د. أحمد الصغير على حافتين معاً / دار «الدار»، القاهرة، هو عنوان الديوان الأول للشاعرة المصرية سارة عابدين، تبدو سارة عابدين صوتاً شعرياً جديداً فى عمره الفنى فقد قرأت لها بعض النصوص النثرية عبر الفيس بوك فى السنوات القليلة الماضية بدءاً من 2013، وقد لاحظتُ أنها شاعرة تكتب عما لايكتبه الآخرون من شعراء قصيدة النثر المصرية. تكتب سارة عابدين القصيدة النثرية دون اللجوء الى تعبيرات ومصطلحات أبوية كبيرة متضخمة، بل تنسج من رحم الحياة البسيطة شعرية إنسانية، وهى جل ما يشغله الحيز الفراغى للنص الشعرى على فضاء الصفحة، معتمدة فى بناء قصيدتها الجريئة على جراحات تفاصيل الصخب اليومى أوالصخب الهامس فى ساقية الحياة التى تدور فيها ذواتنا البشرية باحثة عن أزمنة مكانية لا تجيد سوى الصخب المزيف بالضجيج، وإن كان على هامش الحياة نفسها. قبل الدخول فى عملية القراءة التأويلية للنص الشعري، تبدى لى سؤالان معرفيان وهما: لماذا تكون الكتابة عن شعرية الصخب؟ وهل ينتج الصخب شعراً ؟ وكيف تكون صورته الفنية التى تجمع تراكيب لغوية مُتوهمة، تقطع نفسها عن تراثها الأبوى البعيد والمغرق فى قدمه؟ هذه الأسئلة ترتبط ذهنياً بالتلقى على أنواعه كافة، وأجدنى أفتش فى زوايا القصيدة النثرية التى تكتبها عابدين محاولاً الوصول إلى المعنى الذى أظنه فأقولُ: إن الكتابة الشعرية تحديداً هى بنت الصخب والفوضى والتمرد على القوالب اليأسة، وبالتالى يكون الصخب فى منطقه المجازى منتجاً لشعرية صاخبة أيضاً، لأنها تكون صدى لأرواح آخرين يبحثون عن سبب لصخبهم اللانهائي. وعليه تكون صورة الشعر فى قصيدة النثر مغايرة لما عرفته الذائقة التقليدية فيأتى شعراً موجوعاً بالواقع مشحوناً بالصخب الذاتى الداخلي، حزيناً، يحمل الكآبة بين جفنيه، يريد أن يتكلم بصوت صاخب، لكنه لايقدر على الحديث سوى بهمس الكلمات الجريحة التى تئن من كثرة البوح. جاء ديوان على حافتين معاً فى قصائد نثرية قصيرة وطويلة، وكأن الذات الشاعرة تعيش على حافتين هما: الموت والحياة، حافة الموت الطويل، وحافة الحياة القصيرة التى نحلم بأن نعيشها من خلال أحلامنا التى نخلقها لنا. توالت عناوين القصائد بشكل متواتر ( على حافتين معاً احتمالات متعددة ربما هى قصيدة فى هجاء الآخرين فيزياء فى اليونان هناك فائدة دون المقدمات المملة عنوان تافه جداً لنص أتفه شارب كث حقائق إنسانية تلك الحبيبات التافهات لا أعلم قصيدة ما قبل القصيدة التيى بعدها CONVERSE أن تحيا حقيقة أنا أدركها قصيدة ليست فى وصف الملابس الداخلية هندسة فراغية فى طريق السفر هذه أنا إلخ من عناوين القصائد داخل الديوان ). تبدو العناوين السابقة بمثابة عتبات نصية على حد زعم جيرار جينيت، فالعنوان نص مواز للنص الكلي.وهو البؤرة الخارجية التى ترتكز عليها دلائليات القصيدة بتعبير ريفاتير، فنلاحظ فى بعض العناوين مؤشرات لإقامة الصخب الشعرى الهامس داخل النصوص ( ربما هى قصيدة فى هجاء الآخرين ) هذا العنوان نموذج اجتزأته من بين نماذج عديدة داخل ديوان عابدين، فى رمزية الهجاء المُوجه للآخرين الذين هم أصحاب صناعة الصخب الخارجى الذى يدفع الشاعرة للكتابة متجنبة هذه الحياة المرتبكة التى تشى بعنف عاداتى فارغ. وتبدو العتبة الثانية، فى الإهداء فقد جاء بريئا من الزيف والتقليد، لأنه جاء مباشرا وموجهاً إلى بنتين جميلتين :هما فريدة وكرمة، هذا الإهداء يحمل أملاً متجدداً فى عاطفة الأمومة، فهما قطعتان من الحياة، بهما تصبح الحياة قوية فى مجابهة الصخب. تقول الشاعرة فى قصيدة بعنوان «قصيدة ربما فى هجاء الآخرين»: «سوف أكتب الآن قصيدة فى مديحى أنا ربما تساعدنى على تنظيم فوضاى الداخلية وتفسير أحلامى السريالية جداً تعرفون أنا أملك تجربة روحية متفردة لا أحد يدركها سواى ... أمى لا تهتم بها تهتم أكثر بترتيب الملابس على حبال الغسيل أنا لا أهتم كثيراً لترتيب الملابس حسب خلفياتها الذكورية والأنثوية أو حسب أيدلوجياتها التافهة هل سيزيد هذا من عمرى ؟!». ص 14 ترتكز الذات الشاعرة فى المقطع السابق على روح التمرد الداخلى الذى يبالغ فى تصوير التفاصيل الصغيرة التى تكون هى بمثابة نواة العالم الذى تطمح أو تحلم به الشاعرة فى القصيدة، فتصنع ذاتاً متمردة فى مواجهة العالم المحبط، كما تقدم الشاعرة صورة داخلية لأشياء خارجية كثيرة تربكها تفاصيل الصخب، فهى لا تكترث بترتيب الملابس / الرمز، حسب أفكارها وانتماءاتها السياسية أو الأيديولوجية، سواء الذكورية أو الأنثوية، كما يحمل النص صوتاً صاخباً يكسر الأفكار العنصرية التى تفرق بين النوع الإنسانى ( الذكورة / الأنوثة ) كما يصف النص الأيديولوجيات التى مزقت مشاريع النخب السياسية / الثقافية بالتفاهة وعدم حضورها فى أرض الواقع، فقد صنعت الأيديولوجيات أوهامها بعيدا عن الشارع الصاخب، مستخدمة لغة متثاقفة متعالية على ثقافة الجماهير البسيطة التى تكره الحديث عن الأيديولوجيات / بل تصفها بالتفاهة والفراغ الفكري، بل تصبح القصيدة هى الحائط الأخير فى حماية الذات من الفوضى الخارجية التى تربك تفاصيلها، وإنْ تحدث النص عن الفوضى الداخلية، فالقراءة المعكوسة، تمنحنا رؤية حقيقية لما تحاول أن تشغلنا الشاعرة به فى النص. وتقول فى قصيدة «عنوان تافه جداً لنص أتفه»: «لا أعرف كيف أختار العناوين؟؟! أحاول استلهام العناوين الكبرى (ذاكرة غانياتى الحزينات، نساء يركضن مع الذئاب، الفردوس المفقود) لتعطى قيمة لنصوصى التافهة جدا لكن ليس بقدر تفاهة تلك العناوين الكبرى» ص 20 يبدو عنوان هذه القصيدة مراوغاً إلى حد كبير، حيث إن التفاهة التى تتحدث عنها الشاعرة، تأتى فى صورة مفارقة، بين الحديث عن الأشياء الكبيرة المتضخمة من خلال كلمات تافهة لا قيمة لها، فتصبح الحقيقة غائبة عن تفاصيل الوجود الشعرى الحى داخل حياة الإنسان، فالتفاهة صفة إنسانية يطلقها الناس على الأمور الفارغة التى لا تحقق غرضها، فيقول صاحب اللسان «تَفاهة: (اسم) الجمع : تفاهات، تَوَافِهُ مصدر تفِهَ نقص فى الأصالة أو الإبداع أو القيمة، تَفَاهَةٌ مَا بَعْدَهَا مِنْ تَفَاهَةٍ : الحَقَارَةُ، الدَّنَاءةُ، اشْتَغِلُ بِتَوَافِهِ الأُمُورِ : بِمَا لاَ أَهَمِّيَّةَ لَهُ «تبدو صورة التفاهة فى تراثنا العربى ذات وجه واحد اعتماداً على الخطاب اللغوى المباشر، أما فى السياق الشعري، وُتختلف القراءة التأويلية لأنها تمنح القارئ صوراً جديدة حول القيمة التى تصنعها التفاهة فى بناء الشعارات والخطب، والقصائد المباشرة، بل يحمل نص الشاعرة سارة عابدين طروحات مغايرة لمعانٍ متعددة حول حقيقة الأشياء التى نبتت فى حقول اللاشيء وأعنى تفاهة الحضور وموقعه بين الأشياء الحقيقة التى يغطيها الصخب الذى هو صورة أخرى من صور التفاهة.وتقول الشاعرة فى قصيدة «وردات حمراء»: «فروا وتركونى ملقاة بإهمال مهووشة الشعر باردة الأطراف بعد أن كانوا يعبون من خمرى المعتق باتت كل رفوفى فارغة ليس بها ما يكفى لقادمين جدد» .( ص57 ) . اجتزأت هذا المقطع من قصيدة «وردات حمراء» لأننى أشعر أن القصيدة لابد لها أن تنتهى عند هذا المقطع، لأن الشاعرة قد صنعت مشهداً فى السطر الأخير (ليس بها ما يكفى لقادمين جدد) يمكن أن نطلق عليه المفارقة المغلقة فى ظنى، فلو أنها لجأت إلى ذلك الإيجاز الشعري، لمنحها أفقاً مغايراً فى القراءة، فقد اعتمدت الشاعرة على شعرية الكشف الذاتى تجاه الآخرين، الذين يصفهم النص بالخيانة والفرار، فى مقابل الإهمال الذى وقع على الذات المجازية، التى هى البطل الحقيقى فى النص وليست الشاعرة صاحب النص، لأن كل نص يحمل أبطاله الشعريين داخله، وهم الذين يحركون تفاصيله فى كواليس النص. فقد طرحت القصيدة صورة الفراغ الصاخب الذى تشكله الحياة، مما يشى بهروب الذات من فراغ إلى فراغ العالم المتسع، وعليه فقد تجلت ظواهر عدة فى ديوان سارة عابدين، منها: التشكيل السردي، وبنياته المختلفة من خلال لغة شعرية تتجه إلى القاع بحثاً عن عالم حالم بأشيائه المُبعثرة.