وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    «توتال إنرجيز» تعتزم التوسع وزيادة الاستثمارات بأنشطة استكشاف الغاز في مصر    20 مايو.. حفل ل علي الحجار بساقية عبدالمنعم الصاوي    وفاة المغني وكاتب الأغاني ديفيد آلان كو عن عمر ناهز 86 عاما    محافظ أسيوط يؤكد تسريع إجراءات تقنين أراضي الدولة والتصالح    سيميوني: أمامنا تحد استثنائي في لندن وسنقدم كل ما لدينا للتأهل إلى النهائي    ترتيب الدوري المصري قبل قمة الأهلي والزمالك    القناة يتصدر ترتيب دوري المحترفين قبل الجولة ال 32    جمارك مطار الإسكندرية تحبط محاولة تهريب مستحضرات تجميل وهواتف وأجهزة إلكترونية    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة ل 6 مايو    التضامن تنفذ النسخة الثانية لسلسلة التدريبات التفاعلية لتنمية مهارات الاتصال    نادي السينما الأفريقية يعرض "كولونيا" في الهناجر السبت المقبل    حكم طواف من يحمل طفلًا يرتدي حفاضة في الحج 2026.. الإفتاء توضح    عاجل- حظر التدخين في الأماكن العامة والحكومية.. عقوبات تصل إلى 20 ألف جنيه للمخالفين    من أعمال المنفعة العامة.. مدبولي يقرر مشروع توسعات محطة معالجة الصرف الصحى مركز زفتى بالغربية    بالأسماء.. رئيس الوزراء يسقط الجنسية المصرية عن 3 مواطنين    اليوم.. السيسي يشهد احتفالية عيد العمال في بورسعيد ويكرم النماذج العمالية المتميزة    من هو المصارع المصري صاحب سر اللقطة العالمية؟.. عبد الله حسونة يكشف كيف أبهر العالم    لأول مرة بجامعة عين شمس.. توزيع 50 "لاب توب ناطق" للطلاب ذوي الإعاقة البصرية    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    حالة المرور اليوم في القاهرة الكبرى، زحام بمدينة نصر والهرم وفيصل وسيولة بطريق بنها    زكريا أبو حرام يكتب: السادات وتحرير سيناء    ترامب يلوح بخفض القوات الأمريكية في ألمانيا، وروسيا: "علامة سوداء" على ميرتس    أكسيوس: القادة العسكريون سيطلعون ترامب اليوم على خيارات عسكرية جديدة ضد إيران من بينها عمليات برية    الأهلي أمام الفتح المغربي في ربع نهائي بطولة أفريقيا لرجال الطائرة    تموين الفيوم يضبط 36 جوال دقيق مدعم قبل تهريبها إلى السوق السوداء    النفط الأمريكي يرتفع بنحو دولارين ليسجل 109.64 دولارات للبرميل    جدول امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    بوتين وترامب يبحثان هدنة مؤقتة في أوكرانيا خلال اتصال هاتفي    ملحمة الشرطة في أرض الفيروز من «مواجهة الإرهاب» إلى مرحلة «الاستقرار والتنمية»    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 30 أبريل    إلهام شاهين: أدواري الجريئة محدش يقدر عليها| حوار    وول ستريت جورنال: أمريكا تضغط على حكومات أجنبية للانضمام إلى تحالف دولي جديد لفتح مضيق هرمز    ترامب لنتنياهو: ضربات إسرائيل على لبنان يجب أن تكون «محدودة الاستهداف»    "الجيش الصهيونى "يبدأ السيطرة على سفن أسطول الصمود المتجه لغزة    ربة منزل تستغيث.. ومباحث شبرا الخيمة تضبط اللصوص خلال ساعات| صور    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    الانسحاب من "الجامعة العربية" و"التعاون الإسلامي"خطوة مرتقبة .. بلومبرج: مغادرة الامارات (أوبك) انفجار لخلافات مكتومة مع السعودية    قائد البحرية الإيرانية يعد بكشف "سلاح يرهب الأعداء" ويؤكد ضرب حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" 7 مرات    إصابة 3 أشخاص فى حادث تصادم دراجتين ناريتين بطريق البصراط- المنزلة بالدقهلية    مشاجرة نسائية تتحول لتهديد بالسلاح الأبيض في القليوبية.. والمباحث تكشف الحقيقة    تأجيل محاكمة المتهم بهتك عرض إبنتي شقيقه بدمنهور ل24 مايو للنطق بالحكم    عبد الرحيم علي: ترامب يحوّل الوقت إلى أداة ضغط استراتيجية داخل إيران    تقرير تركي: فنربخشة في مفاوضات لضم محمد صلاح    عبدالرحيم علي: ترامب ينتظر نضج لحظة انفجار الأوضاع من الداخل الإيراني    أخطر 10 أمراض معدية تهدد البشرية: عندما يتحول المرض إلى سباق مع الزمن    عرض "كتاب الموتى" يبهر الجمهور في أولى ليالي مهرجان الرقص المعاصر    ديو جديد بعد 21 عاما، " CBC" تطرح أغنية "الغلاوة" لشيرين بعد الوهاب وبهاء سلطان    طارق يحيى: الزمالك يخطط لحسم الدوري أمام الأهلي    لماذا ترتفع الأسعار الآن؟ أبو صدام يكشف كواليس "الفترة الانتقالية" وموعد الانفراجة الكبرى    "البوابة نيوز" تنشر غيابات الأهلي أمام الزمالك في القمة    مديرية الصحة بالإسماعيلية تحتفل بالأسبوع العالمي للتطعيمات وتكرم الفرق المتميزة (صور)    حمى "لصاقات الأوزمبيك" تجتاح الإنترنت.. وعود سريعة لإنقاص الوزن بلا دليل حاسم    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سامح قاسم يكتب: ماركيز.. ذاكرة من الحكايات لا تموت
نشر في البوابة يوم 17 - 03 - 2025


غابرييل غارسيا ماركيز
يعد غابرييل غارسيا ماركيز واحدًا من أبرز الروائيين فى التاريخ الأدبي، حيث استطاع أن يؤسس أسلوبًا سرديًا متفردًا عُرف لاحقًا بالواقعية السحرية، وهو أسلوب يجمع بين العناصر الواقعية والخيالية فى نسيج روائى متماسك. فى "ماركيز.. لن أموت..حكايات كتبه "، لا يروى الكاتب مجرد حكايات، بل يقدم تأملاته حول الأدب، الكتابة، والقراءة، مما يجعل هذا الكتاب أقرب إلى شهادة أدبية شخصية منه إلى مجرد مجموعة من القصص.
يتناول الكتاب العلاقة العميقة التى تربط ماركيز بالكتب التى قرأها وكتبها، حيث يعيد النظر فى تأثيرات طفولته، وأعمال الأدباء الذين شكلوا وعيه السردي، واللحظات التى دفعته إلى الكتابة. وهو بذلك ليس مجرد مجموعة من الذكريات، بل محاولة لفهم كيف تتشكل الأفكار الأدبية، وكيف يمكن للحياة أن تتحول إلى نصوص تتجاوز الزمن والمكان.
تكمن أهمية هذا الكتاب فى أنه يعكس روح ماركيز الأدبية والفكرية، فهو ليس مجرد تأملات فى أعماله، بل هو بمثابة حوار مفتوح بينه وبين القارئ حول ماهية الكتابة وفن الحكي.
يأتى هذا العمل بعد عقود من الإبداع الروائى والقصصي، حيث كان ماركيز قد نشر بالفعل رواياته الأيقونية مثل "مئة عام من العزلة" و"الحب فى زمن الكوليرا" و"خريف البطريرك"، وهى الأعمال التى أرست مكانته كواحد من أعظم كتاب القرن العشرين. وبالتالي، فإن هذا الكتاب يمثل وثيقة، ليس فقط عن الكتابة، بل عن القراءة كفعل مؤسس للهوية الأدبية.
يمكن اعتبار الكتاب عملًا يجمع بين السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي، حيث نجد ماركيز يتحدث عن كتبه بصفته قارئًا قبل أن يكون مؤلفًا. فهو لا يستعيد فقط أجواء النصوص التى كتبها، بل يعيد رسم خريطة التأثيرات التى صنعت عالمه. ومن هنا، فإن الكتاب يشكل مفتاحًا مهمًا لفهم كيف تشكلت رؤيته الأدبية، وكيف تحولت قراءاته إلى مواد خام لصياغة قصصه وأبطاله وعوالمه.
عند قراءة هذا العمل، نلمس كيف أن الكتب التى تأثر بها ماركيز لم تكن مجرد مصادر إلهام، بل كانت تشكل جزءًا من نسيج وعيه الأدبي. فهو يستعيد لقاءاته الأولى بالأدب العالمى واللاتيني، ويكشف عن الكتب التى دفعته إلى الكتابة، وكذلك عن النصوص التى جعلته يشكك فى قدراته أحيانًا أو يعيد التفكير فى أسلوبه.
يكشف ماركيز فى هذا الكتاب كيف أن كل تجربة عاشها كانت مادة أولية لرواياته. طفولته، تنقلاته بين المدن، عمله فى الصحافة، وحتى علاقاته الشخصية، كلها وجدت طريقها إلى أعماله.
فى الكتاب يتحدث الكاتب عن أصول بعض شخصياته الشهيرة مثل العقيد أورليانو بوينديا من "مئة عام من العزلة"، وفلورنتينو أريثا من "الحب فى زمن الكوليرا". يستعيد ماركيز فى هذه الحكايات الظروف التى ألهمته لخلق هذه الشخصيات، والتجارب الحياتية التى شكلت ملامحها النفسية والاجتماعية.
يبرز ماركيز أيضًا شخصياته النسائية بقوة، حيث تتجلى صورة المرأة كعنصر حاسم فى سرده، سواء من خلال الشخصيات الأسطورية مثل أورسولا بوينديا، أو الشخصيات التى تجمع بين الحسية والغموض مثل فيرمينا داثا. إن حضور النساء فى كتابات ماركيز يتعدى كونه مجرد عنصر سردي، بل يشكل محورًا أساسيًا فى بناء الحبكة والتوتر الدرامي.
من بين أهم ملامح أسلوب ماركيز السردى هو بناءه لعوالم خيالية تبدو واقعية للغاية، وعلى رأسها "ماكوندو"، التى أصبحت رمزًا أدبيًا للواقعية السحرية. فى الكتاب، يعود الكاتب إلى هذه المدينة المتخيلة، لكنه هذه المرة يكشف عن أصولها الحقيقية، وكيف استوحاها من بلدته الأصلية أراكاتاكا.
لكن فضاءات ماركيز لا تقتصر على ماكوندو، إذ تمتد لتشمل أماكن متعددة مثل البحر الكاريبي، والقرى النائية، والمدن اللاتينية التى تحمل بين جدرانها قصصًا غارقة فى الحنين والألم. إن تداخل هذه الفضاءات يجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والخيال، وهى سمة جوهرية فى أعماله.
يحتل الحب مكانة بارزة فى سرديات ماركيز، لكنه لا يقدم الحب فى صورته التقليدية، بل يعكسه كقوة متشابكة بالحنين والفقد. فى "حكايات كتبه ماركيز"، نرى كيف يتموضع الحب فى عالم ماركيز، حيث يصبح مرتبطًا بتقلبات الزمن والمصائر المتشابكة لشخصياته. فهو حب لا يسير وفق منطق مستقيم، بل هو حب يتغذى على الذاكرة، ويعيش فى أروقة الحنين أكثر مما يعيش فى الواقع.
يتجلى هذا الأمر فى طريقة استعادته لعلاقاته العاطفية الأولى، وكيف أن تلك العلاقات لم تكن مجرد تجارب عابرة، بل شكلت جزءًا جوهريًا من نظرته للحياة والإنسان. ويعكس ماركيز ذلك عبر شخصياته التى تجد فى الحب خلاصها، ولكنها تدرك أيضًا أنه محفوف بالفقدان والانتظار.
الموت أيضا فى أعمال ماركيز ليس مجرد نهاية، بل هو بوابة لعبور آخر، مرحلة جديدة تفتح على احتمالات غير متوقعة. فى "حكايات كتبه"، يعيد الكاتب تأملاته حول الموت، مستعيدًا بعض اللحظات التى واجه فيها الفقد، سواء عبر رحيل شخصيات حقيقية فى حياته أو عبر قصص شكلت رؤيته للعالم.
يقدم لنا ماركيز الموت كجزء لا ينفصل عن الحياة، لكنه فى الوقت ذاته يرفض النظر إليه كحقيقة مطلقة. ففى حكاياته، يظل الأموات حاضرون، يتحدثون، يبعثون من جديد عبر الذكريات، ويتركون أثرًا لا يزول.
من أبرز سمات الواقعية السحرية فى "حكايات ماركيز" هو تصوير الأماكن وكأنها كائنات حية تتنفس وتؤثر فى الأحداث. مدينة "ماكوندو"، التى أصبحت رمزًا أدبيًا عالميًا، ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هى عنصر روائى فاعل يؤثر فى مصائر الشخصيات، ويتغير ويتحول مع الزمن وكأنه يمتلك إرادة مستقلة.
فى الواقعية السحرية، لا يُنظر إلى الموت كنهاية مطلقة، بل كجزء من دورة أزلية تربط بين الأحياء والأموات. فى "حكايات كتبه ماركيز"، نجد العديد من الشخصيات التى تعيش بعد موتها، حيث يظل الأموات يتحدثون، ويعودون للظهور فى الأحلام والذكريات، بل وأحيانًا يشاركون فى صناعة الأحداث كأنهم لم يغادروا العالم أبدًا.
هذه النظرة تعكس المعتقدات الشعبية فى أمريكا اللاتينية، حيث يُنظر إلى الموت كامتداد للحياة وليس كنهاية لها، وهى رؤية تتكرر فى أعمال ماركيز، مما يمنحها طابعًا غرائبيًا لكنه متجذر فى الثقافة المحلية.
يحتل فعل القراءة مكانة مركزية فى حياة غابرييل غارسيا ماركيز، حيث شكلت المكتبة التى نشأ حولها الأساس الذى بنى عليه عالمه السردي. فى الكتاب"، يستعيد الكاتب رحلته مع الكتب، كاشفًا عن الأعمال التى أثرت فى رؤيته الأدبية، وكيف أن القراءة كانت بالنسبة له ليست مجرد وسيلة للمعرفة، بل أداة لاستكشاف العالم وإعادة تشكيله عبر الكتابة.
منذ طفولته، كان ماركيز يلتهم الكتب بشغف، وكان لكل مرحلة من حياته مجموعة من الأعمال التى صاغت خياله. فمن الروايات اللاتينية الكلاسيكية إلى الأدب الأوروبى والآسيوي، نجد أن ماركيز تأثر بمرويات مختلفة، مما منحه طابعًا سرديًا فريدًا يمزج بين المحلى والعالمي.
كانت "دون كيخوتي" واحدة من أولى الروايات التى قرأها ماركيز، وقد شكلت فهمه للعلاقة بين الخيال والواقع، حيث كان مفتونًا بالطريقة التى يمزج بها ثيربانتس بين الحلم والسخرية. نجد فى "حكايات كتبه ماركيز" إشارات عديدة إلى هذه الرواية، حيث يستعيد بعض شخصياتها، بل ويوظف أسلوبها فى خلق شخصيات تبدو كما لو أنها تحيا بين الواقع والوهم.
من بين أكثر الكتّاب تأثيرًا فى ماركيز كان ويليام فوكنر، خصوصًا من خلال روايات مثل "الصخب والعنف" و"حين أرقد محتضرًا". لقد ساعده أسلوب فوكنر فى فهم كيفية تفكيك الزمن داخل النص السردي، وكيفية خلق شخصيات تمتلك حكايات متداخلة تتجاوز الزمن التقليدي. فى "حكايات كتبه ماركيز"، يعترف ماركيز بهذا التأثير العميق، حيث يرى أن فوكنر لم يكن مجرد كاتب أمريكي، بل كان كاتبًا عالميًا استطاع أن يخلق عوالم شبيهة بقرى أمريكا اللاتينية.
من خلال قراءاته لفرجينيا وولف وجيمس جويس، اكتشف ماركيز مفهوم تدفق الوعي، حيث يمكن للشخصية أن تعبر عن أفكارها الداخلية بطريقة متواصلة دون الحاجة إلى تدخل الراوي. فى "حكايات كتبه ماركيز"، نرى كيف أن هذا الأسلوب ظهر فى بعض أعماله، خصوصًا فى تصويره لشخصيات تعيش داخل عالمها الذهني، كما نجد فى "الحب فى زمن الكوليرا".
أحد أهم الاكتشافات الأدبية لماركيز كان فرانز كافكا، الذى فتح أمامه بابًا جديدًا لفهم كيف يمكن للسرد الواقعى أن يصبح سحريًا دون الحاجة إلى كائنات خارقة. يروى ماركيز كيف أنه عندما قرأ "المسخ" لأول مرة، أدرك أن الأدب ليس بحاجة إلى الالتزام بالقواعد التقليدية، بل يمكنه أن يكون انعكاسًا للغرابة الكامنة فى الحياة اليومية.
يمكن النظر إلى "ماركيز.. لن أموت.. حكايات كتبه " بوصفه شهادة أخيرة على عالم أدبى متكامل بناه ماركيز عبر عقود من الكتابة. فهو ليس مجرد كتاب يجمع حكايات متفرقة، بل هو تأمل فى ماهية الأدب، والكتابة، والحياة، والذكريات التى صنعت كاتبًا بحجم ماركيز.
يأخذ الكتاب طابع الوصية الأدبية، حيث يستعرض ماركيز رحلته مع الكتابة، لكنه لا يقدم نفسه كنموذج للمثالية، بل يعترف بالتجارب التى مر بها، بالأخطاء، باللحظات التى شعر فيها بالشك، وبالكتب التى غيرت حياته. ومن هنا، يكتسب العمل أهمية مزدوجة؛ فهو من جهة تأريخ لمسيرته الأدبية، ومن جهة أخرى درس فى كيفية بناء عالم روائى متكامل.
يهيمن على الكتاب إحساس قوى بالزمن، حيث يستعيد ماركيز لحظات من طفولته، ويقارنها بما أصبح عليه ككاتب عالمي. هذه الاستعادات لا تأتى على شكل نوستالجيا فارغة، بل تبدو وكأنها محاولات لفهم كيف تشكل وعيه الأدبي، وكيف تحولت الأحداث اليومية الصغيرة إلى مواد خام لصنع الحكايات.
فى هذا السياق، يتحدث ماركيز عن الزمن لا بوصفه مجرد تعاقب للأيام، بل بوصفه كيانًا عضويًا يعيد إنتاج نفسه بطرق مختلفة. هذا المفهوم للزمن نجده فى أغلب أعماله، حيث لا يوجد خط فاصل بين الماضى والحاضر، بل تداخل مستمر يعيد صياغة التجربة الإنسانية من جديد.
فى هذا الكتاب، يقدم ماركيز تأملات غنية حول فعل الكتابة، موضحًا أنها ليست مجرد مهنة، بل أسلوب حياة. يتحدث عن الكتابة بوصفها عملية مستمرة من الاستكشاف، حيث لا يكون الكاتب متأكدًا تمامًا مما يفعله، بل يكتشف القصة أثناء كتابتها.
كما يشير إلى أن الكتابة تتطلب الصبر، وأن الأفكار العظيمة لا تأتى دفعة واحدة، بل هى حصيلة سنوات من التفكير والتجربة. هذا المنظور يجعل الكتاب ليس فقط عملًا سرديًا، بل أيضًا دليلًا لكل من يرغب فى فهم طبيعة الإبداع الأدبي.
يرى بعض النقاد أن الكتاب يحمل طابع الرسالة المفتوحة إلى الأجيال القادمة من الكتّاب. فهو لا يقدم وصفات جاهزة للنجاح، لكنه يكشف عن طبيعة الرحلة الأدبية، وعن المتعة والتحديات التى تصاحبها. هذه الرسالة تتجاوز حدود السيرة الذاتية لتصبح تأملًا عامًا حول علاقة الإنسان بالحكاية، وحول قدرة السرد على منح الحياة معنى أعمق.
من خلال هذا الكتاب، يترك ماركيز وراءه إرثًا فكريًا وسرديًا يمكن للقراء والكتّاب الجدد أن يعودوا إليه لفهم جوهر الكتابة والإبداع. إنه عمل يثبت أن الحكاية لا تموت أبدًا، بل تعيش طالما هناك من يعيد سردها، ويمنحها حياة جديدة مع كل قراءة جديدة
يعد "حكايات كتبه " أكثر من مجرد كتاب يحكى عن تجربة شخصية؛ إنه شهادة أدبية عميقة تعكس رحلة إبداعية امتدت لعقود، وهى رحلة لم تكن مجرد تراكم للحكايات، بل كانت تجربة متكاملة أعادت تعريف السرد الروائي. لقد كشف ماركيز فى هذا العمل عن العلاقة الحميمة بين الكاتب والنص، وبين الحياة والفن، حيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
من خلال هذا الكتاب، نجح ماركيز فى إضفاء بعد فلسفى على مفهوم الكتابة، حيث بدت الحكايات وكأنها امتداد للوجود الإنساني، لا مجرد كلمات على الورق. يتحدث ماركيز عن تجربته الأدبية بشفافية، لكنه فى ذات الوقت يترك للقارئ مساحة للتأمل فى كيف يمكن للحياة أن تصبح أدبًا، وكيف يمكن للأدب أن يمنح الحياة بعدًا جديدًا.
لقد استطاع ماركيز عبر هذا النص أن يخلق حوارًا ممتدًا مع القرّاء، حيث جعل من "حكايات كتبه" ليست مجرد حكايات منعزلة، بل أجزاء متصلة من مشروعه الأدبي، مما يجعلها ضرورة لفهم أعماله الأخرى. فمن خلال سرده للحكايات، وتأملاته فى الكتابة، واسترجاعه لعوالمه الروائية، يفتح أمامنا نافذة نادرة إلى العقل المبدع الذى رسم لنا ماكوندو، وصاغ لنا شخصيات لن تُنسى.
تكمن أهمية هذا الكتاب فى أنه لا يقدم أجوبة نهائية، بل يثير أسئلة عميقة حول الإبداع والهوية والذاكرة. هل الكتابة مجرد محاولة لمقاومة النسيان؟ هل الحكايات التى نحكيها تعيد تشكيل واقعنا؟ وهل يمكن للأدب أن يكون بمثابة ذاكرة جمعية تحفظ التجارب الإنسانية للأجيال القادمة؟
فى نهاية المطاف، يبقى "ماركيز.. لن أموت.. حكايات كتبه " نصًا استثنائيًا، لا لأنه فقط يكشف لنا أسرار ماركيز ككاتب، ولكن لأنه أيضًا يفتح أمامنا أبوابًا جديدة لفهم علاقتنا بالقراءة والكتابة. إنه عمل يحمل فى طياته روح ماركيز، تلك الروح التى جعلت من الكلمات عالمًا ينبض بالحياة، ومن الحكايات ذاكرة لا تموت.
من أبرز سمات الواقعية السحرية فى «حكايات ماركيز» هو تصوير الأماكن وكأنها كائنات حية تتنفس وتؤثر فى الأحداث مدينة «ماكوندو» التى أصبحت رمزًا أدبيًا عالميًا، ليست مجرد خلفية للأحداث بل هى عنصر روائى فاعل يؤثر فى مصائر الشخصيات ويتغير ويتحول مع الزمن وكأنه يمتلك إرادة مستقلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.