شيرين سامى لا أشعر بهذا الشعور كثيرًا بعد الانتهاء من قراءة رواية تجمعت الدموع فى عينى، لا كتأثر عابر، بل كنوع من الحداد على شخص عزيز كنت أعيش معه وحدته وغيبته لأيام خرجت فى تمشيتى الطويلة المُعتادة، أفكّر فى حياة مى، مشاعرها، أفكارها، ذاكرتها، وكيف تتقاطع هذه الذاكرة مع ذاكرتنا جميعًا بدت الرواية كأنها لم تنتهِ عند الصفحة الأخيرة، بل انتقلت من النص إلى الحياة. من بين كل ما قرأت فى عام 2025، تظل رواية غيبة مى لنجوى بركات من أكثر الأعمال التى تركت فيّ أثرًا عميقًا. هى ليست رواية أحداث، بل رواية حالات إنسانية، تلامس النفس البشرية فى أكثر لحظاتها هشاشة، وتكتب عن الوحدة والشيخوخة والذاكرة بلغة هادئة لا تخلو من قسوة الحقيقة. اختيار البطلة امرأة تخطّت الثمانين تسكن وحيدة فى الطابق التاسع هو اختيار جمالى وسردى لافت مى ليست شخصية ثانوية فى هامش الحكاية، ولا نموذجًا للحكمة المتصالحة مع العمر، ولا ظلًا عائليًا باهتًا، بل إنسانة ما زالت تعانى، تتذكّر، وتخشى التلاشى. نعايش أقسى لحظات الشيخوخة معها، وهى تمشى، وهى تأكل وهى تستحم، وهى تنظر إلى نفسها فى المرآة، أفكارها الصادمة تجعل القارئ لا يشعر إلا بصدق اللغة والإحساس. تبدو أحيانًا قاسية، لكنها قسوة دفاعية، صلابة اكتسبتها لتواصل العيش. تحت هذا الغلاف، تقيم هشاشة عميقة، وحنيناً مؤجّلاً لم يجد طريقه إلى التعبير. لغة الرواية واقعية، مكثّفة، وتتحرك داخل تيار الوعى بسلاسة، كأن القارئ يعيش داخل رأس البطلة. يتداخل الحاضر مع ذكريات لبنان القديمة، مبانيه، شوارعه، وتفاصيل الحياة أثناء الحرب. هذا التداخل بين الذاكرة الفردية والمعاناة المعاصرة يمنح النص عمقًا إنسانيًا، حيث يصبح الخراب حالة داخلية بقدر ما هو واقع خارجي. الوحدة هى الثيمة الأكثر حضورًا، لكنها ليست فكرة مجردة. تتجسد فى علاقة مى بالناطور يوسف، بالقطة، وبالخادمة السيريلانكية. علاقات هامشية ظاهريًا، لكنها مُشبعة بحاجات إنسانية عميقة للاعتراف والرحمة، ولمن يرى الإنسان فى شيخوخته. موت القطة قبل أن تحنّ عليها مى وتسميها «فريدا» على اسم شخصية فريدا كاهلو الفنانة التشكيلية المكسيكية التى أدّتها فى الماضى على خشبة المسرح، لحظة شديدة الدلالة عن الحنان المتأخر، ذلك الذى يأتى حين لا يعود قادرًا على إنقاذ أحد. الخادمة أيضًا تموت وحيدة، فى صمت يوازى صمت مى المُنتظر. حكاية «الضيفة» من أكثر خطوط الرواية تأثيرًا. علاقتها بأبيها الذى فقد زوجته مبكرًا، بحبيبها النرجسى الذى أسقط حملها وحاولت قتله، وبمرضها النفسى، وولعها بالتمثيل، تقدّم تفسيرًا إنسانيًا لغيبة السنوات السبع، دون أحكام أخلاقية أو تبسيط. أما تجربة مى فى الأمومة مع التوأمين المهاجرين إلى أمريكا، فهى أمومة مرتبكة، مُشوشة، لم تعرف كيف تُترجم الحب إلى دفءٍ يومى، لا عن قسوة مُتوارثة، بل عن عجز عاطفى تشكّل فى سياق حياتها الخاصة، وظروفها النفسية، وخيباتها المتراكمة. فى الجزء الأخير، حين تنتقل الحكاية إلى وجهة نظر يوسف الناطور، تكتسب الرواية بعدًا اجتماعيًا أوسع، من خلال المقاربة الهادئة لعلاقته بلبنان كسورى، ولتعقيدات العيش المشترك. اكتشافه أن مى هى نفسها «الضيفة» يعيد ترتيب السرد، ويكشف عن تعاطفٍ إنسانى ظل ينمو بصمت. النهاية، بحضور الدكتور داوود لأخذ مى إلى المصحة النفسية، من أكثر النهايات إيلامًا. مى، مغالية فى أناقتها، فى كامل ثقتها رغم غياب عقلها، كأنها تستعد لاعتلاء خشبة المسرح، بينما يحاول يوسف بسبب التعاطف مع ست مى التمسك بأى ذريعة لعدم تأجير شقتها. ولآخر لقطة لا نعرف إن كانت نهاية مى فى المصحة أم بالموت. غيبة مى رواية عن الغياب بوصفه شكلًا آخر من الحضور، وعن الإنسان حين يصبح وحيدًا فى مواجهة ذاكرته الأخيرة.