د. منير الحايك من الصعب جدًّا أن يختار القارئ كتابًا واحدًا يفضّله من سلسلة القراءات التى قام بها خلال عام، ولأننى أقرأ كثيرًا، وكثيرة كانت الروايات التى كانت متميزة على المستويات المختلفة، كانت الصعوبة مُضاعفة، ولكننى قررت أن أختار روايتين لا رواية واحدة، وأسبابى كثيرة، سأحاول اختصارها.. اخترت هاتين الروايتين لا لأنهما الأبرز نقديًا فقط، بل لأنهما الأكثر التصاقًا بى وبذائقتى وأسئلتى ووعيى. لم يكن الاختيار ذائقيًّا خالصًا، بل كان نابعًا من الإحساس بأن الأدب الحقيقى لا يُمتع وحسب، بل يضعك أمام مرآة داخلية لا تشبه المرايا اليومية، مرآة تُريك هشاشتك قبل قوتك، وتردّدك قبل يقينك، وتُعيد ترتيب العالم فيك ولو على نحو مختلف الروايتان هما: «غيبة مى» لنجوى بركات (دار الآداب 2025) و«إرث بيريت» لفاتن المرّ (دار الرافدين 2025). فى «غيبة مى» لنجوى بركات لا نقرأ رواية عن الشيخوخة أو المرض بقدر ما نقرأ رواية عن الإنسان حين تصبح الذاكرة أرضًا غير آمنة، وحين يتحوّل ما هو مألوف إلى غريب، وما هو حاضر إلى ظلّ، وما هو قريب إلى مسافة. استخدمت بركات «تيّار الوعى» والتداعى الحرّ لا بوصفها ترفًا أسلوبيًّا، بل بوصفها ضرورة وجودية لشخصية تعيش على حافة النسيان، وتتّكئ على التفاصيل الصغيرة لتفهم العالم من جديد: الأسماء التى تهرب، الأشياء التى تغيّر أماكنها، الأصوات التى تأتى من بعيد كأنها من حياة أخرى. هذه التفاصيل التى قد تبدو عادية فى حياتنا اليومية تصبح فى الرواية مسألة حياة كاملة، لأن الذاكرة حين تضعف لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، وهذا البطء المؤلم هو ما التقطته الرواية بحسّ إنسانى عميق. أكثر ما شدّنى فى هذه الرواية أنها لم تقع فى فخّ الشفقة السهلة، ولم تُحوّل بطلتها إلى مجرّد جسد مريض أو روح منكسرة، بل حافظت عليها بوصفها امرأة كاملة، بضعفها وقوّتها، بحساسيتها ورغبتها فى الحياة رغم التآكل الصامت الذى يصيب الداخل. كانت «مي» أنثى قبل أن تكون مريضة، وإنسانة قبل أن تكون حالة، ولم تسعَ الرواية إلى استدرار التعاطف بقدر ما سعت إلى استدعاء فهم أعمق لمعنى أن يذوى الإنسان داخليًّا قبل أن يغيب خارجيًا. ولأكون صادقًا لم تكن قراءتى للنصّ محايدة، إذ كانت تحضر «أمّى» بالفعل مع كلّ تفصيلة وكلّ شعور وكل ذاكرة وحالٍ تحصل لمى، شعرت أننى لا أقرأ عن «مى» وحدها، بل عن وجه أعرفه وصوت أعرفه وحياة أعيش ظلّها يوميًّا. ولأننى أكتب، وكانت هذه الفكرة تحضر دائمًا وأؤجّلها، أى أن أكتب نصًّا تكون والدتى بالفعل بطلته المرجعية، فكانت «غيبة مى» الرواية التى جعلتنى ألغى الفكرة نهائيًّا، فإننى بالفعل لن أستطيع أن أقول ما قالته نجوى بركات، وأن أكون مقنعًا كما أقنعتني! أما الرواية الثانية، «إرث بيريت» لفاتن المر، فهى نصّ مختلف، وهى لا تركّز على فرد بقدر ما تحتضن مدينة كاملة، بيروت وبيروت هنا ليست إطارًا للأحداث، بل كائنًا حيًّا يتنفّس ويتألّم ويموت جزئيًّا، ثم يعود لينهض ويحيا على نحو ناقص. الرواية لا تُقدّم المدينة بوصفها مكانًا فحسب، بل بوصفها ذاكرة جماعية، سلسلة من النساء، الحكايات، الخسارات، والعناد الطويل من أجل البقاء والاستمرار. ما تفعله فاتن المر ليس كتابة رواية تاريخية بالمعنى التقليدى، بل بناء تاريخ داخلى للمدينة، تاريخ تُعيد تشكيله عبر مصائر النساء، لا عبر التواريخ المرجعية التاريخية الحقيقية وحدها. الامتداد الزمنى من قرون بعيدة إلى لحظتنا الراهنة لا يأتى بوصفه استعراضًا للمعلومات، بل بوصفه سردًا يحمل المدينة من زمن إلى زمن، من حرب إلى أخرى، من ولادة إلى خراب جديد، من وهم النجاة إلى التكرار والاستمرار. «العِقد» أساسٌ فى الرواية، ورموزه كثيرة ومتشعّبة، وجاء أعمق من أن يكون زينة عابرة، إنه خيط سريّ يربط النساء بعضهن ببعض، ويربط المدينة بنفسها، رمز للذاكرة، والاستمرارية، والحماية الهشّة التى لا تمنع السقوط، لكنها تحفظ المعنى وسط الركام. عبر هذا الرمز تنجح الرواية فى جعل الفكرة محسوسة لا مجرّدة، وتُحوّل التاريخ إلى تجربة تُلمَس لا إلى مادة تُحفَظ. فى موقفها الأخلاقى، لا تُساوم الرواية ومعها كاتبتها على الحقيقة، ولا تُجمّل الحرب، ولا تُخفّف من الألم، لكنها فى الوقت نفسه لا تستسلم لليأس الكامل. ثمة حياة خفيّة تتحرّك بين السطور، كأن المدينة نفسها ترفض الموت النهائى، وتصرّ على أن تتنفّس ولو من بين الشقوق مهما كانت مؤلمة. عندها تلتقى الرواية مع معنى أوسع، بوصفها فعل مقاومة لا مجرّد تعبير، وشهادة لا مجرّد حكاية. لهذا، لم يكن اختيارى لهاتين الروايتين هذا العام اختيارًا أدبيًا وحسب، بل كان اختيارًا إنسانيًا وأخلاقيًا. «غيبة مى» تضعك أمام هشاشة الإنسان الفرد، وتضعك أمام أسئلة وجودية مرتبطة بعلاقتك مع نفسك ومع الآخر ومع من تحبّ، لتسائل نفسك وتحاسبها، أمّا «إرث بيريت» فتوثّق لتاريخ البلاد وحاضرها، وهى محاولة جادّة ومدروسة فى مواجهة التزوير الذى نعيشه يوميًّا، تزوير الحاضر كما تزوير الماضى وتشويهه، وهى حاجة للتجربة الروائية العربية، فى مواجهة السائد والمستهلَك، فالتزام الكاتب، المثقف المسئول، بمبادئه إلى هذا الحدّ أصبح تهمة ورجعية عند البعض، ولكن وجود من هم مثل فاتن المر يبشّر بأن الأدب بخير.