برنامج سياحي متكامل لأبطال العرض المسرحي «نور في عالم البحور» بالإسماعيلية    وزارة «الزراعة»: تحصين 1.7 مليون رأس ماشية ضد «الحمى القلاعية»    خسارة 6000 جنيه فى سعر الجنيه الذهب خلال 24 ساعة    جيش الاحتلال: قصفنا بنى تحتية تابعة لحزب الله بجنوب لبنان    حسن عصفور: المشروع التهويدي الإسرائيلي يجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية    إسرائيل تعيد فتح معبر رفح بشكل محدود.. الأحد    اتفاق شامل بين دمشق وقوات "قسد".. وواشنطن تعتبره "محطة تاريخية"    الدوري السعودي، تعادل سلبي بين النصر والخلود في الشوط الأول    زد يفوز على فاركو بهدفين في الدوري    إحباط تهريب 1500 سماعة أذن بحوزة راكب في مطار سفنكس (صور)    الأمن يكشف حقيقة خطف طفل بالشرقية بعد تداول مقطع فيديو للواقعة    إصابة 10 أشخاص في حادث إنقلاب سيارة ميكروباص بالطريق الدولي في البحيرة    ليلى علوي والعوضي وهند صبري، نجوم الفن يتألقون على ريد كاربت حفل مسلسلات رمضان 2026    حفل الشركة المتحدة.. يسرا تعيد الجاكيت الفرو لموضة 2026.. صور    الرئيس البرتغالي يمنح حاكم الشارقة أعلى وسام شرف ثقافي سيادي    حسن عصفور: الشاباك الإسرائيلى هو من تآمر لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلى سابقا إسحاق رابين    الليلة الكبيرة تعود في الجزويت.. أمسية فنية تحتفي بصلاح جاهين    الصحة: فحص 20.6 مليون مواطن بمبادرة الكشف المبكر عن أمراض الاعتلال الكلوي    كيف تٌشخص أعراض الأنيميا الحادة؟.. حسام موافي يوضح    برلماني: كلمة السيسي من الأكاديمية العسكرية ترسم خريطة مصر في مواجهة أزمات الإقليم    توصيات «نقل حوض النيل»: تأهيل مهني وتضامن عمالي عابر للحدود    جنوب إفريقيا تطالب الممثل الدبلوماسي الإسرائيلي بمغادرة البلاد خلال 72 ساعة    قلة النوم في شهر رمضان.. تأثير السهر على الجسد والتركيز    رئيس رابطة التعليم المفتوح: تعديل اللائحة التنفيذية لتنظيم الجامعات جاء مخيبا لآمال الطلاب    فرحة فى الأقصر بافتتاح مسجدين بالأقصر بعد تطويرهما    محافظ القاهرة يتابع إزالة كوبري السيدة عائشة ويكشف محور صلاح سالم البديل    من الموسيقى إلى الرواية.. الفن والمعرفة يفتح أسئلة جوهرية بمعرض الكتاب    وزير الثقافة الروماني: معرض القاهرة للكتاب يمثل مفاجأة ثقافية إيجابية    المطرية بعد تقسيم الإيجار القديم: المناطق المتميزة والمتوسطة والاقتصادية    أهم أخبار الكويت اليوم الجمعة 30 يناير 2026.. انطلاق أعمال المنتدى الإعلامي الإماراتي الكويتي بمتحف المستقبل في دبي    السيد البدوي يتوج برئاسة حزب الوفد بفارق ضئيل عن منافسه هاني سري الدين    السيسي يكشف الهدف من زيارة الأكاديمية العسكرية    وزير الصحة يتابع المرور الميداني على 29 مشروعا صحيا جاريا في 10 محافظات    الحكومة تكشف حقيقة ما تم تداوله بشأن استيراد مصر للتمور الإسرائيلية    منى عبد الكريم تعلن انتقال حمزة إلى برشلونة بعد توقيع العقد الثلاثى مع الأهلي    الداخلية المصرية والشرطة الإيطالية تنظم ورشة العمل الختامية لبروتوكول تدريب الكوادر الأفريقية    عالم بالأوقاف يكشف ل مدد سبب انتشار الزواج فى مصر على مذهب الإمام أبى حنيفة    ضبط 576 متهما بحيازة أسلحة نارية ومخدرات وتنفيذ 84 ألف حكم قضائي خلال 24 ساعة    رسالة سلام.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يطربون أهالي بورسعيد والسفن العابرة للقناة بمدح الرسول    الجيش الإسرائيلي يعلن موعد فتح معبر رفح جزئيا    رغم ضعف الراتب، الأفريقي التونسي يرفض التعاقد مع كهربا    الذهب في الإسلام... قيمة ربانية بين التشريع والاقتصاد..بقلم:د. هاني فايز حمد    استئناف منافسات البطولة العربية للشراع مصر 2026    حماة المال العام.. "الأمن الاقتصادي" يضبط 6 آلاف قضية متنوعة في 24 ساعة    انطلاق منافسات فردي الناشئات بكأس العالم لسيف المبارزة    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 30يناير 2026 فى محافظة المنيا    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ينظم عددًا من الفعاليات الفنية    حالة الطقس.. ارتفاع بحرارة الجو يصل 3 درجات وأجواء دافئة نهارا    وفاة شاب إثر تصادم موتوسيكل مع مقطورة قصب بقنا    بعد تطهيرها، تحرير محضر ضد سيدة ألقت فراخ نافقة في ترعة بالدقهلية    الأوقاف توضح أفضل الأدعية والذكر المستجاب في ليلة النصف من شعبان    محافظ قنا: 18.5 مليون جنيه لتغطية ترعة الخطارة بنقادة بطول 900 متر    الليلة.. الأهلي يواجه سموحة في دوري سوبر السلة    تعليم مطروح: نتيجة الشهادة الإعدادية الثلاثاء المقبل    آدم وطني يوضح موقفه من أزمة إمام عاشور: لا علاقة لي بما حدث    انتهاء قوائم انتظار جراحات المياه البيضاء بمستشفى نجع حمادي العام    الهيئة العامة للكتاب تنفي شائعات غلق معرض القاهرة وتؤكد انتظام الزيارة والفعاليات اليوم    شاركت باعتقال مادورو.. مقاتلات أمريكية في طريقها للمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصندوق السيادى لمصر: أسئلة ملحة ومشروعة
نشر في الشروق الجديد يوم 22 - 07 - 2018

كما عودنا مجلس النواب فى مناسبات سابقة مثل الموافقة على أكثر من ثلاثمائة قانون صدرت خلال الفترة الانتقالية فى أيام قلائل أو مناقشة الاتفاق مع صندوق النقد الدولى فى ساعات، أقر قانونا بإنشاء صندوق سيادى لمصر فى ساعات معدودة، دون أن يتيح للرأى العام مناقشة واسعة لهذه الفكرة، ولا للإجابة عن أسئلة مشروعة كثيرة حولها، فما هى موارد هذا الصندوق؟ وكيف سيجرى التصرف فيها، وهل سيخضع هذا التصور لأولويات متفق عليها للتنمية؟، وخصوصا أن مفهوم الحكم للتنمية لا يجد قبولا من معظم الاقتصاديين، وكيف ستجرى مراقبة الإنفاق من موارد هذا الصندوق، علما بأن مجلس النواب لم يظهر حتى الآن همة كبيرة فى مراقبة الإنفاق العام، وأن جهاز الدولة المؤهل لأداء هذه المهمة لا يكاد يسمع له صوت فى عهده الجديد..
إنشاء الصندوق السيادى يثير الفضول
وبداية فإن إنشاء الحكومة المصرية لصندوق سيادى مملوك لها فى هذه الظروف التى تواجه فيها عجزا فى موازنتها العامة، ومديونية خارجية متصاعدة يقدر لها أن تتجاوز فى نهاية هذا العام تسعين مليار دولار يثير الفضول. فمن أين تأتى مصر بموارد لهذا الصندوق تستهدف الحكومة أن تصل إلى مائتى مليار جنيه، أو حوالى إحدى عشر مليار دولار بحساب سعر صرف الدولار فى الوقت الحالى، وخصوصا أن فكرة إقامة مثل هذه الصناديق جاءت أساسا من الدول التى تملك بعض مؤسساتها فائضا من الأموال يزيد عن حاجتها للاستثمار المحلى، ومن ثم تحاول أن تجد فرصا أوسع للحصول على عائد مجز من هذه الفوائض داخل حدودها أو خارجها، ولذلك توجد أمثلة لهذه الممارسات فى صناديق المعاشات الحكومية فى الولايات المتحدة واليابان وهولندا، أو فى الاقتصادات الصاعدة ومنها الصين وكوريا الجنوبية، أو فى كبرى الدول العربية المصدرة للنفط مثل المملكة العربية السعودية والكويت. وحتى نحسب حجم التحدى الذى تواجهه مصر فى هذا الصدد فإن التمويل الوحيد المؤكد للصندوق المصرى حتى الآن هو استعداد الحكومة لتقديم مليار جنيه من مائتى المليار جنيه المتوخاة تحصيلها له. فما هى الموارد الأخرى التى تحسب الحكومة المصرية أنها ستستخدمها فى تمويل هذا الصندوق؟ الخيرات المتوقعة من استغلال حقول النفط الطبيعى لدينا لم تظهر بشائرها بعد، ولا يتصور وزير البترول أن يمكن لمصر الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتى فى الغاز الطبيعى وربما البترول قبل نهاية العام القادم، والفجوة مازالت واسعة بين وارداتنا وصادراتنا السلعية، ولا ينبغى التخطيط لهذا الصندوق أملا فى أن نموله من حصيلة السياحة التى لا يصل إلى الحكومة منها إلا النذر اليسير.
وتكشف تصريحات المسئولين الحكوميين عن أن أحد أهم موارد الصندوق هو من تعظيم الاستفادة من أصول الدولة، ولكن مفهوم أصول الدولة هو مفهوم واسع، فكل ما ليس ملكية خاصة فى مصر هو من أصول الدولة، أصول الدولة تشمل الأراضى وشواطئ البحار، وقناة السويس، وآثار مصر، ومؤسسات القطاع العام ومبانى الوزارات. وقد دارت أفكار كثيرة حول كل هذه الأصول، فهناك حديث عن تصدير العقارات كمورد جديد لمالية مصر يمكن أن يتجاوز تحويلات العاملين بالخارج، وعن مشروع مشترك مع المملكة العربية السعودية لتهيئة مساحة من ساحل البحر الأحمر لتكون امتدادا لريفييرا جديدة هى واحدة من أحلام الأمير محمد بن سلمان لتحويل الاقتصاد السعودى بعيدا عن النفط، بل كانت هناك تقارير أن يعهد إلى شركة إماراتية بتوفير الخدمات السياحية فى هضبة الأهرام، وجاء فى التصريحات الحكومية كذلك أن أحد موارد الصندوق سوف تكون عائد بيع وحدات القطاع العام، ومجرد الحديث عن بيع القطاع العام أثار فى الماضى ويثير فى الوقت الحاضر كثيرا من الشجون. وأخيرا فقد صرح رئيس مجلس إدارة العاصمة الإدارية الجديدة أن أحد مصادر تمويل بناء الحى الحكومى فى تلك العاصمة سوف يكون بحصول شركة العاصمة على عائد بيع المبانى التى ستتخلى عنها الوزارات فى القاهرة العريقة بعد انتقال هذه الوزارات منها. لم يتخذ قرار بعد بالنسبة لاستغلال أى من هذه الأصول، ولكن مجرد تواتر الحديث عنها يفتح الباب أمام علامات استفهام كبرى حول واقعية هذه التصورات، وحول أساسها القانونى. فهل تكون الحكومة مطلقة اليد فى التصرف فيما يسمى بأصول الدولة دون أن تكون هناك حدود لما يجوز لها أن تفعل وما لا يجوز، ودون العودة الحقيقية للشعب مالك هذه الأصول، وأسئلة أخرى حول السند القانونى لتولى مؤسسة لا تخضع لأى رقابة التصرف فى مبانى الحكومة فى القاهرة ثمنا للمبانى الجديدة للوزارات، وهل كل مبانى هذه الوزارات التى هى ذاكرة تاريخ مصر قابلة للبيع أيا كان الثمن؟
معايير استخدام موارد الصندوق
والمجموعة الثانية من الأسئلة التى تثيرها فكرة إنشاء هذا الصندوق تدور حول معايير التصرف فى إيراداته. لن يكون فى الغالب التوسع فى القطاع العام واحدا من هذه المعايير، ليس فقط لأن أحد مصادر تمويله هى حصيلة بيع هذا القطاع سواء من خلال سوق الأوراق المالية فى البورصة أو من خلال البيع لمستثمر رئيسى، ولكن لأن الفلسفة السائدة فى دوائر الحكم قناعة منها أولا والتزاما منها ثانيا أمام المؤسسات المالية الدولية هى ألا تستخدم هذه الحصيلة فى إنشاء وحدات قطاع عام جديدة أو التوسع فى الوحدات القادمة، ولذلك فإن المؤسسات العامة الجديدة التى ظهرت فى مصر منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم هى وحدها المملوكة لوزارة الإنتاج الحربى، وليس أى وحدات إنتاجية مدنية. وقد جاء فى التصريحات الحكومية حول هذا الصندوق أنه سيستخدم فى تطوير البنية الأساسية، وبكل تأكيد لا غضاضة فى ذلك، رغم أن هناك بالتأكيد مصادر أخرى لتمويل البنية الأساسية. وإذا كان من الصحيح وفقا للتصريحات الحكومية وما ينسب إلى المؤسسات المالية الدولية أن الإصلاح الاقتصادى فى مصر فى طريقه إلى النجاح، فالمفروض أن يترجم هذا النجاح فى زيادة موارد الدولة من مصادرها العادية مثل الضرائب فضلا عن دخلها من قناة السويس وصادرات الغاز الطبيعى وتدفق السياحة، وبذلك يمكنها تمويل تحسين الخدمة الأساسية من هذه الموارد. ومع ذلك لا بأس أن يمول الصندوق السيادى تطوير البنية الأساسية من شبكات الكهرباء والطرق فى الأقاليم وخصوصا فى الريف وتوفير المياه للشرب والرى، وكذلك رفع مستوى التعليم والرعاية الصحية، رغم أن هذه كلها هى أوجه إنفاق عادية للخزانة العامة. ولكن الذى يدعو للقلق هو أن مفهوم البنية الأساسية ينصرف أيضا إلى مشروعات المدن الجديدة التى توليها الحكومة على أعلى مستوياتها كل الاهتمام، خصوصا العاصمة الإدارية ومدينة العلمين الجديدة، وهى مشروعات لا يتوافر لها تمويل خارجى، ولا تتفق مع أولويات التنمية الصحيحة فى مصر، علما بأن النية الأولية فى بناء العاصمة الجديدة مثلا كانت هى أن تشترك فى تمويلها شركة إماراتية انسحبت بعد الإعلان عن ذلك المشروع بشهور، كما جرى التواصل بعدها مع شركة صينية انسحبت بدورها لخلاف حول بنود العقد المقترح معها. وذكرت نفس المصادر الحكومية أن الصندوق يمكن أن يدخل بفعالية فى الأسواق الدولية، ربما بشراء أسهم فى شركات أجنبية أو بالمشاركة معها، وهو أمر ليس واضحا، ولكنه على أى الأحوال طموح مشروع، ومع ذلك يقولون أن ما يحتاجه البيت هو أولى مما يحتاجه الجامع، ولذلك فالدولة التى تواجه فجوة هائلة فى تمويل تنميتها مثل مصر وتجاهد لاجتذاب رءوس أموال أجنبية، وتسعى فى الوقت الحاضر لدعوة البنك الدولى لتمويل مشروعات التنمية فى سيناء وبرنامج التأمين الصحى هى أشد ما تحتاج لتعبئة كل ما تمتلك من موارد لخدمة تنميتها هى قبل أن تفكر فى الانطلاق إلى الأسواق الدولية، وأن تحسب جيدا حساب التقلبات فى هذه الأسواق، وهو ما اكتوت بنيرانه بالفعل دول أسبق إلى التنمية وأكثر نجاحا فيها مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا وتايلاند إبان الأزمة المالية الآسيوية فى 1997.
من يراقب الصندوق؟
وأخيرا فالسؤال الأهم هو كيفية ضمان قواعد الحكم الرشيد فى الصندوق، وفى مقدمتها قواعد الشفافية والمساءلة؟ ليس الأمر واضحا بالنسبة للشفافية، ومعظم القرارات الهامة التى اتخذت فى مصر فى السنوات الأخيرة تفتقد الشفافية. لم تكن هناك شفافية لا فى مسألة جزيرتى تيران وصنافير، ولا فى نمو مديونية مصر الخارجية، ولا فى تفاصيل الاتفاق مع صندوق النقد الدولى ولا حتى فى بيان الحكومة الجديدة الذى يكتفى بالعموميات. التصريحات الحكومية أيضا والمتاحة على الشبكة العنكبوتية توحى بأنه سيعهد إلى لجان من الخبراء بإدارة الصندوق، أى إن السلطة التنفيذية هى التى ستراقب نفسها أو تترك لمن تعينهم أن يراقبوها. ويبدو مرة أخرى أن جهاز المحاسبة الاقتصادية الذى أنشأته الحكومة المصرية منذ أكثر من سبعين سنة هو مستبعد من القيام بهذه المهمة. ولكن لا دور للشعب من خلال مراكز فكر متخصصة وصحافة حرة ومؤسسات مجتمع مدنى وأحزاب تواصل عملها بدون قيود. باختصار ما خرج حتى الآن يوحى بأن المسألة من وجهة نظر المسئولين الحكوميين الذين أعدوا مشروع هذا الصندوق هو أنه «زيتنا فى دقيقنا».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.