف الإسرائيلى الغاشم    رئيس قطاع فلسطين بالجامعة العربية: تحقيق السلام في المنطقة يأتي عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والعربية    3 مصريات في نصف نهائي بطولة الجونة الدولية للإسكواش    رئيس جهاز حماية المستهلك يستعرض جُهود الجهاز في ضبط الأسواق    رئيس الوطنية للإعلام يهنئ البابا تواضروس وقيادات الطوائف المسيحية بعيد القيامة المجيد    قانون الإدارة المحلية يثير الجدل.. ماذا قال الخبراء؟    مدبولي: توجيهات رئاسية بالتوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية    مهرجان أسوان لأفلام المرأة يعلن لجنة تحكيم الفيلم الطويل بدورته العاشرة    البيت الفني للمسرح يطلق برنامجا متنوعا لعروضه بشم النسيم وعيد القيامة.. الملك لير الأبرز    الصحة: السكتة الدماغية معركة ضد الوقت.. والتوسع إلى 187 وحدة على مستوى الجمهورية    الصحة تستعد لإطلاق تطبيق ذكي لتعزيز الوعي المجتمعي    مدير مستشفى قنا العام: استقبلنا 900 حالة مرضية طارئة في غير الأيام المحددة للطوارئ    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026 فى مصر فلكيًا    رئيس جامعة بنها يفتتح فعاليات المؤتمر العلمي الثالث لكلية التجارة    زلزال في ليفربول.. الانتقادات تلاحق سلوت بعد تجاهل محمد صلاح    ب380 جنيه.. محافظ أسوان يطلق مبادرة لتخفيض أسعار اللحوم    ضبط 3 شركات لإلحاق العمالة بالخارج دون ترخيص في الإسكندرية    إنزاجي: سداسية الخلود خطوة مهمة.. وتركيزنا يتجه نحو التحدي الآسيوي    وزارة التضامن: التنسيق مع الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء لتقديم خدمة الوعظ للحجاج    "الرفاعي" لجمال الغيطاني.. االضمير الحي للحرب    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون الطبى مع مستشفى «أدولف دى روتشيلد» بفرنسا    انطلاق تصفيات مسابقة «الأزهرى الصغير» بمنطقة سوهاج الأزهرية    4 صدامات نارية تشعل الجولة الثالثة في مجموعة البقاء بدوري نايل    الجريدة الرسمية تنشر موافقة الرئيس السيسي على اتفاق تمويلي بين مصر والاتحاد الأوروبي    انطلاق فعاليات التدريب المصري الباكستاني المشترك «رعد - 2»    رئيس جامعة بنها يستعرض جهود منظومة الشكاوى الحكومية    الصحة تكثف جهودها مع منظمة الصحة العالمية لصياغة الاستراتيجية الوطنية للحروق وتطوير 53 مركزا    أنام عن صلاة الفجر.. فهل يصح تأديتها بعد شروق الشمس؟ وهل على إثم؟ الأزهر يجيب    غدا.. «ربيع الخيوط» ورشة فنية ببيت العيني احتفاءً بأجواء الربيع    بمشاركة حسين فهمي.. أسطورة "ألف ليلة وليلة" برؤية صينية - مصرية    شريف أشرف: الزمالك قادر على الفوز بالدوري والكونفدرالية    هل تدخل مكافأة نهاية الخدمة في الميراث؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    «ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه فأعرض عنها».. تفسير يهز القلوب من خالد الجندي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غيبة مى وإرث بيريت: ذاكرة تتآكل وصياغة التاريخ عبر مصائر النساء!
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 04 - 01 - 2026


د. منير الحايك
من الصعب جدًّا أن يختار القارئ كتابًا واحدًا يفضّله من سلسلة القراءات التى قام بها خلال عام، ولأننى أقرأ كثيرًا، وكثيرة كانت الروايات التى كانت متميزة على المستويات المختلفة، كانت الصعوبة مُضاعفة، ولكننى قررت أن أختار روايتين لا رواية واحدة، وأسبابى كثيرة، سأحاول اختصارها..
اخترت هاتين الروايتين لا لأنهما الأبرز نقديًا فقط، بل لأنهما الأكثر التصاقًا بى وبذائقتى وأسئلتى ووعيى. لم يكن الاختيار ذائقيًّا خالصًا، بل كان نابعًا من الإحساس بأن الأدب الحقيقى لا يُمتع وحسب، بل يضعك أمام مرآة داخلية لا تشبه المرايا اليومية، مرآة تُريك هشاشتك قبل قوتك، وتردّدك قبل يقينك، وتُعيد ترتيب العالم فيك ولو على نحو مختلف الروايتان هما: «غيبة مى» لنجوى بركات (دار الآداب 2025) و«إرث بيريت» لفاتن المرّ (دار الرافدين 2025).
فى «غيبة مى» لنجوى بركات لا نقرأ رواية عن الشيخوخة أو المرض بقدر ما نقرأ رواية عن الإنسان حين تصبح الذاكرة أرضًا غير آمنة، وحين يتحوّل ما هو مألوف إلى غريب، وما هو حاضر إلى ظلّ، وما هو قريب إلى مسافة. استخدمت بركات «تيّار الوعى» والتداعى الحرّ لا بوصفها ترفًا أسلوبيًّا، بل بوصفها ضرورة وجودية لشخصية تعيش على حافة النسيان، وتتّكئ على التفاصيل الصغيرة لتفهم العالم من جديد: الأسماء التى تهرب، الأشياء التى تغيّر أماكنها، الأصوات التى تأتى من بعيد كأنها من حياة أخرى. هذه التفاصيل التى قد تبدو عادية فى حياتنا اليومية تصبح فى الرواية مسألة حياة كاملة، لأن الذاكرة حين تضعف لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، وهذا البطء المؤلم هو ما التقطته الرواية بحسّ إنسانى عميق.
أكثر ما شدّنى فى هذه الرواية أنها لم تقع فى فخّ الشفقة السهلة، ولم تُحوّل بطلتها إلى مجرّد جسد مريض أو روح منكسرة، بل حافظت عليها بوصفها امرأة كاملة، بضعفها وقوّتها، بحساسيتها ورغبتها فى الحياة رغم التآكل الصامت الذى يصيب الداخل. كانت «مي» أنثى قبل أن تكون مريضة، وإنسانة قبل أن تكون حالة، ولم تسعَ الرواية إلى استدرار التعاطف بقدر ما سعت إلى استدعاء فهم أعمق لمعنى أن يذوى الإنسان داخليًّا قبل أن يغيب خارجيًا.
ولأكون صادقًا لم تكن قراءتى للنصّ محايدة، إذ كانت تحضر «أمّى» بالفعل مع كلّ تفصيلة وكلّ شعور وكل ذاكرة وحالٍ تحصل لمى، شعرت أننى لا أقرأ عن «مى» وحدها، بل عن وجه أعرفه وصوت أعرفه وحياة أعيش ظلّها يوميًّا. ولأننى أكتب، وكانت هذه الفكرة تحضر دائمًا وأؤجّلها، أى أن أكتب نصًّا تكون والدتى بالفعل بطلته المرجعية، فكانت «غيبة مى» الرواية التى جعلتنى ألغى الفكرة نهائيًّا، فإننى بالفعل لن أستطيع أن أقول ما قالته نجوى بركات، وأن أكون مقنعًا كما أقنعتني!
أما الرواية الثانية، «إرث بيريت» لفاتن المر، فهى نصّ مختلف، وهى لا تركّز على فرد بقدر ما تحتضن مدينة كاملة، بيروت وبيروت هنا ليست إطارًا للأحداث، بل كائنًا حيًّا يتنفّس ويتألّم ويموت جزئيًّا، ثم يعود لينهض ويحيا على نحو ناقص. الرواية لا تُقدّم المدينة بوصفها مكانًا فحسب، بل بوصفها ذاكرة جماعية، سلسلة من النساء، الحكايات، الخسارات، والعناد الطويل من أجل البقاء والاستمرار.
ما تفعله فاتن المر ليس كتابة رواية تاريخية بالمعنى التقليدى، بل بناء تاريخ داخلى للمدينة، تاريخ تُعيد تشكيله عبر مصائر النساء، لا عبر التواريخ المرجعية التاريخية الحقيقية وحدها. الامتداد الزمنى من قرون بعيدة إلى لحظتنا الراهنة لا يأتى بوصفه استعراضًا للمعلومات، بل بوصفه سردًا يحمل المدينة من زمن إلى زمن، من حرب إلى أخرى، من ولادة إلى خراب جديد، من وهم النجاة إلى التكرار والاستمرار.
«العِقد» أساسٌ فى الرواية، ورموزه كثيرة ومتشعّبة، وجاء أعمق من أن يكون زينة عابرة، إنه خيط سريّ يربط النساء بعضهن ببعض، ويربط المدينة بنفسها، رمز للذاكرة، والاستمرارية، والحماية الهشّة التى لا تمنع السقوط، لكنها تحفظ المعنى وسط الركام. عبر هذا الرمز تنجح الرواية فى جعل الفكرة محسوسة لا مجرّدة، وتُحوّل التاريخ إلى تجربة تُلمَس لا إلى مادة تُحفَظ.
فى موقفها الأخلاقى، لا تُساوم الرواية ومعها كاتبتها على الحقيقة، ولا تُجمّل الحرب، ولا تُخفّف من الألم، لكنها فى الوقت نفسه لا تستسلم لليأس الكامل. ثمة حياة خفيّة تتحرّك بين السطور، كأن المدينة نفسها ترفض الموت النهائى، وتصرّ على أن تتنفّس ولو من بين الشقوق مهما كانت مؤلمة. عندها تلتقى الرواية مع معنى أوسع، بوصفها فعل مقاومة لا مجرّد تعبير، وشهادة لا مجرّد حكاية.
لهذا، لم يكن اختيارى لهاتين الروايتين هذا العام اختيارًا أدبيًا وحسب، بل كان اختيارًا إنسانيًا وأخلاقيًا. «غيبة مى» تضعك أمام هشاشة الإنسان الفرد، وتضعك أمام أسئلة وجودية مرتبطة بعلاقتك مع نفسك ومع الآخر ومع من تحبّ، لتسائل نفسك وتحاسبها، أمّا «إرث بيريت» فتوثّق لتاريخ البلاد وحاضرها، وهى محاولة جادّة ومدروسة فى مواجهة التزوير الذى نعيشه يوميًّا، تزوير الحاضر كما تزوير الماضى وتشويهه، وهى حاجة للتجربة الروائية العربية، فى مواجهة السائد والمستهلَك، فالتزام الكاتب، المثقف المسئول، بمبادئه إلى هذا الحدّ أصبح تهمة ورجعية عند البعض، ولكن وجود من هم مثل فاتن المر يبشّر بأن الأدب بخير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.