أطلقت منظمة الصحة العالمية، منذ عام 1948، يوم الصحة العالمي، والذي يتم الاحتفال به كل عام في السابع من أبريل، بهدف تسليط الضوء على القضايا الصحية ذات الأهمية العالمية، وتعزيز الوعي الصحي بين الأفراد والجماعات، ومن بين هذه القضايا الصحية تبرز أمراض القلب، والتي تُعتبر من أبرز أسباب الوفاة عالميا؛ حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 19.8 مليون شخص لقوا حتفهم بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية في عام 2022، وهو ما يمثل حوالي 32% من إجمالي الوفيات على مستوى العالم. وتشير دراسات حديثة إلى وجود ارتباط وثيق بين أمراض القلب والتغيرات المناخية، ففي دراسة علمية منشورة في مجلة "Journal of Clinical Medicine"، تم إعدادها بواسطة فريق بحثي دولي بقيادة الباحث أنطونيو دي فيتا، وبمشاركة مجموعة "CLIMPS" المتخصصة في دراسة العلاقة بين المناخ والصحة، تؤكد أن تأثير المناخ لم يعد غير مباشر، بل أصبح عامل خطر واضحا يجب التعامل معه ضمن سياسات الصحة العامة. تلوث الهواء عدو خفي للقلب وتكشف الدراسة أن العلاقة بين المناخ وصحة القلب معقدة، لكنها مؤكدة وذات تأثير متزايد؛ حيث تؤدي التغيرات المناخية إلى ارتفاع درجات الحرارة واختلال أنماط الطقس نتيجة الأنشطة البشرية مثل حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، وهذه التغيرات تؤدي إلى زيادة موجات الحر، والجفاف، والحرائق، وتدهور جودة الهواء، وهو ما ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على صحة القلب. ويُعتبر تلوث الهواء أحد أبرز الروابط بين المناخ وأمراض القلب، وذلك لأن الجسيمات الدقيقة والغازات السامة الناتجة عن الاحتباس الحراري يمكن أن تدخل الجسم من خلال التنفس، مسببة التهابات مزمنة واضطرابات في الأوعية الدموية، إذ تؤدي هذه العملية إلى زيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والنوبات القلبية، واضطرابات ضربات القلب، كما ترتبط زيادة تركيز الملوثات بارتفاع معدلات الوفيات القلبية، سواء على المدى القصير أو الطويل. الحرارة والبرودة الشديدة خطر وضغط إضافي وتوضح الدراسة أن الجسم يبذل جهدا أكبر مع درجات الحرارة المرتفعة من أجل الحفاظ على توازنه، حيث تتوسع الأوعية الدموية ويزداد معدل ضربات القلب لتعويض انخفاض ضغط الدم، كما أن هذا العبء الإضافي قد يكون خطيرا، خاصة لمرضى القلب؛ إذ يزيد من احتمالات الإصابة بفشل القلب أو الأزمات القلبية، كما أن التعرض للحر الشديد قد يؤدي إلى الجفاف واختلال الأملاح في الجسم، وهو ما يرفع خطر تكون الجلطات واضطراب نظم القلب. أما درجات الحرارة المنخفضة والبرودة الشديدة، فلا تقل خطورة، إذ تؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم، ما يزيد من العبء على القلب، كما قد تُحفز البرودة إفراز هرمونات ترفع معدل ضربات القلب وتزيد استهلاك الأكسجين، وهو ما قد يؤدي إلى نوبات قلبية، خاصة لدى كبار السن أو المصابين بأمراض مزمنة. الفئات الأكثر عرضة للخطر وتشير الدراسة أيضا إلى أن التعرض لدرجات حرارة شديدة، سواء مرتفعة أو منخفضة، يرتبط بزيادة واضحة في معدلات الوفاة بأمراض القلب، حيث يرفع كل تغير طفيف في درجة الحرارة من خطر الوفاة القلبية بنسب ملحوظة، ما يعكس حساسية الجهاز القلبي للتقلبات المناخية، لكن لا يتأثر الجميع بنفس الدرجة، إذ تزداد المخاطر لدى كبار السن، ومرضى القلب والسكري، والأشخاص ذوي الدخل المحدود أو الذين يعيشون في مناطق تعاني من ضعف الخدمات الصحية أو ارتفاع التلوث، كما أن العاملين في الهواء الطلق أكثر عرضة لتأثيرات الحرارة والتلوث. وإلى جانب التأثيرات المباشرة، فقد تؤثر التغيرات المناخية بشكل غير مباشر على نمط الحياة، مثل تقليل النشاط البدني بسبب الحرارة أو سوء جودة الهواء، ما يزيد من عوامل خطر أمراض القلب، كما قد تعطل الكوارث الطبيعية الوصول إلى الرعاية الصحية، ما يفاقم من حدة الأمراض المزمنة. الحلول والتوصيات ويرى الخبراء ضرورة اتخاذ إجراءات شاملة على مستوى الأفراد والمؤسسات، تتمثل في تجنب التعرض لدرجات الحرارة القصوى، والحفاظ على الترطيب، وتحسين جودة الهواء والحد من التلوث، وتوعية الأفراد بمخاطر الحرارة الشديدة والبرودة، وكذلك تطوير سياسات صحية وبيئية مشتركة، وتعزيز التعاون بين الأطباء وصُناع القرار لمواجهة هذه التحديات.