أصدرتُ كتابًا كاملًا عن سينما الراحل الكبير داود عبد السيد، وأحتفظ بمواد كثيرة عنه، منها قصة هذه الندوة المهمة التى حضرتها فى عام 2018، وقد سجّلتُ وقائعها وقتها فى أوراقى الخاصة. تلقيتُ الدعوة من الناقد الشاب النشيط كريم فرغلى لحضور صالون «بدايات» الثقافى الذى استضاف داود، فرحّبت فورًا بالحضور والمشاركة. قال داود فى الندوة إنه لا يسعد بمن يمدح شخصه، ولكنه يسعد عندما يعجب الناس بأفلامه، وتحدّث عن لحظة فارقة فى حياته بعد تخرجه من معهد السينما فى عام 1967، عندما اختار أن يصنع فقط أفلامًا يقتنع بها وتضيف إلى السينما، وإلا فالأفضل له أن يترك هذه المهنة، وقد علّقتُ على هذا المعنى الهام بأنه كسب رهان القيمة. عن فيلم «البحث عن سيد مرزوق» قال داود إنه لا يستطيع اليوم إعادة الفيلم، ولكنه يشعر بأن الطريقة التى استخدمها لم تصل إلى الجمهور، رغم أنه مجرد فيلم مختلف عن السائد، وليس فيلمًا معقدًا. قال أيضًا إنه انبهر برواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان عندما قرأها لأول مرة، وفى القراءة الثانية مباشرة كان قد قرّر أن تكون فيلمًا، وهكذا وُلد فيلم «الكيت كات» الذى يعرّى فيه شخصياته إلى درجة أن عنوان السيناريو الأصلى كان «عرايا وسط الزحام»، ولكن الرقابة اعترضت على العنوان، فتغيّر الاسم إلى «الكيت كات». قال داود إنه لا توجد لديه وقتها (2018) مشروعات جديدة، بعد أن توقف مشروع فيلمه «رسائل حب» لانسحاب المنتج، رغم حصول الفيلم على الدعم المقدَّم من وزارة الثقافة، وهو ليس كبيرًا على أية حال، ورغم أن داود اختار فعلا البطلة (منة شلبى)، وقام بمعاينة مواقع التصوير مع مهندس الديكور أنسى أبو سيف، وتحدّث عن ثلاثة أفلام أعجبته وقتها لمخرجين من الشباب، هى: «يوم الدين»، و«أخضر يابس»، و«فوتوكوبى». سألتُ داود عبد السيد ثلاثة أسئلة على مدار الندوة.. سؤالى الأول كان عن ثنائية «العجز والقدرة» التى تظهر فى أفلامه، والتى ظهر تجلّيها الأشهر فى فيلم «الكيت كات»، من خلال شخصية الشيخ حسنى وأهل المنطقة، فقال إنه فعلًا يهتم بتأمل حالة العجز الإنسانى على كل المستويات، لأنه يجسّد حالتنا المستمرة مع الأسف، وضرب مثلًا بأن كل نهضة وثورة تنتهى إلى انتكاسة. سؤالى الثانى كان عن انتماء فيلم «أرض الأحلام» تمامًا إلى عالمه، برغم أنه الفيلم الوحيد الذى لم يكتبه. أردت أن أقول إنه أخذ فاتن حمامة إلى عالمه وطريقته، وليس العكس. قال إنه وافق على الفيلم لأن العمل مع فاتن حمامة يعنى أنك تعمل مع فنانة تلخّص تاريخ السينما المصرية كله، وهى التى طلبت أن يخرج لها فيلمًا بعد أن شاهدت «الكيت كات»، وهانى فوزى كاتب السيناريو ممتاز للغاية فى رأى داود، ولكن كان هناك حوار مشترك ومتواصل، وكُتبت ثلاث نسخ من السيناريو. سؤالى الأخير كان عن طريقة داود العملية فى إدارة الممثلين لكى يصلوا إلى هذا المستوى المدهش من الأداء، وتكلمتُ بالتفصيل - تحديدًا - عن مشهد المواجهة بين أحمد زكى وعبد الرحمن أبو زهرة فى «أرض الخوف»، ومشهد مماثل بين زكى وعزت أبو عوف فى نفس الفيلم، ثم طلبتُ أن يتذكر داود كواليس تنفيذه لهذا الفيلم العظيم من حيث علاقته بالممثلين، كما طلبتُ أن يتحدث عن عملية بناء شخصية الشيخ حسنى: هل استُلهمت من حيث الأداء من الشيخ سيد مكاوى مثلًا؟ وماذا عن اللوازم الصغيرة فى الأداء مثل لثغة فاتن حمامة فى «أرض الأحلام»؟ إجابة داود كانت مهمة للغاية؛ فهو لا يحب مصطلح «توجيه الممثل»، لأنه يعمل أصلًا مع ممثلين محترفين، أو يتم تدريبهم سابقًا إذا كانت لديهم مشكلة فى الإلقاء مثلًا، ولكن الجهد الأكبر يتم فى الكتابة، حيث يكتب الشخصية بأدق تفاصيلها على الورق، وبكل التعبيرات المطلوبة بمنتهى الدقة، فإذا نفَّذ الممثل ذلك يوافق داود على الأداء، وإلا طلب الإعادة حتى يصل الممثل إلى التعبير المطلوب. أما ظروف تصوير «أرض الخوف»، فلم تكن سهلة على الإطلاق، وخصوصًا مع مشكلات أحمد زكى اليومية، ولم تكن المشكلات مع داود، وإنما لأسباب مختلفة، ومع جهات أخرى، مثل مشكلة المكان الذى يقيم فيه زكى مثلًا أثناء فترة التصوير، وهى مشكلة مع الإنتاج. وفى مشهد المواجهة بالتحديد بين زكى وعبد الرحمن أبو زهرة، الذى تم تصويره عند مسجد السلطان حسن، كان صوت ضجيج فرح بلدى يصل إلى موقع التصوير بوضوح، فيشوّش على زكى، لذلك انفعل كثيرًا، وأخطأ وأعاد أكثر من مرة، وتركّز دور داود كمخرج فى أن يهدّئ الممثل الكبير ليس إلا، حتى تم إنجاز المشهد بالصورة التى شاهدها الجمهور. وفيما يتعلق بشخصية الشيخ حسنى، فإن داود رتّب لمحمود عبد العزيز الجلوس مع رجل ضرير، شاهده داود وهو يقرأ القرآن فى عزاء والد الناقد طارق الشناوى، وظهر القارئ بنفسه فى بعض مشاهد الفيلم. هذا هو المصدر الذى استلهم منه عبد العزيز الشخصية، وليس شخصية وأداء الشيخ سيد مكاوى. وعن لثغة فاتن فى «أرض الخوف»، قال داود إنها هى التى اقترحتها عليه، ووافق، لأنها مناسبة للشخصية. كان داود سعيدًا بعد الندوة. جلسنا معه فى حجرة مجاورة، وسط محاولات من الشباب للتصوير معه أو لاستكمال أسئلتهم، وكانت دردشة أخرى تساءل فيها باهتمام عن مدى استيعاب السوق لسينما مختلفة، وتحدث عن «السينما التسجيلية» التى يعشقها، وعن فكرة قديمة راودته ثم تبخّرت مع الزمن، هى أن يعمل صحفيّا. سألنى داود فى النهاية بقلق: «هل كانت ندوة جيدة؟»، فقلتُ له بحماس: «بل كانت رائعة». سأفتقده كثيرًا فنانًا عظيمًا، وصديقًا نادر المثال.