الصهيونية حركة استعمارية. هل يشك أحدٌ فى ذلك؟ ألم تحتضنها القوى الاستعمارية الكبرى فى العالم، وتتعهدها بالرعاية فى القرون الماضية؟ ألم تتعهد لزعمائها بإقامة وطن قومى ليهود العالم على أرض فلسطين، على مساحة قدرها 117000كم على جانبى نهر الأردن، منها 27000 كم غربى النهر، ونحو 90000 كم شرقية (طبقًا للوعد المعروف، باسم وعد بلفور، وزير خارجية بريطانيا فى الثانى من نوفمبر عام 1917م)؟ ألم يطالب المجلس الأعلى للقوى الاستعمارية (ما يُسمَّى بالمجلس الأعلى للحلفاء)، خلال مؤتمر عقده فى مدينة سان ريمو، بإيطاليا، فى الفترة من 18- 26 أبريل عام 1920م، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، لتقسيم الغنائم، حليفتهم، بريطانيا، بتنفيذ وعد بلفور، وإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، بعد أن منحها الحق فى استعمارها (ما يُسمَّى بحق الانتداب عليها)؟ لا غرو، إذًا، فى أن الجناح السياسى للحركة الصهيونية، الذى نشط فى أوروبا، فى تلك الفترة، قد قدَّم الحركة بوصفها مشروعًا استعماريًا، كما يقول المفكر العربى، الدكتور عزمى بشارة، هدفه إقامة دولة يهودية تسهم فى حل المسألة اليهودية فى أوروبا، وتنشئ حصنًا، أو موقعًا متقدمًا للحضارة الأوروبية فى الشرق ، وهو التوصيف، نفسه، الذى ضمَّنه مؤسس الحركة الصهيونية، تيودور هرتزل، فى روايته الشهيرة، «ألتنويلاند» - أرض قديمة جديدة . • • • فضلًا عن أن الصهيونية حركة استعمارية، فإنها حركة عنصرية، أيضًا، بوصفها أيديولوجية استعمارية تسعى لاقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم، وتأسيس نظام تمييزى يرسخ تفوقًا عرقيًا ودينيًا. وقد أقرت الأممالمتحدة فى قرارها رقم 3379 لعام 1975م، أن «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية»، وأشارت إلى ارتباطها بالنظام العنصرى فى جنوب إفريقيا- الأبارتهايد- صحيحٌ، أن الأممالمتحدة تراجعت عن هذا القرار عام 1991م، تحت ضغط سياسى من الولاياتالمتحدةالأمريكية، بخاصة، لكن جهات عديدة ترى أن الصهيونية أيديولوجيا عنصرية تمارس التطهير العرقى ضد الفلسطينيين (راجع تصريحات كبار المسئولين الإسرائيليين خلال حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة فيما يخص طرد جميع الفلسطينيين من القطاع). ثمة قوانين عنصرية عديدة، أقرها الكنيست الإسرائيلى، تشير إلى هذا النهج العنصرى، منها قانون «العودة» (صدر عام 1950م، بعيد إقامة إسرائيل)، الذى يتيح لأى يهودى فى العالم، الحق فى الهجرة إلى إسرائيل والحصول على جنسيتها، تلقائيًا، بمجرد أن تطأ قدمه أرضها، فى الوقت الذى تحظر فيه على اللاجئين الفلسطينيين الذين طردتهم من أراضيهم، العودة إلى ديارهم (جرى تعديل للقانون عام 1970م، وسع نطاق "العودة" ليشمل الأبناء والأحفاد والأزواج)، وقانون القومية اليهودية، الذى أقره الكنيست الإسرائيلى عام 2018م، الذى يكرس حق تقرير المصير لليهود فقط ويقصى الفلسطينيين، بمن فيهم، حتى، الدروز، الذين يخدمون فى الجيش الإسرائيلي، وقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذى أقره الكنيست، مؤخرًا، فى 30/ 3/ 2026م، ويقضى بتطبيق عقوبة الإعدام، شنقًا، على الفلسطينى فى الضفة الغربية، إذا أُدين بقتل إسرائيلي، ولا يطبق على المستوطن فى الضفة، إذا قتل فلسطينيًا. بيد أن الأمر الأكثر خطورة فيما يخص العقيدة الصهيونية، أنها أعادت إحياء الأساطير التوراتية، خاصة ما يتعلق منها بالحرب ضد الأغيار (غير اليهود)، وما يتعلق بالأرض الموعودة، أو ما يُسمَّى ب«أرض إسرائيل». • • • الحرب، والخيار العسكرى، حاضران فى التصور التوراتى وفى صلب العقيدة الصهيونية على حد سواء. هما ركيزة أساس، ونهج ثابت مثبت بالدليل القاطع. يقول أفراهام بورج، الرئيس السابق للكنيست، إن «التناخ (مصطلح يطلق على مجمل أسفار الكتاب المقدس، بما فيها أسفار التوراة) فى حقيقة الأمر مصدر لا ينضب معينه أيضًا من السموم الخطيرة». وهل هناك سموم أنقع من أن يقول كاتب النص التوراتى فى سفر «التثنية» (20، 1-10): «إذا خرجتَ للحرب على عدوك ورأيت خيلًا ومراكب، قومًا أكثر منك، فلا تخف منهم، لأن معك الرب إلهك (...) وحين تقرب من مدينة لكى تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفُتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها (...) فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما فى المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك…». يفصل، بورج، بين ما احتواه «التناخ» من أهوال تتعلق بشرائع الحرب، ومعايير مجافية للضمير الإنسانى، والإصلاحات التى أدخلها مفسرون، ومفكرون يهود على مر الأجيال، لتخفيف غلواء النصوص «التناخية»، قائلًا: «اهتم الفكر اليهودى على امتداد مئات من السنين بالتلطيف. إذ ألغيت فروض دينية رهيبة، وقُلصت أوامر، وحظيت معايير معيبة بتجاهل متعمد. يخيل فى كثير من الأحيان أن التوراة الشفوية (التلمود) وكل الأدب (الدينى) المتشعب الذى تطور بعدها قد كُرس لإحداث تغيير عميق فى بنية التناخ». • • • بداية، نحن نختلف معه فى هذا الطرح. لماذا؟ لأن التلمود، وتفاسير «التناخ»، والفقه اليهودى اللاحق، يزخر بأمثلة لاحصر لها على عكس ما يذهب إليه. يكفى أن نضرب مثالًا واحدًا، من العصر الحديث، للتدليل على بطلان طرحه. فقد أصدر حاخامان إسرائيليان، معاصران، مؤثران، هما: يتسحاق شابيرا ويوسف إليتسور، كتاباً فى فقه الحرب أسمياه «شريعة الملك» (الملك كناية للرب) أو «توراة الملك»، صدر الجزء الأول منه عام 2009م، يتناول شرائع قتل غير اليهودى وقت السلم ووقت الحرب، ويجيز قتل الأطفال الرضع من غير اليهود، إذا مثلوا تهديدًا فى المستقبل على اليهودى، وصدر الجزء الثانى عام 2016م، ويتناول تطبيق الشريعة اليهودية فى مملكة يهودية متخيَّلة، وواجبات الفرد اليهودى بها إزاء ضرورة الالتزام بهذه الشريعة. وظفت الصهيونية نصوص التوراة، رغم أن معظم مؤسسيها كانوا علمانيين، ملاحدة، لا يؤمنون حتى بوجود إله، لكنهم، ويا للمفارقة، تلقفوا، بحسب تعبير بورج «وعود الرب غير الموجود بمنح اليهود على وجه التحديد هذه الأرض»، مشيرًا إلى أن الزعيم الصهيونى، المؤسس الحقيقى لدولة إسرائيل، دافيد بن جوريون، ومجايليه من الزعماء الصهيونيين قد «عادوا إلى «التناخ» الحرفى، وإلى الأفكار «التناخية» الكبرى، التى دبت فيها الحياة بقوة مرَضِية ومتناقضة». أراد زعماء الصهيونية تأسيس وعى قومى جديد، تعلو فيه قيمة احتلال الأرض على أى قيمة أخرى، ومن ثم تبنوا مفاهيم توراتية، من قبيل: استنقاذ أو افتداء أو احتلال الأرض التى صارت أكثر قدسية من حياة الإنسان، حتى إذا استدعى الأمر ارتكاب إبادة جماعية، كما يقول سفر «التثنية» (7، 1 2): «متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التى أنت داخلٌ إليها لتمتلكها وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك (...) ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرمهم (أى تبيدهم، طبقا لمعنى اللفظة فى العبرية). لا تقطع لهم عهدًا، ولا تشفق عليهم…»؛ وكما يقول سفر «يشوع» (8، 1، 27): فقال الرب ليشوع: «لا تخف ولا ترتعب. خذ معك جميع رجال الحرب، وقم واصعد إلى عاى (مدينة من مدن أرض كنعان). انظر. قد دفعت بيدك ملك عاى وشعبه ومدينته وأرضه، فتفعل بعاى وملكها كما فعلت بأريحا وملكها (...) وأحرق يشوع عاى وجعلها تلًا أبديًا خرابًا إلى هذا اليوم. وملك عاى علَّقه على الخشبة إلى وقت المساء. وعند غروب الشمس أمر يشوع فأنزلوا جثته عن الخشبة». • • • تتعلق الحرب فى «التناخ» بالتوسع، وبالاستحواذ على المزيد والمزيد من الأرض. حدث هذا فى غزو «يشوع» لأرض كنعان، وفى الحروب المنسوبة إلى «داود»، التى تشبه، من جوانب عديدة، الحروب التى تخوضها إسرائيل اليوم، من حيث كونها حروبًا تعكس التحول من مرحلة الصراع مع الفلسطينيين إلى مرحلة التمدد فى الإقليم عبر استعمال القوة. فقد انتزع داود «أورسالم» (التى صارت فيما بعد «أورشليم») من اليبوسيين (شعوب سامية تعود أصولها إلى شبه الجزيرة العربية. استوطنت فلسطين فى عصور سابقة للغزو العبرانى. انظر: د. محمد خليفة حسن: عروبة فلسطين والقدس) وحولها إلى عاصمة دينية وسياسية، ثم تمدد جنوبًا حتى الأردن، وشمالًا حتى سوريا (آرام)، وحول المملكة إلى إمبراطورية. حدث كل هذا التمدد بعد أن تغلب على غريمه الفلسطينى، جوليات. ألا ما أشبه الليلة بالبارحة! النهج التوسعى ليس غريبًا على الشريعة اليهودية، التى تعرف نوعين من الحروب: الحرب المقدسة، أو الحرب التى بمثابة فرض دينى (ملحيميت متسفا) والحرب السياسية (ملحيميت رشوت)، وهى حرب يبادر بها اليهودى لتوسيع الإقليم، وتعزيز الوضع السياسى والاقتصادى أو الأمنى (فيما وراء حدود الأرض الموعودة، حتى). وتعد الحروب التى يخوضها، مجرم الحرب، المطلوب للعدالة الدولية، بنيامين نتنياهو، وثلة من غلاة المتطرفين، المشاركين فى ائتلافه الحكومى، من أمثال بن جفير، وبتسلئيل سموتريتش، نموذجًا صارخًا للحرب السياسية، التى تقرها الشريعة اليهودية. لقد أحيت الصهيونية الشرائع التوراتية، المتعلقة بالحرب، وباستعمال القوة، حد الإبادة الجماعية، لأن الغريزة الاستعمارية، كامنة فى صلب وجودها، ومكون رئيس من مكوناتها، ومن ثم، أدارت ظهرها، عن عمد، لكل إرث دينى يهودى متسامح.