منذ اللحظة الأولى لم ترفض مصر بناء السد الإثيوبى بوصفه مشروعا تنمويا، ولم تعترض على حق إثيوبيا فى توليد الكهرباء، لكنها طالبت – ولا تزال – باتفاق قانونى ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، ويضمن عدم إلحاق الضرر بدولتى المصب (مصر والسودان). هذا المطلب، البديهى فى منطق القانون الدولى، تحول مع الوقت إلى جوهر الخلاف ذاته، أمام التعنت الإثيوبى وتجاهل أديس أبابا كل الاقتراحات التى يمكن من خلالها تجاوز الأزمة، خاصة مع مصر، حتى وصلنا بعد أكثر من عقد تخللته العديد من المحطات التفاوضية إلى «طريق مسدود»، وفق تصريحات للدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية.
لكن هل يعنى الوصول إلى طريق مسدود مع الجانب الإثيوبى التزام الصمت فى هذا الملف؟ الإجابة قطعا بالنفى، والمتابع للتصريحات التى خرجت عن وزير الخارجية خلال الأسبوعين الأخيرين يلمس إلى أى مدى يشكل السد الإثيوبى شاغلا دائمًا على أجندة مصر الخارجية والداخلية، باعتبار أن الأمن المائى يمثل خطرًا وجوديًا. الوزير عبدالعاطى لم يترك فرصة خلال لقاءاته مع نظرائه الأفارقة، الذين شاركوا فى منتدى «روسيا إفريقيا» الذى استضافته القاهرة مطلع الأسبوع الجارى، لتكثيف تصريحاته بشأن السد الإثيوبى، مؤكدًا أن مصر لن تتساهل أو تتسامح مع أى مساس أو إضرار بمياه نهر النيل. لكن عبدالعاطى، الذى لوحظ استخدامه توصيفًا خشنًا لسد «الخراب» الإثيوبى فى تصريحات لمحطات فضائية، شدد على أن القاهرة تلتزم التزامًا كاملًا بالقانون الدولى المنظم للأنهار الدولية، وفى الوقت ذاته لن تقبل بأى إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بحقوقها التاريخية أو مصالح شعبها أو تشكل «أى تهديد وجودى للأمن المائى المصرى». والسؤال: ما جدوى تكرار التصريحات التى تتمسك بضرورة التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم مع الجانب الإثيوبى، إذا كان الطرف الآخر أغلق الباب كليا واختار طريقا «غير شرعى» يشكل خطرًا «وجوديًا» على أمننا المائى؟ السد الإثيوبى لم يعد مجرد سد، ولكنه أصبح نموذجًا لاختبار فكرة العدالة فى الأنهار العابرة للحدود، وإذا كانت مصر لا تبحث عن تصعيد، فهى أيضًا ترفض الاستسلام للأمر الواقع، وما تقوله الآن هو: انتهى وقت التفاوض المفتوح بلا نتائج، وبدأ وقت تثبيت المواقف، قانونيًا وسياسيًا. ربما يرى البعض أن هذا المسار قد يطول، وقد يكون بطيئا، لكنه بالنسبة لمصر لن يؤدى على الأقل إلى اعتراف غير معلن بالأمر الواقع، وهو ما يراهن عليه الجانب الإثيوبى. لا تطلب مصر المستحيل، لم تطلب التخلص من السد الإثيوبى، ولا تقويض المشروع، ولا تعطيل تشغيله، بل طالبت ولا تزال باتفاق قانونى ملزم ينظم إدارة السد فى الظروف العادية والاستثنائية، ويمنع استخدام الأمر الواقع كبديل عن التوافق. هذا الطلب، فى عرف القانون الدولى، هو الحد الأدنى، لا السقف الأعلى. الاتفاق القانونى الملزم، رغم عقلانيته، يصطدم بعقبة سياسية كبرى تتمثل فى الرفض الإثيوبى لأى التزام قانونى طويل الأمد، تحت مزاعم غير منطقية لا تصمد أمام مبادئ القانون الدولى، وادعاء أديس أبابا أن النهر الذى يمر داخلها «يخضع لسيادتها الكاملة». وأخيرًا، هل يملك الطرف المتحكم فى المنبع أن يفرض إرادته أم أن القانون الدولى لا يزال قادرًا على حماية حقوق دول المصب؟ هذا هو السؤال الحقيقى الذى تحاول مصر طرحه، لا فقط الدفاع عن حصتها المائية. مصر عبّرت فى عشرات المناسبات عن أنها لا تبحث عن أزمة، لكنها ترفض أن تعيش داخلها إلى الأبد. فى أزمة سد «الخراب» الإثيوبى، لا تراهن مصر على الصبر وحده، ولا على القانون وحده، بل على منع تحويل التعنت إلى حق. فالأمر الواقع قد يصنع سدًا، لكنه لا يصنع شرعية، ولا يغير حقيقة أن النيل شريان حياة لا يقبل التجربة، ولا يقبل الرهان على صبر بلا حدود.