بعد ساعات معدودة من عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة قاصمة للتعاون الدولي متعدد الأطراف بقراره انسحاب الولاياتالمتحدة من اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية. وفي الشهر التالي، انسحبت واشنطن من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وأمرت بمراجعة التزامات الولاياتالمتحدة تجاه مؤسسات دولية أخرى، مثل منظمة الأممالمتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو). وفي أبريل الماضي استهدف ترامب النظام التجاري العالمي بفرضه رسوم جمركية غير مسبوقة على كل الواردات الأمريكية في انتهاك لمبادئ منظمة التجارة العالمية. ولم يكن ترامب أول رئيس أمريكي يهاجم المؤسسات الدولية، كما أن أفعاله ليست السبب الوحيد لتراجع أهميتها. فقد أدى تفاقم عدم المساواة بين الدول، نتيجةً للعولمة المفرطة دون توفير الدعم الكافي للعمال، إلى تأجيج السخط على التعددية في العديد من البلدان. علاوة على ذلك، تأسست معظم هذه المنظمات في القرن العشرين، وأدى عدم كفاية الإصلاحات إلى تضخمها وتقادمها وانعزالها، وتقديمها لحلول نمطية لمشاكل معقدة كالتغير المناخي والأوبئة والذكاء الاصطناعي وسباق التسلح النووي الجديد. كما أن هذه المؤسسات لا تزال خاضعة لهيمنة مؤسسيها في أمريكا الشمالية وأوروبا، وهي غير مؤهلة لإدارة عالم يتزايد فيه الثقل الاقتصادي والسياسي لدول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وفقا لتحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز لكل من مونيكا هيرتس مديرة معهد أمريكا اللاتينية للتعددية الدولية وسيلانا هو نائب عميد الأبحاث والتطوير وأستاذ مساعد الشؤون الدولية في كلية ليس كوان يو للسياسات العامة بالجامعة الوطنية في سنغافورة. ومع تضاؤل دور المنظمات الدولية التقليدية مثل الأممالمتحدة ومنظماتها النوعية، يفتقر العالم إلى القيادة في مجالات التجارة الحرة، والتكنولوجيا، وإدارة النزاعات، والأمن البشري، وفي كلٍّ من هذه المجالات، وهو ما يفتح الباب أمام دور أكبر للمنظمات الإقليمية على حد قول هيرتس وسيلانا هو، حيث تستطيع الهيئات الإقليمية المساعدة في سد الفجوة الناجمة عن تراجع المؤسسات الدولية. وترى الأكاديميتان أن الوقت حان لتوسيع نطاق اختصاص المنظمات الإقليمية وتعميق التعاون فيما بينها، بعد عقود من مساهمتها البناءة في تعزيز عمل المؤسسات الدولية. إذا لم تضطلع هذه المنظمات الإقليمية بهذه المهمة، فلن يتمكن العالم من معالجة مشكلاتها الراهنة عبر أطر العمل متعدد الأطراف، وإنما عبر تحركات قوى عظمى تسعى إلى بسط نفوذها، وهو نمط من السياسة العالمية لم يُسفر تاريخيا عن نتائج إيجابية للدول الصغيرة والمتوسطة. والحقيقة أن المؤسسات الإقليمية تتمتع بمزايا معينة مقارنة بالمؤسسات الدولية. فهي أقرب إلى مصادر المشكلات، مما يتيح لها تشخيصها بسرعة ودقة أكبر، والتخفيف من آثارها، ومنع تكرارها. كما أن أعضاءها من الدول المتجاورة تكون أكثر حساسية واستجابة للواقع المحلي، وتستطيع تكييف مبادئ ومعايير الحوكمة العالمية مع السياقات المحلية. ومع قلة عدد الدول المشاركة في صنع القرار، تقل العقبات أمام العمل الجماعي، وتقل فرص رفض المقترحات. وتعد المنظمات الإقليمية بالفعل جهات فاعلة رئيسية في تسهيل التجارة والاستثمار عبر الحدود. وفي نوفمبر 2020 تم توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، وهي أكبر اتفاقية تجارة حرة في العالم، وتضم أستراليا والصين واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وجميع الدول العشر الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). ومنذ دخولها حيز التنفيذ في عام 2022، عززت قواعد الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة وسياسات خفض الرسوم الجمركية التكامل وحسنت سلسلة القيمة الإقليمية. ومن المرجح نمو حجم التجارة والاستثمار داخل هذا التكتل الضخم مع انضمام أعضاء جدد إليه مثل بنجلاديش وتشيلي وسريلانكا . في الوقت نفسه تتعاون التجمعات الإقليمية من مختلف مناطق العالم فيما بينها بما يعزز دورها على المستوى العالمي. ففي عام 2014، أطلقت رابطة آسيان اجتماعا سنويا مع تحالف المحيط الهادئ الذي يضم تشيليوكولومبيا والمكسيك وبيرو لبحث سبل التعاون بين المجموعتين في مجالات التنمية المستدامة، والتحول الرقمي والأخضر، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتبادل الثقافي بين الشعوب. وأثمر هذا التعاون عن إطلاق مبادرة سياحية مبتكرة واتفاقية تجارة حرة بين تحالف المحيط الهادئ وسنغافورة، وهي اتفاقية يمكن أن تُصبح نموذجا يحتذى به لبقية أعضاء آسيان. كما يمتلك تحالف المحيط الهادئ شراكات واتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، واللجنة الاقتصادية الأوراسية، والتكتل التجاري لأمريكاالجنوبية (ميركوسور). ويمكن لهذه الأنظمة التجارية العابرة للأقاليم أن تُسهم في استقرار الاقتصاد العالمي في ظل تصاعد الحمائية الأمريكية وفرض التعريفات الجمركية الانتقامية. فمن خلال تعزيز التجارة والاستثمار، ودعم الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتشجيع التكامل المالي، تُساعد هذه الأنظمة في استمرار دوران عجلة الاقتصاد العالمي. وحتى في الوقت الذي تتفاوض فيه الدول منفردةً للحصول على تنازلات من إدارة ترامب، يمكن للمنظمات الإقليمية التفاوض جماعيا مع الولاياتالمتحدة، أو على الأقل الاتفاق على مجموعة من المبادئ المشتركة لتوجيه المحادثات الثنائية. بل يمكن للتجمعات الإقليمية في أفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا منع التفكك التام للنظام التجاري الدولي من خلال تنويع سلاسل التوريد، واستخدام التكنولوجيا الحديثة لتبسيط التجارة العالمية، ومواءمة قواعدها بشأن التجارة الرقمية والطاقة النظيفة. وإذا كانت التجارة والاستثمار أحد أهم مجالات عمل أغلب المنظمات الإقليمية، فإنه يتعين على هذه المؤسسات أيضاً تكثيف جهودها لإدارة النزاعات العالمية، في ظلّ تراجع التمويل والدعم المقدم للمنظمات الدولية التي لطالما قادت جهود حفظ السلام وبناء السلام، بما فيها الأممالمتحدة. وقد أظهرت منطقة جنوب شرق آسيا كيف يمكن تحقيق ذلك: إذ ساهمت مجموعة من الأعراف غير الرسمية المعروفة باسم "طريقة الآسيان"، والتي تشجع على بناء التوافق وعدم التدخل والتعاون الطوعي بين الدول الأعضاء، في منع اندلاع النزاعات وتقويض السلام الإقليمي إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، ساعدت وساطة إندونيسيا الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الوطنية الانفصالية، على توقيع اتفاقية سلام عام 1996. كما حلت ماليزياوسنغافورة نزاعهما حول جزيرة بيدرا برانكا سلميا، وذلك بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية للتحكيم عام 2003. لسنوات عديدة ساهمت منظمات أمريكا اللاتينية في حل النزاعات الحدودية والحفاظ على انخفاض حدة التوترات الإقليمية، حتى مع زيادة بعض الدول لإنفاقها العسكري. فعلى سبيل المثال، ساعد اتحاد دول أمريكاالجنوبية في التفاوض لإنهاء أشهر من الاضطرابات السياسية في بوليفيا عام 2008، ووفر منصة لمعالجة المخاوف في المنطقة بعد اتفاق كولومبياوالولاياتالمتحدة على نشر قوات أمريكية في قواعد كولومبية عام 2009، وتوسط في المحادثات بين كولومبياوفنزويلا عندما نشب خلاف دبلوماسي بينهما عام 2010 بسبب وجود متمردين كولومبيين مسلحين في فنزويلا. كما استثمر الاتحاد الأفريقي بكثافة في السلام والأمن، فأنشأ هيئات استشارية وقوة لحفظ السلام وآليات أخرى لمنع النزاعات وتحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد النزاع. فعلى سبيل المثال، ساهمت بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال في تعزيز سيطرة القوات الصومالية على أراضيها وتحقيق قدر محلوظ من الاستقرار في البلاد منذ انطلاقها في يناير 2025. وفي الوقت الذي تتعثر فيه المنظمات الدولية الدولية، لا يزال العالم بحاجة إلى عمل جماعي. لذا يمكن للمنظمات الإقليمية أن تكون الوسيلة الأنسب لسد الفراغ الناتج عن تآكل دور المؤسسات الدولية. ورغم أن المنظمات الإقليمية ليست حلا سحريا للمشاكل العالمية بأوضاعها الراهنة التي تحد من قدرتها على تحقيق أهدافها، فإنها تستطيع إذا ما طورت آليات أقوى لمنع النزاعات والتخفيف من حدتها المساعدة في إدارة النزاعات عندما تعجز الهيئات الدولية عن القيام بذلك. كما أن الحوكمة الإقليمية خير سبيل لمواجهة ضعف التعددية الدولية. فهي ركن أساسي من أركان الحوكمة العالمية، ولها تاريخ طويل في دعم التعاون الدولي. ومنذ نهاية الحرب الباردة، توسعت المؤسسات الإقليمية، وتعاظم دورها في تيسير التجارة، وحل النزاعات، ووضع معايير مشتركة. واليوم، بات لزاماً عليها دعم المؤسسات العالمية التي ضعفت، وتحمّل المزيد من المسئوليات. لن يساعد هذا التحول في الحفاظ على التعددية فحسب، بل قد يحسنها أيضا، من خلال استغلال نقاط القوة الإقليمية وتسهيل الحلول المبتكرة من القاعدة إلى القمة لأشد مشكلات العالم صعوبة.