يظل فعل الكتابة أمرا معقدا، وبه من السحر الكثير. خلق عوالم كاملة، وتصديق الشخصيات، والعيش معها بشكل شبه كامل، هو شيء ممتع، لكنها متعة ممزوجة بالتعب. تبدو الكتابة الآن فعلا يحظى بشعبية كبيرة، ويريد العديد من الشباب الذين يحظون بالثقافة المناسبة دخول معترك الكتابة الإبداعية، بل لم يعد الأمر يقتصر على المهتمين بالأدب أو الموهوبين أنفسهم، وإنما أضحت الكتابة ما يشبه الموضة. ربما يرجع ذلك إلى الصورة الخيالية للكاتب في أذهان الناس، حيث يظن الكثيرون أن الكاتب شخص مشهور يحصل على المال والجوائز، بالطبع نقصد هنا الكتاب المشاهير في العالم. لكن الحقيقة أن هذا كله يحتاج، لكي يتحقق، إلى الكثير من العمل، ويمر عبر صعوبات كبيرة لا يمكن أن يتصورها إلا من مر بها. من فكرة خبايا الكتابة يبرز كتاب "أسرار الكتابة.. كما يرويها كتاب العالم"، إعداد وتقديم الشاعرة الدكتورة سارة حامد حواس، وتحرير وتقديم الكاتب والشاعر أحمد الشهاوي، والصادر حديثا عن الدار المصرية اللبنانية. هذا كتاب يشبه، بشكل ما، ورشة كتابة مفتوحة، حيث تتواجد النصائح، لكنها ليست بشكل تنظيري، وإنما بروح الكتابة؛ حيث تتشابه الطرق بين كتاب العالم، لكن لكل تجربة خصوصيتها، ليصبح الكتاب ليس معلما بالمعنى التقليدي، بل مرشدا صامتا يرافقك خطوة بخطوة نحو تلمس روح الكتابة. تأخذنا المترجمة، عبر اختياراتها المميزة، في رحلة عملية وملهمة داخل أسرار الإبداع كما عاشها ودونها سبعة عشر كاتبًا وكاتبة من مشاهير الأدب العالمي. نحن أمام كتاب يمكن اعتباره مؤلفا، وليس فقط مترجما، لأن الاختيارات وترجمتها تجعله، بشكل ما، يبدو كقطعة واحدة، وهو ما يحسب بكل تأكيد لسارة حواس، التي قدمت الكتاب كما لو كان بلغة واحدة، لا لغات مختلفة. منذ المقدمة نشعر بالشغف المحرك للكتابة. تقر الدكتورة سارة حامد حواس بهذه الروح في مقدمة غنية ومكثفة، تصف فيها الكتابة بأنها ليست مجرد فعل عابر، وإنما فعل حب، ومحاولة للنجاة، وأيضا هوس جميل. تذكر الدكتورة سارة حواس الكتاب والكاتبات العالميين الذين تناولتهم في الكتاب، وهي اختيارات تنم عن تنوع جغرافي وثقافي وإبداعي، وهم: الروائي والكاتب الصحفي البريطاني جوليان بارنز، الروائية التشيلية إيزابيل الليندي، الروائية الأمريكية توني موريسون، الروائي التركي أورهان باموق، الروائي والكاتب المسرحي والمترجم النمساوي بيتر هاندكه، كاتبة القصة الكندية أليس مونرو، الروائية والناشطة السياسية الهندية أرونداتي روي، الروائية البريطانية دوريس ليسنج، الروائي البيروفي ماريو بارجاس يوسا، الروائي جابرييل جارسيا ماركيز، الروائي الأمريكي ويليام فوكنر، الروائي والكاتب الصحفي الأوروجوياني إدواردو جاليانو، الروائية الفرنسية آني إرنو، الروائي والأكاديمي التنزاني عبد الرزاق قرنح، الروائي الأمريكي بول أوستر، الروائي والشاعر والكاتب المسرحي والرسام الألماني جونتر جراس، والروائي والكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو. نحن هنا لا نتعاطى مع الكتابة بوصفها موهبة غامضة حكرا على قلة مختارة، بل كمسار يمكن تعلمه وصقله وتطويره عبر استراتيجيات واضحة ونصائح مجربة. يجمع الكتاب خلاصات تجارب هؤلاء الكتاب، ويعيد تقديمها إلى القارئ، ليكون بين أيدينا مفاتيح للكتابة المؤثرة. يطرح الكتاب عددا من التساؤلات التي تهم كل المهتمين بالكتابة، من بينها: كيف تبدأ الكتابة؟ كيف تستمر؟ كيف تتغلب على الخوف والتردد وحبسة الكتابة؟ وكيف تحول الأفكار المبعثرة إلى نص ينبض بالمعنى؟ ما يجعل هذا الكتاب مختلفا أنه لا يكتفي بسرد تجارب الآخرين، بل يحفز قارئه على النظر إلى نفسه ككاتب محتمل، ويطرح أسئلة تجعله يعيد التفكير في علاقته بالكتابة، لماذا يكتب؟ ولمن؟ كل فصول الكتاب بها من الاستفادة والمتعة الكثير، لكن أكثر ما يلفت النظر فصول الكتاب اللاتينيين، الذين يمارسون الكتابة بنوع من الالتزام والسحر في الوقت نفسه. نرى مثلا جابرييل جارسيا ماركيز، حيث يتتبع فصله بدايات هذا الكاتب العظيم، وكيف اكتشف سحر الأدب، وتلمس طريقته الخاصة منذ قرأ افتتاحية رواية "التحول" لفرانز كافكا، والتي جعلته يسقط من السرير من فرط الدهشة، وهناك تحديدا أدرك أنه يمكن كتابة أي شيء. كما نرى قراره بترك العمل والتفرغ للكتابة، إذ استيقظ ذات يوم وقرر أنه لن يفعل شيئا في حياته سوى الكتابة. أيضا الكاتب البيروفي ماريو بارجاس يوسا، الذي يصف الكتابة بأنها حياته، ويؤكد استمتاعه بها حتى مع الصعاب، ويشدد على فكرة الالتزام، مشبها من يدخلون عالم الأدب بمن يدخلون دينا. هذه المتعة التي نلمسها في فصول كتاب أمريكا اللاتينية، نشعر بها أيضا في فصل الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو، الذي يحكي عن بداياته، إذ بدأ مشروعه الكتابي الحقيقي وهو على مشارف الستين من عمره. كما نراه يعتبر نفسه كاتب مقالات فاشلا، وأنه اتجه إلى كتابة الرواية بسبب ذلك، ويتطرق الفصل إلى عاداته في الكتابة، مثل الالتزام بكتابة صفحتين يوميًا مهما حدث، إلا في حالات السفر، وغيرها من العادات. في النهاية، يمكننا القول إن كتاب "أسرار الكتابة" عمل به قدر كبير من الاجتهاد في الاختيار والترجمة من قبل الدكتورة سارة حامد حواس، كما أنه عمل مهم، وبمثابة مانيفستو لكل من يكتب، أو يرى في نفسه بذرة كاتب مستقبلي، أو حتى مجرد محب للأدب.