كيف ظلت سينما تشارلي شابلن حية في الذاكرة الثقافية إلى يومنا هذا؟ لاحقته أمريكا سياسيا.. واعترفت بقيمته لاحقا ومنحته الأوسكار أعماله لم تكن مجرد أفلام سينمائية صامتة.. بل ملاحم إنسانية مفعمة بالنقد الاجتماعي.. والكوميديا كانت أداة لمقاومة الفقر والتهميش تحل اليوم، 25 ديسمبر، ذكرى رحيل الممثل والمخرج والكاتب والمؤلف الموسيقي البريطاني تشارلي شابلن، الذي كان فنانًا شاملًا حقيقيًا، ولم يكن بالإمكان تصنيفه كمجرد ممثل كوميدي، بل كان مفكرًا بصريًا أعاد تعريف السينما بوصفها لغة إنسانية عابرة للحدود والثقافات. وولد تشارلز سبنسر شابلن في لندن عام 1889، ونشأ في فقر قاس صقل حساسيته تجاه المهمّشين والفقراء والمحرومين، فحوّل ذلك الحرمان الشخصي إلى طاقة إبداعية، فكانت بداياته في مسارح الفودفيل، وهي نوع من العروض المسرحية الترفيهية كان منتشرًا في أوروبا وأمريكا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين يتكون من فقرات قصيرة مستقلة؛ على غرار: الكوميديا، والتمثيل الصامت، والغناء، والرقص، والألعاب البهلوانية، والاسكتشات الخفيفة. الانتقال إلى هوليود ثم انتقل "شابلن" إلى هوليوود في العقد الثاني من القرن العشرين، حيث صنع لنفسه مسارًا استثنائيًا؛ فكان ممثلًا ومخرجًا وكاتبًا ومؤلفًا موسيقيًا في آنٍ واحد. وفي عام 1914 قدّم للعالم شخصيته الخالدة "الصعلوك" صاحب القبعة الصغيرة، والعصا، والحذاء المهترىء، والذي أصبح رمزًا للإنسان الضعيف الذي يقاوم قسوة العالم بابتسامة. ولم تكن أعمال "شابلن" الكبرى مجرد أفلام سينمائية صامتة، بل ملاحم إنسانية مفعمة بالنقد الاجتماعي؛ في «الطفل» (الصادر عام 1921) قدّم حكاية أبوة بديلة تُواجه الفقر بالحنان، وفي «اندفاع الذهب» (الصادر عام 1925) مزج المغامرة بالتهكم على مبدأ الحلم الأمريكي، أما «أضواء المدينة» (الصادر عام 1931) فكان نشيدًا للحب الأعمى في مدينة لا ترى الفقراء ولا تعترف بهم، ومع «الأزمنة الحديثة» (الصادر عام 1936) بلغ نقده ذروته، ساخرًا من الآلة التي تبتلع الإنسان ومن العمل الذي يُحوّل البشر إلى تروس. ثم جاءت الصدمة السياسية الكبرى في «الديكتاتور العظيم» (الصادر عام 1940)، حيث كسر الصمت لينطق بخطاب لا يزال يُستعاد حتى اليوم، مُدينًا الفاشية ومُدافعًا عن الكرامة والحرية. تأثير عابر للحدود وقد أثر "شابلن" في الثقافة العالمية تأثيرًا ضخمًا يتجاوز حدود الزمن ولا نزال نلمسه حتى يومنا هذا؛ حيث أثبت أن الكوميديا يمكن أن تكون أداة مقاومة، وأن الضحك قد يحمل موقفًا أخلاقيًا، وقد ألهم أجيالًا من السينمائيين - من المخرج الأمريكي أورسون ويلز إلى نظيره الإيطالي فيديريكو فيليني - ورسّخ فكرة الفنان المستقل الذي يتحكم في أدواته كاملة. كما أن موسيقاه لأفلامه، التي ألّفها بنفسه، أضافت بعدًا عاطفيًا لا ينفصل عن الصورة المرئية على الشاشة، مؤكدة وحدته الإبداعية الشاملة. وفي أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي، تعرّض "شابلن" في أمريكا لهجوم سياسي وإعلامي خلال أجواء الحرب الباردة، واتُّهم - من دون إدانة قضائية - بالتعاطف مع أفكار يسارية، وفي عام 1952، أثناء سفره إلى أوروبا لعرض فيلمه «أضواء المسرح» ، ألغت السلطات الأمريكية تصريح عودته إلا بعد خضوعه لتحقيقات سياسية. واعتبر "شابلن" ذلك إهانة وضغطًا سياسيًا، فقرر ألا يعود إلى الولاياتالمتحدة، رغم أنه كان قادرًا قانونيًا على محاولة الرجوع، واشترى منزلًا في قرية كورسييه-سور-فيفي على بحيرة ليمان في سويسرا، وعاش هناك حتى وفاته عام 1977. وبرغم ذلك الجدل السياسي الذي لاحقه في الولاياتالمتحدة، عاد الاعتراف بقيمته متأخرًا حين مُنح أوسكارًا فخريًا عام 1972، في واحدة من أكثر لحظات التكريم تأثيرًا في تاريخ الأكاديمية. ورحل تشارلي شابلن عن عالمنا في 25 ديسمبر 1977، ولكن إرثه بقي حيًا في سينما تُضحك وتوجِع في آن واحد، وتذكرنا دومًا بأن الإنسان - مهما بدا ضعيفًا أو فقيرًا أو مهمشًا - قادر على مواجهة العالم بابتسامة وتفاؤل.