رابط التقدم لمرحلة رياض الأطفال بمدارس القاهرة الجديدة الحكومية    بث مباشر..تواضروس يترأس"عيد الصعود"بوادي النطرون    0.6 % ارتفاعا في أسعار الذهب بالبورصات العالمية    الجريدة الرسمية تنشر قرار وزارة التجارة بشأن إعادة تنظيم المجالس التصديرية (نص كامل)    أسعار الأسماك اليوم الخميس 28-5-2020 في سوق العبور    نقيب الفلاحين الزراعيين: الرئيس أمر بزيادة مساحة الأراضي الصحراوية ودعم الفلاحين    ارتفاع مخزونات النفط الأمريكية 8.7 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي    وزير الإسكان :تكثيف أعمال التعقيم ورفع المخلفات بالمدن الجديدة خلال إجازة عيد الفطر وساعات حظر التجوال    شرطي يخنق مواطنا حتى الموت أمام المارة    تسجيل 1644 إصابة جديدة بكورونا في السعودية وتعافي 3531 حالة    نشرة أخبار العالم.. وفاة نائب فرنسي بعد إصابته بفيروس كورونا.. أردوغان يعين متهما بالسرقة مشرفا على المعاشات    200 إصابة جديدة بكورونا و11 حالة وفاة في السودان    برلماني: اعتقال "الرويضاني" ضربة موجعة لداعش وأردوغان    بنسبة نجاح 99.76 %.. محافظ أسيوط يعتمد نتيجة الشهادة الإعدادية    طلب التحريات حول عصابة سرقة المواطنين بعين شمس    عمرو محمود ياسين: "أبويا دايما في ضهري"    تعرف على نسبة التصويت ل أكرم حسني في استفتاء "الفجر الفني" اليوم الخميس 28 مايو    رئيس جامعة العريش: إحضار شهادة خلو من كورونا شرط أساسي لدخول الأساتذة والموظفين    وزير القوى العاملة يتابع إجراءات التعقيم والتطهير قبل انتظام العمل بالوزارة بدء من الأحد المقبل    كورونا في بني سويف.. تعافي 9 حالات جديدة بالمدينة الجامعية    الغرفة التجارية بالدقهلية تكرم أحد الأبطال الناجين من معركة البرث الأحد    الدكتور عوض تاج الدين المستشار الصحى للرئيس :من المتوقع أن تكون ذروة الاصابات بوباء كورونا في مصر بعد اسبوعين    تطهير وتعقيم مراكز الشباب في جميع المحافظات استعدادًا لعودة النشاط منتصف يونيو    كنيسة مارجرجس بساحل طهطا تحتفل بعيد الصعود المجيد    السكرتير المساعد لمحافظة قنا يتابع توريد القمح للصوامع    أوغندا تشكر مصر لدعمها في إزالة الحشائش بالبحيرات الاستوائية    حالة الطقس خلال اليومين القادمين ..كتلة هوائية من شمال البحر المتوسط،    5 أذكار وأدعية للتحصن من الأمراض والأوبئة    السيسي: ثقتي في الشعب كبيرة لمجابهة حملات التشكيك بجهود التنمية    ما حكم التصدق بقيمة العقيقة؟.. "البحوث الإسلامية" يجيب    في ذكرى وفاته.. قضايا مهمة ناقشها أسامة أنور عكاشة بمسلسلاته    تحرير 37 مخالفة للمخابز البلدية في المنيا    المباحث تستمع لأقوال شهود العيان حول حريق ماسورة غاز حلمية الزيتون    وزيرة الصحة تصدر قرارا بتعيين أميمة عباس مديرا للشئون الصحية بالفيوم    أخبار الرياضة.. خالد الغندور يستفز جمهور الأهلي.. وبرشلونة يستأنف المران ب كمامة بألوان القميص    استفزاز جديد من "الغندور" لجماهير الأهلى    %53 من القراء يرفضون.. نتيجة استطلاع صدى البلد عن مساعي الزمالك للحصول على لقب نادي القرن    بسبب الأزمة المالية.. ليفربول يتراجع عن ضم بديل محمد صلاح    4 قرارات جمهورية جديدة للرئيس السيسي تعرف عليها    من المقصود.. المغامسي يعاود التغريد بأبيات شعرية    «الري» تحيل 280 محضر تعديات على المجاري المائية إلى النيابات العسكرية    مؤسس فيسبوك يرد على ترامب: الرقابة ليست القرار الصائب    الحوار أو الانهيار الاقتصادي.. أمريكا تخيّر إيران    الصحة: نجهز 320 مستشفى لعلاج كورونا.. ونسب الشفاء تقترب من العالمية    المرور يكثيف من انتشار عمليات مراقبة المحاور لمنع ظهور أي كثافات    عمرو محمود ياسين يدافع عن شيكابالا ويتعرض للهجوم    تعليمات هامة لطلاب تجارة عين شمس للتعليم المدمج    6 لاعبين خارج برشلونة نهاية الموسم    «يخالف قرار رئيس الوزراء».. استياء في المنيا بسبب وقف تراخيص البناء في جميع المدن    حكم صيام الثلاثة أيام كفارة اليمين متفرقة    دعاء في جوف الليل: اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء وسائر المحن    صور جديدة لانفجار ماسورة الغاز بحلمية الزيتون    المطرب أحمد شيبة: حاسس أنى عندى موهبة التمثيل و"هدغدغ الدنيا"    فيديو .. محمد فؤاد يشعل حفل عيد الفطر المبارك    فيديو.. مدير العناية المركزة بحميات طنطا: مش عاوزين نوصل أن منلاقيش مكان لمصابي كورونا    حماد الرمحي: 7 أسباب تمنعنا من إنشاء مستشفى لعزل الصحفيين    الإحساس بالحياة.    محمود خليل: فخور ببطولاتي مع الزمالك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ماركيز الساكن فى قلوب البشر
نشر في الأهالي يوم 22 - 04 - 2014

ورحل «جابرييل جارثيا ماركيز» ليظل ساكناً فى قلوب كل عشاق الحياة والإبداع الأدبى .. رحل الذى أتحفنا بروايته الأشهر «مئة عام من العزلة» التي باعت أكثر من 30 مليون نسخة حول العالم وأعطت دفعة كبيرة لأدب أمريكا اللاتينية، وأيضا من أشهر أعماله «الحب في زمن الكوليرا». و
قالت الأكاديمية الملكية السويدية عند منحها ماركيز جائزة نوبل للأدب في عام 1982 «يقودنا في رواياته وقصصه القصيرة إلى ذلك المكان الغريب الذي تلتقي فيه الأسطورة والواقع» .
وأعلن الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس الحداد لمدة 3 أيام على وفاة ماركيز الذي يشكّل بالنسبة لكولومبيا جزءاً لا يتجزّأ من هويتها. وكان ماركيز، الذي يعرف لدى الملايين بلقب «جابو» ، يعيش برفقة زوجته مرسيديس بارشا في المكسيك منذ فترة بعيدة في أجواء منعزلة لم تكن تخلو من مشاركات نادرة في بعض النشاطات الثقافية، ويعتبر الكاتب الكولومبي، الذي بدأ عمله مراسلا صحافيا، واحداً من الكتّاب الأكثر احتراماً وتأثيراً في جيله، وقدّم مساهمة كبرى في إغناء فن السرد الروائي في العالم. .. « الأهالى « تنشر هنا ما كتبه الناقد المعروف إبراهيم العريس فى وداع ماركيز.
الاهالي
********************
عندما خرج «جابو» من محلّيته إلى العالمإبراهيم العريسكان الخبر متوقعاً، ومع هذا هزّ الملايين وأبكى كثيراً. فقلة من الناس فقط كانت تصدق ان جابرييل جارسيا ماركيز يمكن ان يموت.
ف «غابو»، المبدع الذي نفخ حياة مدهشة في عشرات الشخصيات وكتب روايات تعتبر من أروع ما كتب في القرن العشرين، وانتشرت اعماله في تجوال حول العالم واللغات خالقاً بواقعيته السحرية ومن دونها أحياناً، نصوصاً تشع جمالاً ومكراً وبساطة وشاعرية، لم يكن من الكتاب الذين يمكن الحديث عنهم بصيغة الماضي. وحتى وهو مريض على حافة الخرف في أعوامه الأخيرة، كان كثر يعتقدونه، أو يتمنونه مازحاً. لكنه فعلها ومات. فعلها بعد ان خلّف لنا تلك الروايات والقصص والنصوص الذاتية التي من الصعب ان يشبهها اي شيء آخر. ومع هذا تبقى لروايته الكبرى «مئة عام من العزلة» مكانتها الفريدة في تاريخ الرواية الحديثة وفي تاريخه الشخصي. وهنا عودة اليها لمناسبة رحيل مبدعها والعالم على وشك الاحتفال بمرور نصف قرن على صدورها للمرة الأولى.
** إذاً قبل خمسين سنة تقريباً، أصدر كاتب شاب لم يكن اسمه معروفاً على نطاق واسع، مع انه كان هو الآخر، في الأربعين من عمره، رواية برزت كالقنبلة وسط زحام العالم الأدبي، في زمن كان العالم يشهد فيه تغيرات كثيرة، في السياسة والإبداع، وفي ولادة اجيال جديدة من القراء المتطلبين. كان عنوان الرواية «مئة عام من العزلة». اما الكاتب فلم يعد منذ ذلك الحين في حاجة الى ان يعرّف. بل انه نقل وطنه كله من خانة في هذا العالم، الى خانة اخرى، واضعاً إياه، مرة واحدة على خريطة الأدب العالمي… الكاتب هو، طبعاً، جابرييا جارسيا ماركيز، الذي أصبح منذ ذلك الحين عالماً من أعلام الرواية في العالم، بل حتى مساهماً اساسياً في ابتكار «صنف ادبي جديد» أُطلق عليه اسم «الواقعية السحرية»، وبه رُبط أدب امريكا اللاتينية ككل، بحيث إن كل درر ذلك الأدب صارت تعتبر منذ ذلك الحين جزءاً من ذلك التيار. نعرف ان الأمور تطورت كثيراً بعد ذلك، وأن ماركيز راح يصدر رواية إثر أخرى، وكتاباً بعد كتاب. ونعرف أن أدب ماركيز انتهى به الأمر، عام 1982، الى ان يمنح جائزة نوبل للآداب.
** وعلى رغم كثرة أعمال ماركيز ونجاحها الكبير، ظلت «مئة من العام العزلة» ذات الحظوة الكبرى لدى القراء في العالم أجمع. ومع هذا، على رغم الإجماع النقدي والشعبي الذي يحظى به هذا العمل الفذ، لم يخل الأمر من نقاد وباحثين يهاجمونه بين الحين والآخر، مثل ذاك الذي كتب في «صنداي تلغراف» يقول انه يعتبره من أكثر الأعمال التي بولغ في تقديرها على مر العصور. او الآخر، الكولومبي الشاب الذي نشر اخيراً دراسة يقول فيها ان هذا العمل، على رغم عظمته هو اقرب الى ان يكون سرداً لتاريخ كولومبيا، منه الى ان يكون عملاً روائياً تخيلياً ينتمي الى اي غرائبية. انهما رأيان بين آراء عدة. ولكن من المؤكد ان الذين يقرأون «مئة عام من العزلة» الآن، أو يعيدون قراءتها مرة بعد اخرى، ينظرون الى الأمور من زاوية اخرى تماماً. فكيف ينظر القراء الى هذه الرواية؟
** في المقام الأول على انها عمل إبداعي من النوع الذي يرسم صورة لفترة زمنية طويلة يعيشها مكان معين من العالم. فلا يكون الزمان حقيقياً ولا يكون المكان انعكاساً لمكان حقيقي موجود على خريطة عالمنا. ومع هذا، على هؤلاء ان يصدقوا ماركيز حين يقول ان أدبه إنما يأخذ زوادته من الحياة نفسها. ومن هنا تصبح المعادلة واضحة تماماً كما «اخترع» ويليام فولكنر مدينة جيفرسون، ككناية عن مسقطه في الجنوب الأمريكي، ليجعلها مرآة للعالم كما يراه ويريد وصفه ووصف توالي الأجيال فيه، «اخترع» ماركيز مدينة «ماكوندو» على صورة المدينة التي ولد فيها في شمال كولومبيا آراكاتاكا، ليجعل منها، هي الأخرى، صورة لكولومبيا، كما صورة لأمريكا اللاتينية كلها. وانطلاقاً من هنا: صورة للعالم. وهذا هو الأهم. فالحقيقة ان ماركيز في «مئة عام من العزلة» قدم نصاً كونياً، وإن كان أطّره ضمن واقع محدود ومحدد. من هنا، إذا كان صحيحاً ان الكاتب يقدم في هذه الرواية كناية عن تاريخ محدد لبلد محدد، فإن من الصحيح ايضاً انه هنا يعيد تركيب سفر التكوين كله. ذلك ان أسرة بونديا، التي يتابع ماركيز سيرة حياتها، فرداً بعد فرد وجيلاً بعد جيل خلال قرن من الزمن تقريباً، تكاد تكون هنا صورة عن جانب من جوانب النوع الإنساني كله. نحن هنا امام مفهوم الأسرة و «الساغا» العائلية، لكننا ايضاً امام ملحمة الإنسانية ككل، من خلال ثلاثة عناصر اساسية من عناصر تاريخ هذه الإنسانية: مسألة السلطة، قضية العلم ومسألة العلاقات العائلية. وبهذا تتحول «مئة عام من العزلة» من ملحمة تاريخية الى ملحمة عن التاريخ. وفي هذا الإطار، لا تعود سلالة بونديا هي التي تحتل الواجهة، بل التفاصيل الصغيرة، مثل دور الزائرين الغجر الموسميين الذين، حين يأتون مرة في كل سنة ليخيّموا قرب البلدة، يحملون معهم العلم والحداثة الى عالم رتيب كان من شأنه لولاهم ان يبقي على دورته الحياتية البيولوجية محروماً من تلك الحداثة. وفي يقيننا ان اختيار ماركيز لهذا التحديث يأتي من طريق الغجر، أي المهاجرين الغرباء، أمر له دلالة مهمة من الصعب على المرء ان يفهم اليوم لماذا غابت عن اذهان كثير ممن كتبوا عن «مئة عام من العزلة» طوال خمسين سنة، ولا سيما من الذين فضلوا، لأسباب ايديولوجية غالباً، ألا يروا في هذا العمل المتعدد الطبقات – كما يجدر، بكل عمل فني كبير ان يكون – سوى حكاية ديكتاتورية بونديا والعنف وضروب القتل. هذه كلها موجودة بالطبع ولا يمكن نكرانها، وهي تشكل من دون ريب هماً اساسياً من هموم الرواية ومن هموم ماركيز.
كل هذا صحيح، ولكن صحيح ايضاً ان الكاتب جعل هذه المسألة مسألة مهمة في نصه، لكنه لم يحاول ان يسبغ عليها سوى اهمية جزئية، لأنه – وهو الذي خص مسألة الديكتاتورية لاحقاً بكتب أخرى له أبرزها «خريف البطريرك» – إنما كان يشاء ل «مئة عام من العزلة» ان تكون شيئاً اوسع من ذلك بكثير. وهذا ما كانته بالفعل. وبقيت عليه حتى اليوم: رواية سيرورة البشرية، تختلط فيها القضايا الكبيرة والصغيرة، السحر والواقع، المدينة والعالم، السلطة والعلم، الحب والنزعات الروحية… وصولاً الى كل ما كان يمكن خياله الكبير ان يبتكره، مثل مشهد ريميديوس وهي تطير صعداً في السماء.
** في هذه الرواية اراد ماركيز ان يخلق، كتابة، معادلاً للعالم الذي نعيش فيه، وأن يكوّن عالمه على نسق التكوين الذي يتحدث عنه السفر الشهير. بالنسبة إليه ليس الأدب صورة للحياة. بل هو حياة أخرى. ومن هنا حين سئل ماركيز ذات مرة كيف يجرؤ على ان يصف أدبه بأنه أدب الحياة والحقيقة، هو الذي جعل إحدى شخصياته تطير في الهواء ناقضة قانون الجاذبية، ابتسم باستغراب وقال لسائله: «لكن هذا موجود!» وأين هو موجود؟ سأله الآخر باستغراب. فسأله ماركيز: من أين جئت به أنت؟ فقال الآخر: «من روايتك» قال ماركيز: «أوَجدته في الرواية؟». «أجل» رد الآخر، فاختتم ماركيز الحديث قائلاً: «ألم أقل لك انه موجود في مكان ما…».
** طبعاً، هذا الكلام اعتبر على لسان ماركيز يومها نادرة طريفة… لكن ماركيز لم ينظر إليه على هذا النحو، بل اعتبره تعبيراً عن نظرته الى الأدب وإلى الفكر في شكل عام، على انه مكان لخلق حياة موازية للحياة… تكون احياناً أكثر حقيقة من الحياة نفسها. والواقع ان ما يقوله ماركيز هنا تعليقاً على «مئة عام من العزلة» لا يحتاج قارئ هذه الرواية الى ان يسمعه منه، لأنه – أي هذا التأكيد – عدوى تنتقل الى القارئ وهو يقلّب صفحات هذا العمل الفذ… عدوى في يقيننا انها هي التي أعطت «مئة عام من العزلة» قوتها وصدقيتها، ومكنت الشاعر بابلو نيرودا من ان يقول عنها حين قرأها للمرة الأولى، وكان العالم بالكاد سمع باسم جابريل جارسيا ماركيز: انها أعظم نص كتب باللغة الإسبانية منذ «دون كيشوت».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.