كتبت :رشا عدلى بينما يواجه العالم موجة من التحديات الاقتصادية وأزمات الطاقة التى لم تستثنِ أحدًا، وجدت الحكومة المصرية نفسها أمام قرارات حتمية لترشيد استهلاك الكهرباء، ليس فقط كإجراء تدبيرى لمواجهة الظروف العالمية المتقلبة، بل كخطوة استباقية للحفاظ على مكتسبات الدولة وتأمين احتياجات المستقبل، ومع تطبيق هذه الإجراءات، يبرز تساؤل جوهرى يتجاوز لغة الأرقام والسياسات: كيف ينظر الدين إلى قضية «الترشيد»؟ وهل يمكن اعتبار الالتزام بهذه القرارات نوعًا من «فقه النوازل» أو طاعة لولى الأمر فى تحقيق المصلحة العامة؟ اقرأ أيضًا| فى ظل الحرب الأخطر اقتصاديًا فى تاريخ العالم.. الترشيد.. طوق «نجاة» يقول د. أسامة رسلان المتحدث الرسمى لوزارة الأوقاف إن حُسن إدارة الموارد مفهوم أعم وأشمل من مجرد ترشيد الاستهلاك، مؤكدًا أن الدين يحث على عدم الإسراف فى كل شيء، حتى فى الوضوء، ولو كان الإنسان على نهر جار. وأشار د. رسلان إلى أن الترشيد ليس مسألة ما أملك أو أستطيع، بل هو فريضة دينية وفضيلة اجتماعية وحكمة عقلية، تجعل المواطن ينظر فى حاضر ومستقبل المجتمع، ويأخذ فى الاعتبار احتياجات الأجيال المقبلة ويحفظ البيئة، ويسهم فى الحد من آثار تغير المناخ ، وأضاف د رسلان أن هذه العقلية تجعل الفرد صاحب رؤية جمعية، لا أنانية فردية، موضحًا أن توفير لتر واحد من الماء يوميًا قد يبدو بسيطًا، لكنه عند حسابه على مستوى الأسرة والمجتمع بأكمله يصبح له أثر كبير، سواء على الصحة أو البيئة أو الاقتصاد، مؤكدًا أن كل توفير فى الموارد يمكن أن يعيد توجيه ملايين الدولارات لمصارف أخرى أولى بالإنفاق ويقلل أعباء الدولة ويعزز التنمية المستدامة، وأكد أن الترشيد، بوصفه بابًا من أبواب حسن إدارة الموارد، هو فريضة بقدر ما هو فضيلة، واستثمار فى المستقبل وادخار فى الحاضر، وعلى كل فرد واجب فى هذا الشأن يؤديه بعقلية جماعية لصالح المجتمع بأسره. ويؤكد د. محمد السيد نصار مدير عام شؤون المساجد بوزارة الأوقاف على ان قرارات ترشيد الاستهلاك تدخل ضمن صلاحيات ولى الأمر فى تنظيم شؤون المجتمع بما يحقق المصلحة العامة، مشددًا على أن الالتزام بها واجب شرعى، وأن من يخالفها يأثم، مستندًا إلى قوله تعالي: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم» ، وأشار د نصار إلى أن التحايل على هذه القرارات، سواء بسرقة التيار الكهربائى أو إنارة المحلات خفية، أمر غير جائز شرعًا، لأنه يمثل اعتداءً على النظام العام وحقوق الآخرين. وأضاف أن الموارد العامة مثل الكهرباء والمياه هى حق مشترك بين المواطنين، وليست ملكًا فرديًا، وبالتالى فإن الغِنى لا يسقط المسؤولية بل يزيدها، مؤكدًا ضرورة ترشيد الاستهلاك خاصة فى أوقات الأزمات. يقول الشيخ يوسف عثمان عضو الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة بديوان عام وزارة الأوقاف إن الالتزام بقرارات الحكومة بغلق المحلات وترشيد الإنارة واجب شرعي، مؤكدًا أن هذه القرارات الاستثنائية تُعد فى جوهر الفقه الإسلامى تجسيدًا لسياسة رعاية المصالح، فولى الأمر حين يسعى لحماية موارد الدولة فإنه يحرس «سفينة الوطن» من التآكل. وأشار إلى أن الالتزام بهذه الضوابط هو عبادة مدنية وواجب شرعى أصيل، لأن النظام العام هو المظلة التى يستظل بها الجميع، وطاعة ولى الأمر هنا هى من صميم طاعة الله التى تهدف إلى استقرار العمران وحفظ الأوطان من الاضطراب، وليس مجرد إجراء إدارى لا يترتب عليه إثم ، وأضاف أن التعدى على الشبكة العامة أو التحايل لسرقة الكهرباء عدوان على الملكية العامة وافتئات على حقوق الملايين، مستشهدًا بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «ومن انتَهَبَ نُهْبةً فليسَ منَّا»، مشددًا على أن كل وحدة طاقة يختلسها تؤثر على حقوق الآخرين. وأكد أن الموارد العامة مثل الكهرباء والماء هى أمانات إلهية مشاعة بين الناس، والقدرة المالية للفرد لا تمنحه صكًا لإبادة هذه الموارد أو تبديدها، فالإسراف فى الإنارة وقت الأزمات يتصادم مع خلق شكر النعمة، مستشهدًا بالآية: «وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ».