سي إن إن: واشنطن قد تطالب طهران بأولوية الوصول إلى الثروات الباطنية الإيرانية خلال مفاوضات جنيف    تاس نقلا عن مصدر: مفاوضات جنيف تسعى للاتفاق على مبادئ إطار لتسوية الأزمة الأوكرانية    الرئيس الكيني: نسعى لتعزيز شراكتنا القوية مع مصر في التجارة والاستثمار والتصنيع    طقس اليوم الثلاثاء| عودة شتوية قوية.. والعظمى تنخفض 6 درجات    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    ضبط سيدة متهمة بفرض «إتاوة» على سائق سيارة ميكروباص بأحد الطرق في الإسكندرية    بسبب الموكب الصوفي، وقف جوالات المجموعات السياحية بجوار مسجد الأمام الحسين اليوم    نائب الشيوخ بالمنيا يطالب بتحديث تسعير العلاج على نفقة الدولة لضمان الاستدامة الصحية    بتوقيع عزيز الشافعي«إخوات» تشعل المشاعر قبل العرض.. أغنية "أولاد الراعي" تروي وجع الفراق ولمّة الدم بصوت إبراهيم الحكمي    متحدث فتح: ضم أراضي الضفة امتداد للحرب على غزة    تامر أمين لجمهور الأهلي بعد مباراة الجيش الملكي: العقل يقول أعمل حاجة تفيد فريقي مش الخصم    الصحة: إنهاء معاناة 3 ملايين مريض ضمن مبادرة قوائم الانتظار بتكلفة 31 مليار جنيه خلال 7 سنوات    الرجفة ليست مقياسا، 4 علامات تحذيرية مبكرة لمرض باركنسون    تصريحات عاجلة ل ترامب وقرارات بشأن "مجلس السلام فى غزة" وتايوان.. فيديو    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الثلاثاء 17فبراير    الإفتاء: التهنئة بقدوم شهر رمضان جائزة ولا حرج فيها    دعاء الفجر.. أدعية تزيل الهموم وتجلب الخير    حقيقة اهتمام مانشستر يونايتد وتشيلسي بالتعاقد مع يورجن كلوب    إعلان طاقم تحكيم مباراة الزمالك وسيراميكا كليوباترا في دور ال16 بكأس مصر    قمة الذكاء الاصطناعي «Ai Everything» تشهد توقيع كتاب تروما الصحافة الاقتصادية    الجمال القابضة وLectrobar توقعان اتفاقية شراكة في مجال أنظمة الباص واي    الإفتاء تستطلع هلال شهر رمضان مساء الثلاثاء    إحالة عامل للجنايات بتهمة إنهاء حياة زوجته حرقًا في الإسكندرية    واشنطن: حجم طلبات شراء الأسلحة الأمريكية بلغ 900 مليار دولار    عمرو سعد يتكفل ب30 غارمًا وغارمة ب10 ملايين جنيه تزامنًا مع مسلسله «إفراج»    محافظ أسوان الجديد: الملف السياحي على رأس أولوياتنا خلال المرحلة الحالية    السفير المصري لدى الفلبين يستقبل وفداً من الطلاب الدارسين في الجامعات الفلبينية    6 مطالب من المواطنين لمحافظ أسيوط الجديد الرقابة وتقنين الأراضي وتطوير العشوائيات    رئيس رابطة الأندية: لم نتلقَّ برنامجًا للمنتخب المشارك في كأس العرب    وزير الخارجية: مصر حققت ما لم تحققه أي دولة أخرى في 10 سنوات باستثمارات 600 مليار دولار في البنية التحتية    الجيش النيجيري يؤكد وصول قوات أمريكية للبلاد    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 17 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    وليد دعبس يدعو لاجتماع طارئ بسبب أزمة التحكيم: الأندية تُنفق الملايين وحقوقها تُهدر    لماذا لم يشارك محمد رمضان في سباق الدراما بعد جعفر العمدة؟.. ناقد فني يوضح    د.حماد عبدالله يكتب: "عبقرية" المصريين !!    ضبط «صيدلي» انتحل صفة طبيب بشري بسوهاج    طريقة عمل الأرز المقلي بقطع اللحم على الطريقة الآسيوية    الأندية المتأهلة إلى دور ال16 بدوري أبطال آسيا للنخبة    أمانة طاقم إسعاف.. "عادل وأسامة" أعادوا 370 ألف جنيه لمصاب بحادث بالبحيرة    أشرف داري يكشف عن شرطه الوحيد للرحيل عن الأهلي    سكوت ريتر: حاملة الطائرات أبراهام لينكولن هدف سهل لإيران مثل "بطة جالسة" تنتظر الغرق    جوان جارسيا: هدف تقدم جيرونا كان من مخالفة ولكن    السيطرة على حريق هائل بمخزن قطع غيار سيارات أسفل عقار سكني في بنها | صور    الباحثة هاجر سيد أمين تحصل على درجة الماجستير بتقدير امتياز عن دراسة الأمثال الشعبية    جمال شقرة يدعو زاهي حواس إلى مناظرة علنية حول ثورة 23 يوليو وتاريخ مصر الحديث    جراحة مجهرية ببنها تنقذ رضيعاً من عيب خلقي بالمريء    أين تحفة برلين السينمائية؟.. تساؤلات مشروعة حول برمجة أفلام المسابقة الرسمية بالدورة ال76.. الجمهور ينتظر بشغف وتعطش رغم برودة الطقس فى ظل تراجع مستوى الأعمال المقدمة    بعد نهار حار.. انخفاض فى درجات الحرارة بمحافظة بورسعيد.. فيديو    أنوار وزينة رمضان.. فرحة أهالى بورسعيد بقرب حلول شهر رمضان.. فيديو    أخبار مصر اليوم: السيسي يشهد أداء المحافظين الجدد اليمين الدستورية.. رئيس الوزراء يستعرض أولويات المرحلة المقبلة في الملفات الاقتصادية.. الأرصاد تحذر من انخفاض كبير بدرجات الحرارة    نقابة الأشراف تحسم الجدل حول نسب «زينة» ونجليها    جامعة الدلتا التكنولوجية تشارك في ملتقى الشراكات التعليمية الدولية بالقاهرة    محافظ المنوفية الجديد يقدّم خالص الشكر للمحافظ السابق    تحصيل القمامة واكتمال منظومة ضبط التوكتوك.. أبرز ملفات محافظ الغربية الجديد    «المدينة التي لا تغادر القلب».. كلمات وداع مؤثرة لمحافظ الإسكندرية قبل رحيله    ذات يوم.. 16 فبراير 1955..الدكتور طه حسين يكشف للشاعر كامل الشناوى عن مشاعره أثناء طوافه حول الكعبة بمكة ووقوفه أمام قبر الرسول عليه السلام فى المدينة المنورة    طلب إحاطة بالنواب حول الكود الإعلامي للطفل وآليات تطبيقه في مواجهة الانتهاكات    عاجل- الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف بالمساجد خلال شهر رمضان 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فاروق جويدة يكتب: مشروع مصر النووي .. بين الأمن القومي ومصالح رجال الأعمال
نشر في الشروق الجديد يوم 24 - 01 - 2010

كلما تابعت فصول المعركة التي تجرى الآن بين أمريكا وأوروبا من جانب وإيران من جانب آخر حول مشروعها النووى دارت أمامى أحداث معارك مشابهة خاضتها مصر طوال الخمسينيات والستينيات من أجل مشروع نووى مشابهة وانتهت للأسف الشديد بنكسة 67.. وهذا يؤكد أن التاريخ يكرر نفسه وأن اختلفت الظروف والأشخاص والأوطان والأسباب.. إن إيران تخوض معركة ضارية تشبه إلى حد بعيد معركة عبدالناصر مع نهاية الخمسينيات حيث تم إنشاء مفاعل أنشاص النووى وكانت مصر هى الدولة الثانية فى أفريقيا التى تتجه إلى هذا الإنجاز العلمى الرهيب فى ذلك الوقت والذى تغيرت بسببه حسابات كثيرة فى كل دول العالم وأصبح مقياسا للتقدم ليس على مستوى القوى العسكرية النووية ولكن على مستوى استخدام العلم فى التقدم والإنجاز البشرى والحضارى.
لم يعد استخدام الطاقة النووية مقتصرا على المجالات العسكرية سواء كانت قنابل نووية أو أسلحة نووية صغيرة تحملها الصواريخ ولكن استخدام الطاقة النووية فى الطب والزراعة والصناعة وإنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر يعيد الآن ترتيب مكانة شعوب العالم، كل حسب قدراته وما وصل إليه.. لاشك أن السلاح النووى يضع حسابات أخرى لموازين القوى العسكرية الدولية والإقليمية بعيدا عن الأسلحة التقليدية خاصة فى تلك المناطق التى لا تخلو من صراعات وأزمات لا حلول لها كما حدث بين الهند وباكستان وبين أمريكا والغرب من جهة والاتحاد السوفييتى سابقا من جهة أخرى وبين العرب وإسرائيل وبين إيران والغرب كما يحدث الآن.
زيارة للمفاعل النووي الهندي
في منتصف السبعينيات كنت فى زيارة طويلة للهند بدعوة من الحكومة الهندية ولا أدرى لماذا وضع المسئولون فى برنامج الزيارة أن أزور المفاعل النووى الهندى فى مدينة مدراس. كانت الهند قد نجحت بالفعل فى تفجير أولى تجاربها النووية حين فجرت قنبلة ذرية قيل يومها إنها بنفس طاقة القنبلة التى دمرت هيروشيما فى نهاية الحرب العالمية الثانية. من هذا التاريخ دخلت الهند المعسكر النووى رغم الاعتراضات الدولية فى ذلك الوقت.
كان الرئيس نهرو قد بدأ مشروع الهند النووى فى نهاية الخمسينيات وفى نفس التوقيت الذى قرر فيه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر إنشاء المفاعل النووى المصرى فى انشاص وفى هذا التاريخ أيضا دخلت إسرائيل بمشروع نووى ضخم أصبح بعد ذلك من أهم وأخطر أسباب اختلال موازين القوة العسكرية فى الصراع العربى الإسرائيلى.
كانت مفاجأة غريبة بالنسبة لى أن تسمح لى السلطات الهندية فى ذلك الوقت وفى عهد السيدة انديرا غاندى أن أزور المفاعل النووى فى مدينة مدراس وأن أشاهد هذه البداية القوية التى دخلت بالهند إلى التكنولوجيا النووية فى مجالات كثيرة كان أخطرها وأهمها السلاح النووى.. فى مفاعل مدراس سمعت من الخبراء والعلماء يومها تفاصيل كثيرة لم أفهم منها شيئا حول تخصيب اليورانيوم واعتماد الهند على البلوتونيوم الذى يتحول إلى يورانيوم وكانت هذه التجربة التى شاهدتها من الجوانب التى جعلتنى أهتم بهذا الموضوع رغم أنها كان بعيدة جدا عن اهتماماتى ومازالت.
ولكننى أمام مفاعل مدينة مدراس تمنيت وأنا أطوف مع العلماء لو أننى رأيت ذلك فى مصر فى يوم من الأيام.
وفى الوقت الذى كانت مصر قد ودعت مشروعها النووى مع نكسة 67 كانت الهند قد حققت إنجازا كبيرا رغم أن البلدين بدآ المشروع فى توقيت واحد ويومها أعلن الزعيم نهرو أن الشىء الوحيد الذى يجعله يقبل أن يجوع الشعب الهندى هو المشروع النووى وقد كان.
فى هذا الوقت اندفعت باكستان فى مشروع نووي منافس وضعها بعد سنوات قليلة فى المعسكر النووى العالمى بعد إجراء أول تجربة نووية شهد عليها العالم كله.. وهنا أيضا أخذ الصراع الهندى الباكستانى صورة أخرى أمام توازن القوى وامتلاك الدولتين للسلاح النووى.
د.حسن عيسى أبوهلال
فى مشهد آخر من حكاية المشروع النووى المصرى كنت أتابع عالما مصريا شابا تفوق في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية وكان من أوائل الخريجين الذين درسوا الذرة.. فى أول دفعة من العلماء خرجت من الجامعات المصرية وهو د.حسن عيسى أبوهلال الذى أصبح بعد ذلك أستاذا فى معهد الأبحاث الذرية فى أنشاص وأكمل دراسة الدكتوراه فى كندا وعندما عاد إلى مصر كان المشروع النووي المصرى قد أغلق أبوابه ولم يجد هذا العالم والكثيرين غيره فرصة للعمل فى مصر وعاش فيها غريبا وكان يرسل أبحاثه العلمية لتنشر فى المجالات الدولية المتخصصة فى النشاط النووى. والغريب أن فى مصر الآن كتيبة من العلماء الذين حققوا سمعة دولية ومنذ سنوات بعيدة وهم لا يعملون.. ومازلت أذكر طموح حسن أبوهلال مع مشروع مصر النووى الذى لم يتحقق.
تأجل المشروع أربع مرات طوال 50 عامًا
كل هذه الأفكار والمشاعر دارت فى رأسى وأنا أتابع المعركة الدائرة الآن حول إنشاء المحطة النووية فى الضبعة كبداية جديدة لمشروع مصر النووى لإنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر بدأ المشروع فى عام 1980 فى هذا الموقع بطول 15 كيلومترا مربعا وعرض 3 كيلومترات وعلى مساحة تبلغ 50 مليون متر مربع.. وقد تم اختيار منطقة الضبعة من بين 11 موقعا فى أماكن مختلفة وفى عام 81 صدر قرار جمهورى بتخصيص هذه المساحة من الأراضى لإنشاء محطات نووية لتوليد الكهرباء.
فى هذا الوقت قامت واحدة من أكبر الشركات الفرنسية بدراسة المشروع وهى شركة «سوفراتوم» المتخصصة فى دراسة المواقع النووية فى فرنسا.. وعاد المشروع النووى المصرى يطل مرة أخرى بعد أن توقف أكثر من مرة فى عهد الرئيس عبدالناصر ثم توقف فى عهد الرئيس السادات ثم توقف للمرة الثالثة فى منطقة الضبعة فى عام 1986 بعد حادث تشير نوبل فى الاتحاد السوفييتى.
فى هذه الفترات المتعاقبة ضاعت على مصر أكثر من فرصة للبدء فى هذا المشروع الهام ولكن للأسف الشديد تعثرت الخطوات أكثر من مرة وكان من الواضح جدا أن هناك قوى لا تريد لمصر أن تلحق بهذا الإنجاز الحضارى والعلمى وفى مقدمة هذه القوى أمريكا وإسرائيل.
أمريكا وإسرائيل ترفضان تمامًا دخول مصر العصر النووي
لم تتحمس الإدارة الأمريكية فى أى عصر من العصور لدخول مصر عصر التكنولوجيا النووية.. بل إن أول عالمة مصرية فى مجال الذرة وهى سميرة موسى ماتت فى أمريكا فى حادث سيارة فى شهر أغسطس عام 52 وبعد قيام ثورة يوليو بشهر واحد.. وإذا كانت الإدارة الأمريكية لم تنجح فى إيقاف مشروع السد العالى إلا أنها نجحت فى تأجيل مشروع مصر النووى أكثر من مرة.. وفى هذا السياق توقف المشروع المصري بينما كان المشروع النووى الإسرائيلى يلقى دعما كبيرا من أمريكا وفرنسا حتى وصل إلى اخطر مراحله وهو امتلاك إسرائيل لأكثر من 200 رأس نووية كما تقول أحدث التقارير الدولية.
ولاشك أن توقف المشروع النووى المصرى فى عهد عبدالناصر كان يمثل خسارة كبيرة لمصر فى صراعها مع إسرائيل.. ولو أن مصر وصلت إلى امتلاك السلاح النووى فى ذلك الوقت كما نجحت إسرائيل لما حدثت نكسة 67 فقد كان من الصعب جدا أن تفكر إسرائيل فى العدوان على مصر ولديها سلاح نووى قادر على الردع حتى ول لم يتم استخدامه ان امتلاك السلاح النووى فى حد ذاته يمثل عاملا خطيرا فى توازن القوى وهو ما نراه الآن على الساحة الدولية.
إسرائيل واغتيال علماء الذرة المصريين
لم تكن سميرة موسى وحدها ضحية المشروع النووى المصرى فقد اغتالت إسرائيل عددا كبيرا من أشهر علماء الذرة المصريين. اغتالت أحمد الجمال فى انجلترا فى ظروف غامضة قبل أن يناقش رسالة الدكتوراه.. واغتالت سمير نجيب الذى مات أيضا فى حادث سيارة فى أغسطس 67 واغتالت نبيل القلينى الذى اختفى فى ظروف غامضة.. وفى عام 89 شهدت الاسكندرية مقتل سعيد سيد بدير عالم الذرة المصرى وفى فندق الميريديان بباريس قتل د. يحيى المشد عام 1980.. هذا المسلسل من عمليات القتل والاغتيال الذى اجتاح علماء الذرة المصريين كان يحمل أكثر من دلالة أهمها أن إسرائيل لا تريد لمصر أن تملك يوما سلاحا نوويا ويبدو أن الغرب كان يؤيد هذا الاتجاه من البداية خاصة فى تلك الفترة التى اشتعل فيها الصراع بين مصر والغرب بعد تأميم قناة السويس وحرب 56.
لابد أن نعترف أن توقف المشروع النووى المصرى أكثر من مرة كان على حساب توازن القوى العسكرية وقدرة مصر على اللحاق بعصر التكنولوجيا النووية المتقدمة.. وهنا دخل مشروع مصر النووى منطقة الذكريات منذ عام 1986 وبعد حادث تشرنوبل فى الوقت الذى كان السباق الدولى فى هذا المجال يتجاوز كل الحسابات فى اليابان الآن 53 مفاعلا نوويا.. وفى الهند 8 محطات نووية تعمل و14 محطة تحت الإنشاء وفى فرنسا 59 مفاعلا نوويا.. وفى أوكرانيا 15 مفاعلا وفى روسيا 31 مفاعلا وفى عام 2020 سوف تصل الصين إلى 115 محطة نووية ولديها الآن 19 محطة تعمل و14 محطة يجرى إنشاؤها.
هذا هو العالم وما يجرى فيه من سباق نحو التكنولوجيا النووية التى صارت محرمة على البعض بينما هى حق مشروع للبعض الآخر.
مبارك طالب بإحياء مشروع الضبعة ولم يحدث شيء حتى الآن
عاد المشروع النووى المصرى يطل مرة أخرى كحلم أمام المصريين عندما أعلن الرئيس حسنى مبارك فتح هذا الملف فى خطابه أمام الحزب الوطنى فى أكتوبر 2007.. يومها أكد الرئيس أننا لن نتراجع عن هذا الحلم أمام نقص الغاز وتراجع إنتاج البترول حيث لا أمل لنا إلا فى إنتاج الطاقة البديلة وفى مقدمتها المحطات النووية لإنتاج الكهرباء.
وللأسف الشديد مضى الآن أكثر من عامين والساحة تشهد صراعا داميا بين الدولة ورجال الأعمال حول مشروع الضبعة.
أن حسابات الأمن القومى وعوامل الأمان تقول إن موقع الضبعة هو الأفضل طبقا للدراسات التى قامت بها الشركة الفرنسية «سوفراتوم» من حيث العوامل الجيولوجية والزلزالية والأرصاد والمياة الجوفية والتيارات البحرية وعوامل المد والجزر وقد تم بناء على ذلك إنشاء البنية الأساسية للمحطة النووية الأولى تكلف ذلك 800 مليون جنيه ما بين الدراسات والمنشآت.
إن الدراسات أيضا أكدت أن انتقال المشروع إلى مكان آخر سوف يحتاج إلى خمس سنوات للدراسة وعشر سنوات أخرى للتنفيذ وهذا يعنى أن مصر ستدخل عصر التكنولوجيا النووية فى عام 2025 أى بعد خمسة عشر عاما.. هنا سوف ترتفع التكاليف بصورة رهيبة وسوف تحدث طفرات جديدة على المستوى العلمي وقبل هذا كله فإن تراجع إنتاج مصر من البترول والغاز يضع مستقبل الأجيال الجديدة فى ظروف صعبة أمام الزيادة السكانية وارتفاع معدلات الطاقة المطلوبة لتسيير الحياة لأكثر من 80 مليون مواطن.
رجال الأعمال
هناك فريق آخر من رجال الأعمال الذين أقاموا مشروعات سياحية قريبة من موقع الضبعة ويعتقد هؤلاء أن الاستثمار السياحى فى هذا الموقع سيكون أفضل كثيرا من إنشاء المحطة النووية.. يستند هؤلاء إلى أن هناك مواقع كثيرة تصلح لإنشاء المشروع النووى المصرى سواء كان ذلك حول بحيرة ناصر حيث المياه العذبة أو فى مناطق أخرى مثل العين السخنة والزعفرانة وجنوب سفاجا ورشيد وبلطيم وجمصة.
ويرى رجال الأعمال أيضا أن المحطة النووية فى الضبعة سوف تضر باستثمارات الساحل الشمالى فى كل شىء وهو يشهد الآن نشاطا سياحيا واستثماريا كبيرا والشىء الغريب أن الصراع لم يحسم بين رجال الأعمال ووزارة الكهرباء وهى التى تمتلك الأرض خاصة أن مشروع الضبعة يحتاج إلى توسعات جديدة صدر لها قرار جمهورى منذ عشر سنوات لتوفير مناطق أمان حول المحطة بمساحة 3.5 كيلومتر شمالا.. ومثلها جنوبا وهذا يتطلب نزع ملكية مساحات كبيرة من الأراضى التى حصل عليها رجال الأعمال فى هذه المنطقة لإنشاء مشروعات سياحية جديدة.
هناك رأى آخر يقول إن ثمن أرض الضبعة الآن يزيد على 50 مليار جنيه وأن هذا المبلغ يكفى لإنشاء أكثر من محطة نووية في أماكن أخرى..
بينما يتساءل البعض الآخر ايهما أهم المشروعات السياحية أم أمن مصر القومي وتأمين مستقبل الأجيال القادمة من خلال الدخول فى عصر نووى جديد.
من سيحسم الصراع
ورغم مرور أكثر من عامين على إعلان الرئيس مبارك العودة إلى مشروع الضبعة والبدء فيه إلا أن الجدل مازال قائما بين دعاة الاستثمار ودعاة الأمن بين من يرون أن ضمانات المستقبل فى الاستثمار السياحى ومن يؤكدون أن أمن مصر القومى ليس فى السياحة ولكن فى التقدم العلمى.
وما بين صراع الفيللات والشاليهات والشواطئ الفيروزية.. وتكنولوجيا المستقبل لا أحد يعرف من يحسم هذا الصراع.
هل تنتصر قوى رأس المال التى تحاول الآن وقف مشروع الضبعة أم تنتصر قوى الأمن القومى حرصا على المستقبل الذى يدخل بنا إلى عصر جديد؟.. فى كل يوم نشهد فصلا جديدا من هذه المعركة ولاشك أنه بعيد عن الصراع الداخلى فى مصر حول هذه القضية فإن هناك فى الخارج قوى أخرى وربما تشارك من بعيد فى إشعال هذه المواجهة لتأجيل أو إلغاء المشروع النووى المصري.
إن إسرائيل لا تريد لمصر أن تدخل العصر النووى بأى صورة من الصور حتى ولو كان مقتصرا على إنتاج الكهرباء وتطوير أساليب الزراعة والصناعة وتحلية مياه البحر.. وأمريكا لن تتحمس لهذا المشروع ولهذا سوف يكون الصراع داميا وعنيفا بين رجال الأعمال والطبقة الجديدة وبين مصالح الوطن.. وهذا يتطلب قرارا حكيما من القيادة السياسية لحسم هذه القضية حتى لا تضيع هذه الفرصة على مصر للمرة الرابعة طوال خمسين عاما.
إن رجال الأعمال يبحثون عن استثمارات سياحية سريعة تحقق أكبر عائد في زمن قصير بينما يقف المشروع النووى المصرى كأساس لبناء مستقبل آخر يحقق المزيد من الأمن والاستقرار والتنمية بكل مجالاتها على المدى البعيد.
إن الرئيس مبارك الذى أعاد مشروع مصر النووى إلى الوجود مرة أخرى منذ عامين يستطيع أن يحسم هذه القضية حتى لا نضيع الفرصة مرة أخرى خاصة أن الصراع بين قوى المال والأمن القومى يزداد اشتعالا بما يهدد بإلغاء المشروع تماما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.