هل أن مؤسسات الحكم فى بلاد العرب والمسلمين، وأيضًا تجمعاتها الإقليمية العربية والإسلامية، وهى المتعثّرة فى فهمها لمتطلبات الاستجابة والتفاعل مع الفكر والسلوك العولمى والإقليمى والوطنى عبر العقود الأربعة الماضية، ستقرأ المشهد الفنزويلى الجديد قراءة صحيحة؟ أم أنها كالعادة، ستمر عليه بسطحية كحادث مؤقت سينساه العالم بعد حين، وبالتالى لا يستحق أن يقرأ كواحد من مداخل مستقبل الكتلتين العربية والإسلامية؟ فأولًا- لقد قام الرئيس الأمريكى ترامب بسابقة جنونية ميليشياوية من قبل أمريكا ألغت القانون الدولى بشأن استقلال وسيادة الدول. وبدلًا من أخذ خلافها مع فنزويلا، الذى ينطبق فى جوهره على دول عدة أخرى، إلى مؤسسة إقليمية مشتركة تجمعها مع فنزويلا لتساعد فى حل الخلاف، أو تأخذه كشكوى إلى هيئة الأممالمتحدة لتناقش الأمر وتصحّح أى خلل فى تصرفات أمريكا أو فنزويلا، أخذت الأمر بيدها ودون أى اعتبار لوجود قانون أو عرف أو حق تستند عليه فى تبرير تصرفها، تمامًا كبلطجى الحى الذى لا يعترف ولا يذهب إلى محكمة وإنما يأخذ ما يعتبره حقًا له بيده وبعصاه. فهل ستقرأ مؤسسات الحكم فى بلاد العرب والمسلمين فى هذا التصرف الأحمق إمكانيات تطبيقه على أحدها مستقبلًا إن تجرّأت واختلفت مع نظام الحكم الأمريكى ورجالاته؟ تمامًا كما حدث سابقًا لرؤساء أقطار العراق وليبيا وسوريا وكما قد يحدث قريبًا فى لبنان؟ ثانيًا- هل ستبادر الكتلتان العربية والإسلامية فى هيئة الأمم إلى الإتصال بالكتلة الأفريقية وكتلة دول أمريكا الجنوبية اللاتينية لعقد اجتماع مشترك لمندوبى الكتل الأربع، وهم فى مجموعهم يمثلون أكثر من نصف أعضاء الهيئة، للنظر فى إمكانية تقديم اقتراح مشترك يدعو إلى عقد جلسة للجمعية العمومية لهيئة الأممالمتحدة لمناقشة المخالفات القانونية والحقوقية التى ارتكبتها دولة عضو، أى أمريكا، ضد دولة عضو آخر، أى فنزويلا، ومقارنتها وربطها بما فعلته فى سوريا عندما سلخت الجولان، وهو جزء من دولة سوريا، وسلمته إلى الكيان الصهيونى، وفعلت الأمر نفسه عندما أعطت مدينة القدس الفلسطينية هدية للكيان الصهيونى، وإبراز أن ما فعلته أمريكا بحق الجولان والقدس هو أيضًا اعتداء حقوقى وقانونى وأخلاقى إنسانى بحق الشعبين الفلسطينى والسورى؟ ثالثًا- وهل ستكون لدى دول اليسر البترولية فى الكتلتين الشجاعة والدعم لتفكر جديًا فى التخلص من النظام المالى العبودى الأمريكى القديم القاضى بعدم بيع بترولها وغازها إلا من خلال عملة الدولار الأمريكى بعد أن تبين أن أحد أسباب الهجمة الهمجية الأمريكية على فنزويلا أن بيعها لبترولها فى السنين الأخيرة لا يشترط أن يكون بعملة الدولار، كما كان فى السابق، عندما كانت فنزويلا مرغمة أن تكون دولة تحت النفود الأمريكى، مثل الكثير غيرها من دول أمريكا اللاتينية التى كانت وما زالت محكومة بإملاءات قانون مونرو الأمريكى الاستعمارى الذى يعتبر أمريكا الجنوبية حديقة خلفية لدولة أمريكا ولا تتصرف أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا إلا برضى وموافقة الولاياتالمتحدةالأمريكية. فهل ستبدأ دول اليسر فى الكتلتين إعداد نفسها لعدم السقوط فى حبال اليوم المستقبلى الذى سيشهد تراجعًا تراجيديًا لقيمة الدولار، بسبب الأزمات التى لن تنتهى فى دولة الولاياتالأمريكيةالمتحدة من جراء جنون وجهالة بعض من قادتها؟ رابعًا- لقد اعتمدت دول الكتلتين العربية والإسلامية فى الماضى على عامل الوقت والتغيرات التى تصاحبه لحل الكثير من خلافاتها ومصائبها مع مختلف أنظمة الحكم الأمريكى والتى تحكمت بها القوى والمصالح الصهيونية فى كثير من الأحيان. لكن الرئيس الأمريكى الحالى يسعى، وقد ينجح، لاختصار وقت كل خلاف أمريكى مع كل دول العالم من خلال وممارسة سياسة التهديد بالتدخل المباشر لدولته بعد انتهاء مهلة الوقت، تمامًا مثلما فعل مع فنزويلا ويفعله مع الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين والإيرانيين وغيرهم من شعوب العرب والإسلام. فهل سيعى القادة هذا التحول الجنونى الجديد الذى تؤسسه أمريكا فى العلاقات الدولية، ويقللون من اعتمادهم على عامل الوقت ليحل محله عامل قوة الإرادة وأهمية كرامة وحرية واستقلال الدول والشعوب العربية والإسلامية؟ تلك كانت أربعة أمثلة فقط قصد منها التنبيه إلى أن ما جرى فى فنزويلا يجب أن ينظر إليه كدروس وعبر ومراجعة استراتيجيات، لا كحادث مؤقت عابر أو مشهد مسلّ للضحك والاستهزاء والتشفى تجاه كل محاولة بطولية لتجريد هذا العالم من القبضة الاستعمارية التى آن لها أن تقطع.