كلما ازداد سعى أوروبا إلى تحقيق أهداف التكامل الداخلى الأوثق كان التأثير الخارجى أكبر، وبدت الغايات أقل وضوحا. انتهى العقد، الذى بدأ بالخطط المتفائلة الخاصة بكتابة دستور للاتحاد الأوروبى وتحوله إلى أكبر اقتصاد تنافسى فى العالم، فى حين أن القارة تكافح من داخلها لتحاشى الانهيار السياسى والاقتصادى النسبى. ليست لدى واضعى السياسات الأوروبيين أية تصورات واهمة بشأن مدى جدية المصاعب التى يواجهونها. فبعد ثلاثة أسابيع من تعيينه كأول رئيس متفرغ للاتحاد الأوروبى فى شهر نوفمبر الماضى، أعلن هيرمان فان رومبوى أن معدلات نمو أوروبا الاقتصادى شديدة التواضع إلى حد يجعل بقاء ما وصف ب«أسلوب الحياة الأوروبى» فى خطر. وفى شهر سبتمبر، تحدث خوسيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية بلغة تنذر بالسوء عند عرضه القواعد السياسية الإرشادية للمفوضية المقبلة. «هذه لحظة صدق بالنسبة لأوروبا.. ولابد لأوروبا أن تجيب عن سؤال حاسم. هل نرغب حقا فى قيادة العولمة وتشكيلها على أساس يتسق مع قيمنا ومصالحنا، أم أننا سنترك المبادرة للآخرين ونقبل النتيجة التى يشكلونها؟.. البدائل واضحة... ولابد من القيام باختيار واضح. فإما أن يقبل الأوروبيون مواجهة هذا التحدى معا، وإلا فسننزلق نحو ما لا نرغب فيه». وما زالت أوروبا تتباهى ببعض أعلى مستويات المعيشة فى العالم وبأسلوب حياة يجتذب الملايين. إذ إن ما يقرب من 20 مليون مواطن من بلدان خارج الاتحاد الأوروبى يعيشون داخل أراضى الاتحاد. ولسبب وجيه يعتبر الاتحاد الأوروبى قوة جبارة فى التجارة العالمية وتنظيم التجارة، وهذان مجالان تتحدث فيها الكتلة بصوت واحد، مما يجعل وزنها الجماعى مؤثرا. وليس هناك بلد أو قطاع أعمال أو اقتصاد أكبر من أن يتجاهل سياسات الاتحاد الأوروبى التجارية وقواعده التنافسية. ولكن حتى فى هذه الناحية فلنفوذ دوله مجتمعة حدوده. فقد زاد العجز التجارى مع الصين بشكل كبير ليصل إلى نحو 245 مليار دولار فى عام 2008، ولا يمكن لواضعى سياسات الاتحاد الأوروبى المحبطين إقناع بكين بتعديل سياسات سعر الصرف الخاصة بها أو اتباع معايير الاتحاد بشأن حقوق الملكية الفكرية. الحقيقة التى يغفلها الكثيرون، أن الاقتصاد الأوروبى كان فى ورطة حتى قبل وقوع العالم فى الأزمة الاقتصادية عام 2007. إذ كانت القدرة الإنتاجية وإسهام سوق العمل على قدر كبير من الانخفاض، وكانت معدلات بطالة الشباب مرتفعة جدّا، وكانت أنظمة التعليم غير مناسبة، وتهدد شيخوخة السكان بزيادة العبء على دولة رفاه أوروبا السخية. فى عام 2000 تبنى الاتحاد الأوروبى خطة سُميت استراتيجية لشبونة كان الغرض منها تحويل الكتلة إلى «الاقتصاد الأكثر تنافسا والاقتصاد الديناميكى القائم على المعرفة فى العالم». ولكنها لم تفلح... وفى عام 2004 أُسنِدت لفيم كوك رئيس وزراء هولندا السابق مهمة قياس تقدم الاتحاد الأوروبى. وقد وصف صراحة استراتيجية لشبونة بأنها «مرادف للأهداف غير الواقعية والوعود الفاشلة». ولكن الاتحاد الأوروبى لا يكون شيئا إن لم يتسم قادته بالإصرار... فمن المتوقع أن يستعيض قادة الاتحاد الأوروبى فى شهر مارس المقبل عن لشبونة بما يسمى «استراتيجية 2020». وهذه المرة الرؤية الأوروبية خاصة ب«اقتصاد سوق اجتماعية مستدامة، واقتصاد أكثر ذكاء ومراعاة للبيئة حيث سيكون رخاؤنا نتيجة للتجديد والاستفادة من الموارد بشكل أفضل، وحيث ستكون المعرفة المُدْخَل الأساسى». يُقال إن إنجازَى الاتحاد الأوروبى الأكثر إثارة للإعجاب فى العقد الماضى هما بدء الوحدة النقدية وتوسع الكتلة فى اتجاه وسط أوروبا وشرقها. ومع انضمام 10 بلدان شيوعية سابقة لعضويتها ومن الأرجح أن ينضم المزيد فى العقد المقبل يكون انقسام أوروبا المؤلم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فى عام 1945 قد التأم إلى حد كبير. ومع ذلك فليس كل شىء بالأمر اليسير... فالتوترات القومية مستمرة فى البوسنة والهرسك وهى تذكرنا بفشل سياسة الاتحاد الأوروبى الخارجية والعسكرية أثناء حروب 1991 1995 فى أعقاب تفكك يوغوسلافيا. والأمر المزعج كذلك هو موقف الاتحاد الأوروبى الفصامى تجاه تركيا التى هى مرشح رسمى للعضوية، التى يلقى انضمامها للاتحاد معارضة الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. ويأمل القادة الأوروبيون أن تقوى معاهدة لشبونة التى تم التصديق عليها مؤخرا الاتحاد الأوروبى. ولكن الحديث عن الوحدة السياسية يقل الآن عما كان عليه الحال فى بداية العقد. فعندما تولى الرئيس الفرنسى السابق فاليرى جيسكار ديستان رئاسة مؤتمر مستقبل أوروبا فى 2002 2003 شبه جهده بجهد الآباء المؤسسين الذين كتبوا دستور الولاياتالمتحدة فى عام 1787. وبعد عقد تقريبا، ها هو يعترف بأسى أنه مازال على أوروبا العثور على جورج واشنطن الخاص بها. FINANCIAL TIMES