دخل كتاب «فن اللامبالاة» لمارك مانسون منافسات الأكثر مبيعا قبل بضع سنوات، خاصة منذ أن ظهر نجم كرة القدم محمد صلاح وهو يقرأه خلال الإجازة. الكتاب ضمن مؤلفات التنمية البشرية التى اشتهرت عالميا ويتحدث عن الصدمات وأنماط الحياة غير المألوفة، مع إعطاء مفاتيح للتعامل مع الشدائد بشكل أفضل. يمكننا بالطبع فهم حاجة الناس لمثل هذه الإصدارات ونحن نعيش فى عالم مجنون تزداد عبثيته يوما بعد يوم. لا نستطيع التكهن بما سيتخذه القادة والزعماء من قرارات ونرى أنفسنا متجهين نحو التهلكة، وليس فى مقدورنا تغيير المسار. وهو ما قد حذر منه أمين عام الأممالمتحدة أنطونيو جوتيريش فى فبراير 2020 حين تكلم عن دائرة مفرغة من المآسى والصراعات تفضى إلى تنامى الشعور بعدم الاستقرار وبأن كل شىء حولنا صار غير متوقع وخرج عن إطار السيطرة. • • • وتيرة الأحداث تتسارع والتحالفات تتبدل بين ليلة وضحاها، والتحليلات الجيوسياسية تتراجع أمام وطأة الأسباب والدوافع النفسية لهذا الرجل أو ذاك ممن يقودون دفة العالم، فالأهواء الشخصية والمصالح والأيديولوجيات المتطرفة والاضطرابات العقلية والسلوكية هى التى تتحكم فى مصائرنا. مع اندلاع حرب أوكرانيا على سبيل المثال لا الحصر ذهب بعض المعلقين الغربيين إلى التشكيك فى الحالة الذهنية للرئيس بوتين، وربطوا فى سخرية واضحة بين قراراته بهذا الشأن وبين تبعات الكوفيد وعدم تحمله لفترة الحظر التى طالت. ومن بعدها بسنوات قليلة بدأت الإبادة الجماعية لسكان غزة، وفشلت محاولات كبح جماح نتنياهو وشركائه، ثم ظهر دونالد ترامب فى الصورة وتناولت التحليلات مزاجه المتقلب، وفسر بعض المراقبين تصرفاته باستخدامه لسمعة «الجنون» لزيادة تأثيره فى المفاوضات مع القوى الكبرى، كما فعل خلال فترة ولايته السابقة، وهى طريقة قد تنجح لكنها محفوفة بالمخاطر فى سياقات أخرى، واستندوا إلى نظرية ماكيافيلى القائل بأن «التظاهر بالجنون قد يكون أمرا حكيما للغاية»، فيما عُرِف باسم استراتيجية «الجنون العقلانى» التى اتبعها الكثيرون من الساسة عبر العصور وتعمدوا تغذية الانطباع أنهم قد يفعلون أى شىء بغض النظر عن العواقب وقد لا يلتزمون بتعهداتهم، بدءًا من بروتس الصديق المقرب ليوليوس قيصر وأحد المتآمرين الرئيسيين فى اغتياله سنة 44 ق.م. الذى دفع ثمن ذلك بالانتحار بعد هزيمته فى معركة فيليبى. سجلات تاريخ العالم مليئة بالنماذج المشابهة التى ساقت البشرية إلى طريق لا رجعة فيه، فكانت الحروب والأوبئة والمجازر والمحارق والمصائب التى لم يخترها عامة الناس، بل فرضها عليهم بعض الحكام فرضا. تذكر الكتب المعنية بعلاقة الجنون والسلطة أو بما يسمى علم النفس السياسى أمثلة مختلفة لشخصيات بارزة اشتهرت بأفعالها الجنونية منذ القرون الوسطى، مع التأكيد على العوامل المشتركة بينهم. ومن ضمن قادة الدول الذين تتكرر أسماؤهم تحت عنوان «مجانين حكموا العالم» يأتى الإمبراطور الرومانى كاليجولا الذى أصيب باضطراب عقلى جعله يُنصب نفسه إلها ويحاول تعيين حصانه عضوا فى مجلس الشيوخ ويجبر الآباء على مشاهدة إعدام أبنائهم. وهناك أيضا قصة الديكتاتور الأوغندى عيدى أمين دادا الذى عانى من جنون العظمة بعد سنوات من الحكم ولقب نفسه بملك إسكتلندا وبعث برقية لملكة بريطانيا يطلب منها تجهيز الطعام لأنه جوعان وتسبب فى مقتل مئات الآلاف من أبناء بلده، بل واتهمه خصومه بأنه من أكلة لحوم البشر. أما شارل السادس الذى اعتلى عرش فرنسا فى القرن الرابع عشر فقد دفعته نوبات ذهانية إلى أفعال غريبة منها عدم التعرف على عائلته وادعاء أنه مصنوع من الزجاج ورفضه الاستحمام لشهور، مما أثر بشدة على استقرار مملكته وأدى لحرب أهلية وصراعات، بعد أن كان محبوبا فى بداية عهده. • • • يدرس البعض العلاقة بين السلطة والجنون والأسباب التى تجعل وضعية منهما تؤدى إلى الأخرى، كذلك يتوقفون عند اختيار الناخبين لمثل هؤلاء خاصة فى المجتمعات الديمقراطية وكيف يجتذبون عامة الناس بأكاذبيهم وما يتمتعون به من سحر غامض وخفة ظل وقدرة على الخداع. ربما يفضل الناخبون من لا يتمتعون بالكمال، من لديهم نقائص واضطرابات شخصية مثلهم. على كل حال، الشعوب هى من تأتى بهم وتتحمل تبعات ذلك كما يقول خبراء علم النفس السياسى، هذا التخصص الذى ظهر فى مطلع الأربعينيات بالولايات المتحدةالأمريكية أثناء حكم أدولف هتلر لألمانيا، وحاول فهم تركيبته ودوافعه نحو الفظائع التى ارتكبها وجرت العالم إلى حرب كونية. وإلى أن ينتهى الأمر بمثل هؤلاء إلى الهزيمة أو الانتحار إلى ما غير ذلك، يعيش الناس فى ظل كوابيس ممتدة. تفسد حياتهم ويتعرضون لضغوطات ربما تجعلهم يلجأون إلى السلبية أو درجة من درجات عدم الاكتراث لكى يتمكنوا من الاستمرار فى العيش. وهو ما يفسر أن يتصدر كتاب مثل «فن اللامبالاة» قائمة المبيعات، وأن يتجه الناس لمؤلفات التنمية البشرية بحثا عن حل أو وسيلة تعلمهم عدم الانكسار والمرونة وروح المقاومة، فهى مهارات نفسية نحتاجها جميعا فى عالم مجنون ولا نرى لجنونه نهاية فى الوقت الحالى.