أزيح الستار مؤخرًا عن تمثال جديد في مدينة نورث شيلدز بإنجلترا، يسلط الضوء على حياة ماري آن ماتشام الاستثنائية، المرأة التي أنقذتها شجاعتها من براثن العبودية في ولاية فرجينيا الأمريكية ودفعتها صوب الحرية على ضفاف نهر تاين في إنجلترا في يوم عيد الميلاد عام 1831. وقد اختبأت "ماتشام" - والتي كانت عبدة بإحدى المزارع - بمساعدة صديق لها في فرجينيا - كان عبدًا لدى مدير الميناء - في الغابة لمدة ستة أسابيع بينما كان الرجال على ظهور خيول وكلاب بوليسية يبحثون عنها، ثم تم تهريبها إلى الميناء، حيث أخفاها ضابط معاون في إحدى السفن بين البضائع. وبعد أسابيع عديدة في البحر، شملت توقفًا وجيزًا في هولندا، وصلت "ماتشام" إلى ميناء جريمسباي على الساحل الشمالي لإنجلترا، ومن هناك تم نقلها برًا إلى نورث شيلدز، حيث رحبت بها سيدتان من عائلة "سبنس" في يوم عيد الميلاد. كانت عائلة "سبنس" من "الكويكرز" - وهم طائفة دينية مسيحية ظهرت في بريطانيا اشتهروا بمبادئهم الإنسانية مثل السلام المساواة والعدالة الاجتماعية - وكانوا نشطاء ملتزمين بإلغاء العبودية، وقد قدموا لها الملجأ والدعم، وتم تدوين قصة "ماتشام"، التي حكتها لأفراد عائلة "سبنس"، ونشرت لاحقًا في عدد عيد الميلاد لعام 1950 من مجلة "تاينماوث باريش"، وتبقى قصتها الملهمة حية اليوم. وعاشت "ماتشام" حرة في نورث شيلدز لمدة 62 عامًا تالية، حيث عملت في منزل عائلة "سبنس"، وتزوجت من رجل يُدعى جيمس بليث، ورغم أن قصتها قليلة المعرفة على المستوى الوطني البريطاني، إلا أنه تم تنظيم معارض عنها في متحف "أولد لو لايت" في نورث شيلدز ومتحف "دسكفري" في نيوكاسل. وتُعد قصة "ماتشام" مثالًا مبكرًا لنمط استمر طوال معظم القرن، حيث جاء الأمريكيون من ذوي البشرة السمراء الفارون من العبودية أو الناشطون المناهضون للعبودية إلى بريطانيا وأيرلندا للعمل، وإلقاء المحاضرات، والنشر، والعيش بحرية، ومن الشخصيات الأخرى المعروفة: فريدريك دوجلاس، ومويس روبر، الذي ألقى محاضرات في أماكن متعددة واستقر لفترة في ويلز. وبصفة عامة، لايزال هناك نقص واضح في الاهتمام بتاريخ ذوي البشرة السمراء البريطاني، خاصة أي شيء قبل سفينة "وندروش" التي جلبت أول مجموعة كبيرة من المهاجرين الكاريبيين إلى المملكة المتحدة عام 1948، أما عن سبب رغبة الناس في الهجرة إلى بريطانيا آنذاك، فيرجع ذلك إلى عدة عوامل؛ منها أن بريطانيا مكانًا جذابًا لراغبي الحرية؛ فلم يكن هناك عبودية قانونية في بريطانيا وأيرلندا (رغم استمرارها في المستعمرات البريطانية)، كما أصدرت قضية "سومرست ضد ستيوارت" عام 1772 حكمًا بأن أي شخص مستعبد يجب اعتباره حرًا بوجوده على الأراضي البريطانية. وجاء الفارون والعبيد السابقون باستمرار إلى بريطانيا وأيرلندا طوال القرن التاسع عشر، ومن الممكن القول إنهم لم يُستقبلوا بحرارة في أي مكان آخر مثل المناطق الأكثر صناعية، والتي غالبًا ما كانت الأكثر فقرًا، حيث شكل العمال جزءًا كبيرًا من السكان، كما ورد عبر شبكة بي بي سي. وفي القرن التاسع عشر، كان شمال شرق إنجلترا مركزًا مزدهرًا للنشاط المناهض للعبودية، مستضيفًا العديد من النشطاء ذوي الأصول الإفريقية، ومشاركًا بنشاط في نشر الأدب الخاص بهم، وتسهيل الحرية؛ ومن أمثلة ذلك الشقيقتان آنا وإلين ريتشاردسون من طائفة "الكويكرز"، اللتان عملتا على جمع الأموال لدعم حرية فريدريك دوجلاس، أحد أشهر ناشطي إلغاء العبودية ، وعائلة "سبنس" التي رحبت بماتشام في نورث شيلدز وساعدتها على بدء حياتها الجديدة. جدير بالذكر أن الأبحاث المتعلقة بتاريخ السود في شمال شرق إنجلترا تشمل مشروع حياة الأفارقة في شمال إنجلترا، وأيضًا أعمال باحثين مثل بريان وارد من جامعة نورثمبريا، الذي نشر كتابًا عن زيارة الزعيم الأمريكي في حركة الحقوق المدنية لذوي البشرة السمراء، مارتن لوثر كينج ، إلى مدينة نيوكاسل عام 1967، موضحًا فيها السياق التاريخي الأوسع لتلك الحقبة. وشعر العديد من العمال في الأماكن الصناعية في بريطانيا خلال الحقبة الفيكتورية – مثل مانشستر ومناطق الفحم في ويلز وشمال شرق إنجلترا – بأنهم "مستعبدون"، وقد رأوا أوجه شبه بين حالتهم وحالة العبيد الأمريكيين، وهي فكرة روجت لها الأدبيات المعاصرة مثل رواية "كوخ العم توم" الصادرة عام 1852. وبالطبع، لا يمكن مقارنة تجربة قوة عاملة حرة بحياة أولئك في العبودية الحقيقية، لكن شعور القهر والاستغلال الرأسمالي والفقر والدعم المتبادل بين الناس المكافحين جعل مناطق مثل شمال شرق البلاد مثالية لاستقبال الفارين من الاضطهاد والباحثين عن الملاذ. ولا يزال الشعور بالترحيب في نورث شيلدز ب "ماتشام" قائمًا حتى اليوم، لا سيما بعد المعرض الذي نظم عنها في متحف "أولد لو جلو" عام 2019، وتم جمع 800 جنيه إسترليني من خلال حملة لجمع التبرعات لوضع حجر على قبرها، الذي كان يحتوي سابقًا فقط على اسم زوجها.