قال نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الأسبوع الماضى فى تصريح صادم إن يسوع المسيح ليس له أى ميزة على جنكيزخان (ثم يشرح): «لأنك إذا كنت لا ترحم ومتسلطًا وقويًا بقدر كبير، لن يستطيع الشر أن يكون خيرًا». إذًا نتنياهو يرى أن القوة والتسلط والعنف هى اللغة التى يفهمها العالم كما فهمها جنكيزخان، أى إنه يرى أن المحبة والرحمة والتسامح التى أتى بها السيد المسيح هى ضعف، وعلى المرء أن يكون مجرمًا مثل نتنياهو يهدم ويقتل بلا رحمة حتى يتحقق الخير الخاص بإسرائيل، وخيره هو الشخصى. من هو جنكيزخان الذى استشهد به نتنياهو؟ جنكيزخان هو مؤسس الإمبراطورية المغولية، أكبر إمبراطورية متصلة فى التاريخ. وُلد حوالى عام 1162م فى منغوليا، وتوفى فى 18 أغسطس 1227م. اسمه الحقيقى هو تيموجين، ويعنى لقبه «جنكيزخان» «الملك العالمى» أو «الحاكم العالمى». أما حياته وإنجازاته، فهو وحّد القبائل المغولية المتناحرة، وأسس إمبراطورية ضخمة امتدت من الصين إلى أوروبا الشرقية، وقاد حملات عسكرية ضخمة غزت الصين وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. أسس نظامًا قانونيًا يُعرف باسم «الياسق» ينظم الحياة الاجتماعية والعسكرية، وكان معروفًا ببراعته العسكرية وقسوته فى المعارك. ومن أبرز انتصاراته: توحيد القبائل المغولية المتناحرة تحت قيادته عام 1206م، وغزا الصين وهزم أسرة جين فى شمال الصين وضمها إلى إمبراطوريته، وغزا دولة خوارزم ودمرها، واستولى على مدنها الكبرى مثل بخارى وسمرقند، وهجم على القوقاز وضمها إلى سيطرته، كما غزا كييف الروسية، وهزم جيش جلال الدين منكبرتى فى معركة براون عام 1221م. وعُرف أسلوبه العسكرى بأنه استخدم تكتيكات التفريق والسيطرة، واعتمد على سلاح الفرسان الكبير، ومارس العنف الشديد على المتمردين، واحترم تقاليدهم ودياناتهم فى بعض الأحيان. واستخدم استراتيجيات حربية قاسية لتحقيق أهدافه، مثل تدمير المدن والقرى التى رفضت الاستسلام، وقتل السكان المدنيين والعسكريين. دمر جنكيزخان مدينة بخارى سنة 1220م فى أوزبكستان، وقتل آلاف السكان، ودمر مدينة سمرقند فى عام 1220م، وقتل آلاف السكان، ودمر مدينة نيشابور فى عام 1221م فى إيران، وقتل آلاف السكان، كل ذلك من أجل توسيع إمبراطوريته وتحقيق السيطرة على المناطق المجاورة، ويرد على المقاومة بالعنف الشديد. هذا هو جنكيزخان الذى استشهد به نتنياهو، متطاولًا على الرسالة السماوية للسيد المسيح. المعروف أن السيد المسيح صعد إلى السماء فى 33 ميلادية، وأن الهيكل اليهودى دمره القائد الرومانى تيطس فى 70 ميلادية، وبعدها تشتت الشعب اليهودى فى بلاد العالم. هكذا تؤمن كل الكنائس المسيحية (ما عدا بعض الإنجيليين المتصهينين الأمريكيين ولأسباب سياسية). إن السيد المسيح جاء لينشر المحبة والسلام والتسامح بين الناس، واتخذ مسافة بين رسالته وبين اليهود، وليس أوضح من ذلك أن عند صلبه انشق حجاب الهيكل اليهودى، إشارة إلى بدء العهد الجديد. وليس أدل على تسامح السيد المسيح أنه عندما أتى الجنود الرومان والكهنة اليهود ويهوذا للقبض عليه لمحاكمته، وأراد بطرس أن يدافع عن يسوع المسيح بسيفه، قال له يسوع: «رد سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف، بالسيف يهلكون» (إنجيل متى 26/52)، وهو قائل فى تعاليمه: «لا تقاوموا الشر، ومن لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا» (مت 5: 39). كذلك علّم أن الأرض ليست الأرض المادية، أى إسرائيل كما يعتقد الصهاينة، بل الأرض الحقيقية هى ملكوت السماء، فهو القائل: «مملكتى ليست من هذا العالم» (يو 18: 36). إن هذه التعاليم تتنافى تمامًا مع جنكيزخان، وتتنافى تمامًا مع سلوك وأسلوب نتنياهو، الذى يرى فى قتل الأبرياء، لا سيما الأطفال، واحتلال الأراضى وهدم المدن «خيرًا» لتحقيق الخير الأعظم. فمن هو جنكيزخان العصر الحديث يا تُرى؟