أدعو إلى تضامن الأصوات العربية الصادقة، للتصدى لمحاولات إفساد العلاقات بين مصر وأشقائها العرب، وأن تُدار حوارات صريحة، حول أسباب حملات الهجوم المؤسفة، فالمشهد الراهن لا يحتمل مزيدًا من التوتر، بل إلى قدر كبير من العقل والحكمة، فى ظل ما تمر به المنطقة من أزمات متشابكة. لم أكن أنوى تناول هذا الموضوع، باعتباره من إفرازات وسائل التواصل الاجتماعى، لكن مع امتداد الجدل إلى بعض الندوات والبرامج الحوارية، بدا الأمر أكثر خطورة، وهنا يصبح من الضرورى التوقف والتأمل، لأن ترك الأمور لتداعياتها، يفتح الباب أمام التأويلات، ويعمّق فجوة عدم الثقة. تدور الإشكاليات المثارة حول قضايا ملتبسة، مثل: موقف مصر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ويتساءل البعض: لماذا تأخرت الإدانة المصرية لهجمات إيران على دول الخليج؟، غير أن المتتبع لتحركات الرئاسة المصرية، والزيارات المتكررة إلى دول الخليج، والجولات المكوكية لوزير الخارجية، يدرك أن الصورة مغايرة تمامًا لذلك، بل أيضًا بما يجرى خلف الكواليس. فى الواقع، لم تنقطع الاتصالات منذ اليوم الأول، وتطابق الموقف المصرى مع موقف دول الخليج، فى إدانة العدوان الإيرانى بأشد العبارات، والدعوة إلى عدم توسيع نطاق الحرب، درءاً للمخاطر، وهذا فى تقديرى، موقف متزن يجمع بين الحزم والحذر، وهو ما تحتاجه المنطقة فى هذه المرحلة الصعبة. أما ما يُثار حول عدم إرسال مصر قوات عسكرية، فالأمر لا يُدار بمنطق «هيا بنا نحارب»، بل وفق ترتيبات مشتركة، ودول الخليج نفسها لم تنخرط عسكريًا بشكل مباشر، ولم تطلب من مصر ذلك، وكانت مصر صاحبة الدعوة إلى بلورة نظام أمن عربى مشترك، قادر على مواجهة التهديدات الإقليمية، ولم تحظَ بالتوافق المطلوب لأسباب كثيرة. أما بشأن ما يتردد عن تعاطف الرأى العام المصرى مع إيران، فعلينا أن نفرق بين كراهية إسرائيل بسبب جرائمها ضد الشعب الفلسطينى، وبين إدانتهم لإيران، بسبب اعتداءاتها على دول الخليج، وكراهية إسرائيل لا تعنى التعاطف مع إيران، وهذا الخلط يفتح الباب أمام تأويلات خاطئة، ويمنح الفرصة لمن يسعون إلى تقويض أى شكل من أشكال العمل العربى المشترك. مصر لم تنسِ أيضًا أنها مرت بفترات قطيعة عربية بسبب إسرائيل، بعد توقيعها معاهدة السلام، وبسبب إسرائيل يعود الآن الجدل بصورة مختلفة، وتتقاطع المصالح وتتشابك التحالفات، وتُطرح روايات متناقضة حول من يحمى من، ومن يقف مع من؟. من حق كل دولة أن تختار تحالفاتها وفقًا لمصالحها، لكن من الخطأ اختزال المشهد فى ثنائيات حادة، صديق وعدو، أو موقف داعم وآخر متخاذل، فالعلاقات بين الدول تُبنى على مشتركات وتفاهمات، وليس خلافات وشعارات. ما تحتاجه المنطقة اليوم، هو قدر أكبر من المصارحة، تُناقش فيها أسباب التباينات، حوارات هدفها الأساسى ليس تسجيل النقاط، بل ترميم ما تصدع، ولمّ الشمل فى مواجهة تحديات أكثر تعقيدًا فى المستقبل.