صاحبه الضوء دائمًا أينما حلّ. أخذته طبيعة شخصيته الجاذبة وموهبته الفنية اللافتة إلى مراكز الفن والثقافة فى العالم. كانت الألوان رفيقة كل المراحل، تنعكس فنًا على لوحات تشاركه مساحات الضوء التى أحبها. حتى بعد انحسار الضوء بفعل ما جرى فى نهر السياسة من أحداث، احتفظ صاحب الريشة العارف بأسرار مساحات الضوء والظل. أدارها باقتدار قبل ذلك. خاض تحت الضوء معارك كثيرة، ويديرها مقتدرًا فى الظل. امتلأت أيامه بتفاصيل لا يستدعى منها إلا ما يرغب فيه. لن يكتب مذكراته، رغم أن سنوات الضوء الباهر التى تخطّت العقدين من الزمن فيها من الأحداث والدروس ما يؤرخ لعصر كامل. مؤخرًا، وقف تحت الضوء مجددًا يستقبل تكريمًا كبيرًا، وقال إن مشاعر الصدق والود التى أحاطت به وبالتكريم الكبير كانت الحافز الأول لعودته إلى بؤرة الضوء من جديد. على المسرح الذى تحتضنه الرياض، ويرفع عنوانًا عن صناعة المتعة وصنّاعها، صفّقت له الرياض، وصفّق معها العالم العربى مباركًا وفخورًا، وصفّقت أنا من وسط الصفوف المتابعة، سعيدًا ومعتزًا ببلدى فى شخص الرجل. هل وقف يتأمل الوجوه المرحّبة به؟ أم انشغل بصور الماضى تلمع فى ذهنه من جديد؟ ربما استرجع فى لحظات صور سنوات الرحلة منذ أن عمل تحت إدارة الكبار، ثم صار كبيرهم، وحتى عاد إلى مرسمه ولوحاته، والعالم الذى خرج منه وعاد إليه. إنها مساحات الضوء والظل التى أتقن مهارة التنقل بينها دون أن يخفت أثر فنه ودوره. • • • أول ما عرفت عنه أنه من المصريين العاملين بالخارج. أول ما غادر، اتجه إلى أستراليا، لكن صاحب الشخصية الطيبة، شديدة التقليدية، ابن مدينة طوخ، لم يتعايش هناك كثيرًا. «كيف تتآلف مع بلد لا يعرف شهر رمضان؟!» هكذا ردّد. عاد إلى بلاده، اختار شريكة الحياة، ثم غادر مجددًا عامًا أو عامين إلى ليبيا، قبل أن يحطّ به الرحال فى المملكة العربية السعودية، حيث استقر حتى التقاعد. هناك، عاش كل شتاء وحيدًا، وعاش كل صيف مع أسرته التى تنتقل إليه شهور الإجازة المدرسية، يقضون الأمسيات على بحر جدة. جرت الأيام والرجل يحبه الجميع. هادئ الطباع، بسيط، وفى حياته اتجاهات أربعة تخصه وحده ولا يعرف سواها: أسرته، عمله، فريد الأطرش، ونادى الزمالك. عدا ذلك لا يثير اهتمامه شىء. تغيّرت اتجاهاته فى سنوات التقاعد قليلًا؛ عاد ليسكن بيتًا بناه ولم يعرفه سنوات الغياب الطويلة، وحلّت تلاوة القرآن بصوت مسموع، وكتابة المصحف بخط اليد محل ساعات العمل. وقفت أمام بابه لأقرأ لافتة مكتوبًا عليها اسمه مقترنًا ب«التليفزيون العربى». اسم يلمحه البعض على أعمال مسرحية كوميدية نقلها للتليفزيون فى الستينيات. نفس الاسم قالته السيدة ليلى رستم تدعوه للحديث عندما أراد هو التعبير عن سعادته باللقاء مع أسطورة الملاكمة محمد على كلاى. تشير السجلات إليه بصفته أول مدير تصوير فى التليفزيون المصرى الذى تأسس باسم التليفزيون العربى عام 1960. فكان الجالس خلف عدسة كاميرا يدوية ثقيلة، ضبطها لتنقل صورة عظماء مثل الأستاذ صلاح ذكى أو حمدى قنديل وآخرين. يصنع الضوء الباهر ويحدد مساحته وينقل صورته، ثم يجلس فى الجهة المقابلة فى ظل الضوء الذى صنعه، سعيدًا ومستمتعًا بكلمات المذيع، أو صوت المطرب، أو النجمة. على عكس الأول، لم يتم استدعاء الرجل أبدًا من الظل الذى عاد إليه. يكفيه أن يردد فى فخر أنه أول مصور تليفزيونى فى تاريخ ماسبيرو، وعودته لبيته فى خط أتوبيس واحد مع شاب كوميدى صاعد اسمه عادل إمام، أو يزهو بقصة صعوده على السقالات للدور الثالث ليمارس عمله، بينما المبنى الضخم ما زال قيد الإنشاء. • • • أتصور أن قارئ السطور قد استنتج اسم الأول: الفنان أولًا وأخيرًا فاروق حسنى. أما الثانى، فلن يكون استنتاج اسمه ممكنًا. هو فاروق أيضًا، لكنه فاروق بكرى. منحنى الأول شرفًا بأن ألتقيه مهنيًا، وفخرًا بأن أسعد بأثره وأصفّق له الأسبوع الماضى، وهو يتلقى جائزة الجوى أووردز من يد صادقة بالود والتقدير، مدّها رئيس هيئة الترفيه المستشار تركى آل الشيخ تكريمًا له ولبلدى. الثانى هو صانع التاريخ الذى لا يعرفه أحد، لكن له فى عنقى دين، وله على الفضل. هو منتج مساحة الضوء والظل التى أعيش فى رحابها بوصفه والد أم أولادى ورفيقة مشوارى. لم أرفع يدى له بالتصفيق أبدًا، لكنى رفعتها بالدعاء، وأنا أودّعه رعاية طبية حرجة يحتاج لها فى نفس الأسبوع الذى صفّقت فيه للأول. هى مساحات الضوء والظل، لا يستمر وسطها إلا عمق ما نترك من أثر، خاصًّا كان أو عامًّا.