ختام أنشطة البرنامج التدريبى للطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد مطعم المدن الجامعية للاطمئنان على جودة التغذية| صور    مدير التربية والتعليم يتفقد ورش تدريب المعلمين الجدد بالإسكندرية | صور    محافظ بني سويف يطمئن على الاستعداد لاحتفالات العام الميلادي الجديد    الفلاح المصرى.. عصب التنمية.. من عرق الأرض إلى بناء الجمهورية الجديدة    حياة كريمة «الدير»إعادة إعمار شاملة    الاعتدال كلمة السر ضد من يتطاول على مصر    خالد عكاشة: مصر أنجزت السلام بجهد وطني وتُدير أزمات الإقليم بصلابة    مالي وبوركينا فاسو تفرضان قيودًا على دخول الأمريكيين ردًا على حظر واشنطن    الرئيس الإيراني يدعو إلى التضامن بدلا من الاحتجاجات    عمر جابر: التاريخ كتبه الزمالك ونحن أبناؤه مهما حدث    محافظ سوهاج يشهد فعاليات المهرجان الرياضي لذوي الإعاقة "قادرون باختلاف"    ليفربول يتلقى ردا رسميا بشأن عودة كلوب    عبد المجيد عبد الله: حادثة مصحة المريوطية «جرس إنذار».. وليست واقعة معزولة    بالأسماء.. إصابة 3 سيدات بينهن طفلة في حادث انقلاب سيارة ملاكي بترعة بالمنصورة    أم الدنيا    حفلات رأس السنة 2026 تشعل مصر والعالم العربي    الإفتاء: الدعاءُ في آخر العام بالمغفرة وفي أولِه بالإعانة من جملة الدعاء المشروع    الاجتماع الشهري لفرق مكافحة العدوى بالإدارات الصحية ومستشفيات صحة قنا    العملة الإيرانية تهوي إلى أدنى مستوى تاريخي وتفاقم الضغوط على الأسواق    حجز محاكمة 3 متهمات بالاعتداء على الطالبة كارما داخل مدرسة بالتجمع لجلسة 28 يناير    العثور على جثة شخص أمام مسجد عبد الرحيم القنائي بقنا    محافظ الغربية: طريق مصرف الزهار هدية طال انتظارها لأهالي مركز قطور    أسواق اليوم الواحد حققت نجاحًا كبيرًا.. وافتتاح سوق جديد بإمبابة الأسبوع المقبل    كنوز| مصطفى أمين الشاهد الأمين على كرم «صاحبة العصمة»    «بحاول أرمم حاجات اتكسرت»| أحمد السقا يحسم جدل عودته ل مها الصغير    معتز التوني: أذهب للجيم للكلام فقط.. ومهنة المذيع أصعب من الإخراج    كنوز| «الضاحك الباكي» يغرد في حفل تكريم كوكب الشرق    حصاد 2025.. عام استثنائي من العمل والنجاحات بمديرية الشباب والرياضة بالجيزة    الضفة.. جيش الاحتلال الإسرائيلي يقتحم مسجدا ويلحق به أضرارا جسيمة    وزير العمل يعلن صرف 299.2 مليون جنيه منحة عيد الميلاد للعمالة غير المنتظمة    إكسترا نيوز: التصويت بانتخابات النواب يسير بسلاسة ويسر    ظهور مميز ل رامز جلال من داخل الحرم المكي    هل يجوز الحرمان من الميراث بسبب الجحود أو شهادة الزور؟.. أمين الفتوى يجيب    مدافع جنوب إفريقيا: علينا تصحيح بعض الأمور حتى نواصل المشوار إلى أبعد حد ممكن    وزير «الصحة» يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لإحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد    خالد الجندي: الله يُكلم كل عبد بلغته يوم القيامة.. فيديو    "التعليم الفلسطينية": 7486 طالبًا استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية 2025    وزير الصحة يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لاحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط تشكيلًا عصابيًا للنصب بانتحال صفة موظفي بنوك    بشرى سارة لأهالي أبو المطامير: بدء تنفيذ مستشفي مركزي على مساحة 5 أفدنة    حصاد 2025.. جامعة العاصمة ترسخ الوعي الوطني من خلال حصادًا نوعيًا للأنشطة العسكرية والتثقيفية    ذات يوم 31 ديسمبر 1915.. السلطان حسين كامل يستقبل الطالب طه حسين.. اتهامات لخطيب الجمعة بالكفر لإساءة استخدامه سورة "عبس وتولى" نفاقا للسلطان الذى قابل "الأعمى"    دون أي مجاملات.. السيسي: انتقاء أفضل العناصر للالتحاق بدورات الأكاديمية العسكرية المصرية    حصاد 2025| منتخب مصر يتأهل للمونديال ويتألق في أمم أفريقيا.. ووداع كأس العرب النقطة السلبية    دينيس براون: الأوضاع الإنسانية الراهنة في السودان صادمة للغاية    إيمري يوضح سبب عدم مصافحته أرتيتا بعد رباعية أرسنال    إجازة السبت والأحد لطلاب مدارس جولة الإعادة في انتخابات النواب بأسوان    وزارة الصحة: صرف الألبان العلاجية للمصابين بأمراض التمثيل الغذائى بالمجان    رابط التقديم للطلاب في المدارس المصرية اليابانية للعام الدراسي 2026/2027.. يبدأ غدا    إصابة 8 عاملات في حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية بالبحيرة    "القومي للمسرح" يطلق مبادرة"2026.. عامًا للاحتفاء بالفنانين المعاصرين"    مواعيد مباريات الأربعاء 31 ديسمبر - الجزائر وكوت ديفوار والسودان في أمم إفريقيا.. وكأس عاصمة مصر    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تقديم أكثر من 14 مليون خدمة طبية للمواطنين بالمحافظة    «اتصال» وImpact Management توقعان مذكرة تفاهم لدعم التوسع الإقليمي لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية    مصرع طفل صدمه قطار أثناء عبوره مزلقان العامرية بالفيوم    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«وتحطمت الأسطورة عند الظهر».. أحمد بهاء الدين يفنِّد عناصر «الأسطورة الإسرائيلية»: العرب ساعدوا تل أبيب ب «الجهل» والهروب للغيبيات
نشر في الشروق الجديد يوم 06 - 10 - 2017

بعد تدمير الطيران و85% من سلاحنا.. انتظرت إسرائيل «الاستسلام المصرى».. وجلس موشى ديان فى انتظار أول مكالمة من العواصم العربية
قرر ما تبقى من القوات الجوية القيام بهجمات انتحارية على تجمعات العدو.. ليثبت طيارونا أنهم لن يتخلوا عن سيناء
الجنرال ماتيتياهو: من الوجهة العسكرية، فشلنا فى حرب الاستنزاف.. وللمرة الأولى يهزم الجيش الاسرائيلى فى الميدان
الاستنزاف.. هزيمة الهزيمة
ما إن وضعت حرب الخامس من يونيو أوزارها، وقبل أن تهدأ آلة الحرب، ويحصى الجيشان المتحاربان الغنائم والخسائر كل فى فريقه اندلعت حرب من نوع آخر.. حرب نفسية هذه المرة، كان الهدف من ورائها «تصوير كل جنرال إسرائيلى بوصفه أسطورة لم يسبق لها مثيل. وكل جندى إسرائيلى بطل. وكل مواطن إسرائيلى (جيمس بوند).. فالإسرائيلى هو (السوبرمان) والعربى هو الساذج المتخلف العاجز عن اللحاق بالعصر أو عن فهم تعقيداته».
وكان قد تم لإسرائيل تدمير القوات المسلحة المصرية فى سيناء على نحو لم يكن يخطر على بالها ولا يطوف بأحلام قادتها، «.. ولم تر إسرائيل فيما حدث شيئا غير طبيعى، بل إنها، سكرى بخمر الأسطورة التى سجلت أكبر منجزاتها، اتقدت أن مهمتها إزاء مصر قد انتهت».. حتى بدأت الرحلة الطويلة قبل العبور، والتى نالت أول ما نالت من «الأسطورة الكاذبة».
•عناصر الأسطورة
فى فصل يعد الأهم فى كتابه «وسقطت الأسطورة عند الظهر»، يتناول الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، تحليل «عناصر الأسطورة» التى سعت إسرائيل إلى تكريسها وترسيخها فى عقول وقلوب العرب، من خلال حرب نفسية متعددة الأسلحة، كان هدفها الأساسى نيل إعجاب العالم باعتبارها «الدولة المعجزة»، وفى الوقت ذاته «الدولة المخيفة» لأعدائها، وأن تتحول فى نظرهم إلى «الكيان الذى لا يغفو ولا يقهر ولا يمكن اللحاق به».
وساعد العرب أنفسهم فى تجسيد هذه الصورة الأسطورية «سواء بالاحتماء وراء الجهل بإسرائيل.. أو بالفرار إلى الغيبيات فى تفسير هزائمنا». دون اجتهاد فى «تحليل الأسطورة.. ليس من خلال اللحاق كل النقائص والعيوب بالخصم، ولكن باستخدام الفهم ليزول عنها السحر»؛ لأن «الإنسان دائما يخاف المجهول الذى لا تفسير له». ويضرب بهاء الدين مثالا حيا على ذلك: «إنها مثل ذلك الساتر الترابى الذى أقامته إسرائيل على حافة القناة.. وحاولت أن تقول إنه حاجز لا يمكن اختراقه، ولغز لا يمكن تفسيره.. ولكن الذى حدث أن العسكرية المصرية بأجهزتها الفنية والعلمية عكفت على التحليل والتجربة والتفكير، حتى وجدت الحل لاختراقه.. الحل الذى بدا لاسرائيل لغزا غريبا».
وللأسطورة التى تسعى إسرائيل دائما لإثباتها «ثلاثة أوجه»: السياسى والعسكرى والوجه التعميرى.
أولا الوجه السياسى: يعد وجه النجاح الاسرائيلى فى كون الحركة الصهيونية وجدت منذ البداية ان هناك عالما عربيا مختلفا فى اواخر الظلام العثمانى.. فليس فى الأمر إذن اسطورة ولكن فيه معنى المرحلة التاريخية التى كانت فيها الغلبة للدول الاستعمارية.
ثانيا الوجه الخاص بالتعمير: روجت إسرائيل أن شعبها «نوع آخر من البشر»، حولوا الأرض الخراب إلى مدن.. والمستنقعات إلى مزارع خضراء.
ولاشك أن اسرائيل حققت نتائج ضخمة فى مجالات التقدم كلها، ولكنها لم تبدأ من حيث بدأت الدول النامية، فقد استوردت شعبا بكامله من المناطق المتقدمة فى العالم، واغتصبت أغنى مناطق فلسطين الزراعية، وحصلت على مليارات الدولارات، سواء من التعويضات الالمانية أو المساعدات الأمريكية وغير الأمريكية.. ورغم ذلك، فمن يراجع ميزانيتها – خلال تلك الفترة وعجز ميزانها التجارى ونسبة ديونها، يكاد لا يجد لها مثيلا فى العالم.
ثالثا الأسطورة العسكرية: وجهت إسرائيل ضرباتها العسكرية للعرب فى ظروف غير طبيعية.. فالمجتمع الإسرائيلى «مجتمع حرب» بكل معانى الكلمة، وجه ضربة سبقها إعداد وإحكام وترتيب وتصميم، لمجتمع يعانى من مشاكل النمو ومخاض الخروج من التخلف والاستعمار.. كما تفاجئ النائم الذى يستيقظ وهو مازال بين اليقظة والمنام، فتنال منه ما لا يمكن أن تناله حين يستكمل يقظته.
«وهذا المجتمع، مجتمع الحرب المستمرة، هو الذى احرز انتصار 1967 فى مواجهة مجتمع ليس مجتمع حرب».. ولكن الدعاية الإسرائيلية التى تمثل سلاحا من أخطر أسلحتهم، حاولت أن تصور حجم هزيمة 1967 بأنها الحجم الحقيقى للمسافة بين الإسرائيليين والعرب (..) وقد ساهم على ذلك نوع من أدب النكسة الذى ظهر فى بلادنا».
•هزيمة الهزيمة
كان خط أمن إسرائيل الأول، أن ينمو شعور الهزيمة فى النفس العربية حتى يصبح حاجزا منيعا بينهم وبين محاولة خدش الأسطورة.. لم يخطر ببالهم أن هذه الأسطورة سوف تتحول بالنسبة لهم إلى خمر تسكرهم.. وأنهم حين يصدقونها هم أنفسهم سوف يصبحون يوما ما من ضحاياها.
كانت إسرائيل قد دمرت كل الطيران المصرى تقريبا، وأكثر من 85% من السلاح المصرى.. وتبعثرت القوات من الناحية البشرية تماما... وكان طبيعيا أن تتوقع إسرائيل الاستسلام حتى أن وزير دفاعها موشى ديان قال إنه: جالس بجوار تليفونه فى انتظار اول مكالمة من اول عاصمة عربية.
بعد أسبوعين من وقف إطلاق النار.. كانت إسرائيل أثناء اجتياحها لسيناء كلها، لم يتجهوا لسبب أو لآخر، شمالا لمدينة بور توفيق.. وكان طبيعيا أن يرسلوا طابورا مدرعا لأخذ الجزء المتبقى غرب القناة فى نزهة تستغرق ساعات.. وكان ذلك فى أول يوليو 1967، ولكنهم فوجئوا بقذائف المدفعية المصرية وقوة من الصاعقة سدت عليهم الطريق باسلحتها الخفيفة وبأجسادها... فأرسلت إسرائيل تعزيزات، ولكن الوقت مر، وتحولت الاشتباك إلى معركة، تكبدت خلالها قواتها خسائر فادحة «ثلاث دبابات بأطقمها، وست سيارات نصف جنزير، وعربات ذخيرة وقتلى وجرحى»، دون أن يعلموا أن من يواجههم «ثلاثون مقاتلا.. ومدفعية لم تكن لديها ذخيرة كثيرة» فانسحبت القوة الإسرائيلية.
«جرب الإسرائيليون تجربة أخرى أمام عدو يرونه طريحا على الأرض»، حاولوا إنزال قوارب آلية لمجرى القناة لينقلوا خط وقف إطلاق النار إلى منتصف القناة، فأرغمتهم المدفعية المصرية على التراجع، كرروا المحاولة بمعاونة المدفعية والطيران، فتمسكت المدفعية المصرية بموقفها وأغرقت ثلاثة لنشات، بل ونزلت قواتها إلى القناة وأسرت لنشين وأسرت اثنين من الجنود.
ويأتى يوم 14 يوليو (عيد القوات الجوية) ويقر ما تبقى من القوات الجوية القيام بهجمات انتحارية على مراكز تجمعات دبابات وعربات العدو وسياراته المصفحة بطائرات ميج 17.. ليثبت طيارونا «بالقليل الذى لديهم» أن مصر فى أشد حالات تجردها من السلاح لن تتخلى عن سيناء.
وفى مساء 21 أكتوبر.. وبينما إسرائيل «تحت الإحساس بعدم وجود السلاح المقابل»، كانت زوارق الطوربيد المصرية، اغرق المدمرة إيلات إحدى قطعتين يزهو بهما السلاح البحرى الإسرائيلى لتسمع البحرية المصرية صوتها للعالم، وتظل طائرات الهليوكوبتر الإسرائيلية تبحث طوال الليل ونهار اليوم التالى عن جثث العشرات من ضباطها وجنودها ممن كانوا على متن المدمرة.. ليصب الإسرائيليون جام غضبهم على المدنيين فى السويس بمدفعيتهم الثقيلة.
ولعل اسرائيل بعد شهور قليلة من هزيمتنا كانت تمر بأحرج أوقات حياتها، فقد بدأت تدرك لأول مرة جدية الشعار الذى طرح فى مصر تحت عنوان: مرحلة الصمود.
•الصمود والردع
كانت مرحلة الصمود غايتها كشف فترة من الهدوء على الجبهة، وكان هدوءا مطلوبا لثلاثة أسباب، أولها التقاط الانفاس والخروج نفسيا ومعنويا بالامة العربية كلها من ذهول الهزيمة، وثانيها بناء خط دفاع مصرى قوى، فتكون البداية أن تصل للعدو رسالة فحواها «لا خطوة للوراء»، وأخيرا كان الهدوء مطلوبا لإعادة بناء القوات المسلحة» بمفهوم جديد، بدءا من الروح المعنوية وانتهاء بالتدريب، وأن يتم ذلك بسرعة.
وسرعان ما تنتهى مرحلة الصمود فى أغسطس 1968، لتبدأ فى سبتمبر مرحلة الردع التى تميزت بمعارك المدافع الكبيرة، وبداية تجارب العبور على نطاق محدود.
ووفقا للمصادر الإسرائيلية، كانت البداية فى 27 أغسطس، حيث اعترف بيان جيش الدفاع بعبور جنود مصريين، ونصبهم كميان لدورية إسرائيلية، وقتل جنديين وأسر ثالث.
وفى 28 أكتوبر، تتناول الصحف العربية أنباء الهجوم الشامل للمدفعية المصرية على طول الجبهة، وبحسب البيان (رقم 4) الصادر عن القوات المسلحة، أسفر الهجوم عن «تدمير 19 دبابة، و14 عربة مدرعة، و10 مواقع صواريخ، و28 دشمة مدفع ماكينة، و16 نقطة ملاحظة ارضية، و3 مراكز قيادة، و6 مخازن وقود وذخيرة، و3 مدافع عيار 106 مليمترات».
ولم يتوقف الأمر عند حدود القصف وفقا لوكالة أنباء الاسوشيتدبرس حيث «دار قتال بين القوات المصرية والإسرائيلية داخل سيناء أثناء قصف المدفعية»، وكانت خسائر العدو من الأفراد فادحة، حيث استخدم عدد كبير من المروحيات فى إجلاء المصابين ونقل الموتى.
وكان لهذا التصعيد آثاره فى التهاب الشعور وإحياء الأمل فى الأراضى المحتلة، حيث اندلعت مظاهرات حاشدة تهتف باسم مصر، وأنزل رجال المقاومة خسائر كبيرة فى صفوف الإسرائيليين، كما نسفوا خطا للسكك الحديدية عند رفح.
وفى 31 أكتوبر قامت الطائرات الاسرائيلية بالتسلل للعمق المصرى فى محاولة لضرب قناطر نجع حمادى وجسر معبد دندرة ومحطة محولات كهربائية قرب المنطقة، ولكن انتهى أملهم فى أن تكون الحرب قد انتهت امام عنف الدرع المصرى فعمدوا إلى خطوتين:
الخطوة الأولى تحصين أنفسهم من قوة النيران المصرية على الضفة الغربية للقناة، فكانت فكرة خط بارليف
والخطوة الثانية – القيام بعمليات فى العمق المصرى.
•ذروة المواجهة
بدت حرب الاستنزاف فى مارس 1969 وانتهت بوقف اطلاق النار الذى كان جزءا من مشروع روجرز 1970، ورغم اتصالها بمرحلتى «الردع والصمود» فإنها كانت ذروة المواجهة بين الجانبين بين يونيو 1967 وأكتوبر 1973.
ويمكن القول إن الاهداف المصرية من وراء «المعارك»، تمثل فى استنزاف العدو ماديا وعسكريا ومعنويا، وعدم ترك الفرصة له لكى يثبت مواقعه ويعمق تحصيناته، وكذلك التدريب العملى للقوات المسلحة فى ساحة القتال الفعلية، وأخيرا إقناع العالم وإقناع العدو أن مصر لا تنوى تحت أى ظرف التخلى عن حقها فى استرداد سيناء وحق الامة العربية فى تحرير الاراضى المحتلة.
وكان اسلوب مصر فى الاستنزاف يعتمد على عنصرين، وهما: ضرب المدفعية لتدمير خط بارليف ومنعه من الاكتمال، وعمليات عبور لتدمير اسلحة وافراد العدو فى النقاط الحصينة التى لا تصل اليها المدفعية.
وفى المقابل، اختار العدو مقابلة الاستنزاف وفى مقابله اهدافنا، كان له اهداف والتى تمثلت فى: تدمير طاقتنا الدفاعية ومواقع استعدادنا غرب القناة، ومنع اقامة شبكة الصواريخ، وضرب العمق المصرى لاهداف سياسية ومعنوية، متوقعا كسر روحنا المعنوية.
وفى 8 مارس تبدأ قواتنا المسلحة أكبر عمليات القصف بالمدفعية على طول خط الجبهة، فى بداية مرحلة جديدة خطيرة، إذ ذهب الفريق عبدالمنعم رياض لاكثر المواقع تقدما ليرى بنفسه آثار العملية، ويصاب بقنبلة مباشرة ويقضى شهيدا. ولم تمض اسابيع حتى أخذ هذا الاستنزاف حجم الحرب الكاملة، لتحتل المعارك عناوين الصحف فى مصر والعالم.. فعلى سبيل المثال فى 4 أبريل، اعلنت «منظمة سيناء العربية» – التى كانت تنسب لها بعض العمليات داخل سيناء – مسئوليتها عن ثلاث عمليات (نسف محطة وقود عسكرية فى ابورديس نسف ثلاث عربات وقتل واصابة مستقليها قصف منطقة الشئون الادارية فى كرمة سلام).
وتنقل وكالة (رويترز) من تل أبيب عن المتحدث العسكرى الاسرائيلى: «نشوب قتال من اعنف ما رأته الجبهة منذ 5 يونيو1967»، وتقول (اليونايتيد بريس) أن الجانبين أطلقا 40 ألف قذيفة فى 4 أيام، ويعلن الجيش الإسرائيلى فى 11 أبريل عن عملية للكوماندوز المصرى فى بور توفيق»، دمر خلالها جزءا كبيرا من تحصينات العدو فى خط تكتيكه الأول».
وتأتى ذكرى الاربعين للشهيد عبدالمنعم رياض، فى 17 أبريل، وتندلع اشتباكات واسعة بالمدفعية والدبابات على طول خط المواجهة من السويس وحتى البحيرات المرة، «وتنتهى بتدمير معظم مواقع العدو الحصينة ومواقع صواريخه ومدفعيته، كما تم تدمير جميع العربات التى كانت تحاول الوصول لمواقع العدو».
وفى 20 أبريل، يبدأ القتال يتخذ بعدا جديدا، حيث بدأت عمليات عبور الكوماندوز لتؤدى مهام محددة، وبدأت باقتحام احد مواقع العدو الحصينة والسيطرة عليه بعد اشتباكات مع افراد من العدو، وبعد ان سيطرت عليه لمدة ساعتين، نسفته وقتلت وأصابت كل من كان فيه من الجنود والضباط.
وعلى مدار 15 شهرا تالية، تواصلت عمليات عبورنا بقوات كبيرة فى وضح النهار، وتدمير المزيد من خط بارليف، حتى اعلنت مصر أن أكثر من 60 % منه قد تم تدميره فعلا.. ووقعت معارك لسان بورتوفيق والجزيرة الخضراء وشدوان، وقامت الضفادع البشرية بعمليتها الجريئة فى ميناء إيلات، وهاجمت ودمرت قطعتين بحريتين اسرائيليتين ومنشآت كثيرة فى الميناء.
ويبقى الصراع الأخطر فى هذه المرحلة بين الجيشين حول شبكة الصواريخ المضادة للطائرات (سام 2)، ففى حين كانت مصر مصممة على إقامتها، كانت إسرائيل على منعها بأى ثمن، دافعا بطائراته ليل نهار لدك منصاتها، لتنتصر إرادة المصريين فى النهاية، وتنجح جهود «الجنود والضباط والمهندسون والقطاعات المدنية والعمال وأهالى القرى رجالا ونساء»، ويقيم المصريون شبكتهم الدفاعية، وتزرف القوات الإسرائيلية الدمع والدم معا.
يهل يوم 30 يونيو، مسجلا «يوما اسود» فى تاريخ الطيران الاسرائيلى؛ حيث تمكنت الدفعات الأرضية من اسقاط اربع طائرات (طائرتا فانتوم وطائرتا سكاى هوك)، ثم لم تلبث ان تصاعدت الخسائر إلى 11 طائرة فى اسبوع (من 1 إلى 7 يوليو)، لتعترف اسرائيل بأن ذلك «خلق موقفا جديدا تماما»، وعلى الرغم من تعهد امريكا بتعويض تل ابيب عن الطائرات المحطمة، فإن الوضع استمر على ما هو عليه، وظلت الطائرات الاسرائيلية تتحطم بفعل دفاعنا الجوى وطيارينا، حتى تم الاعلان عن مبادرة روجرز.
•مكاسب الاستنزاف
لم يكن مشروع روجرز الذى أوقف إطلاق النار ابتداء من 7 أغسطس 1970، سوى «محاولة امريكية لتدارك الموقف» لإنقاذ اسرائيل من «فشلها عسكريا خلال حرب الاستنزاف» على حد وصف الجنرال ماتيتياهو بيلد (الذى كان فى هيئة اركان الحرب الاسرائيلية فى حرب يونيو)، والذى نشر رأيه المحرر العسكرى لجريدة هاآرتس زيف شيف: «من الوجهة العسكرية، فشل الجيش الاسرائيلى فى حرب الاستنزاف، وبالتالى كانت اول مرة يهزم فيها الجيش الاسرائيلى فى الميدان منذ قيام دولة اسرائيل.. لدرجة اننا اسرعنا إلى التشبث بأول قشة ألقيت الينا، وهى وقف اطلاق النار».. ويعدد بيلد الاسباب التى تؤكد فشل اسرائيل: «لم ننجح فى اسقاط النظام المصرى بالضرب فى العمق، فقدنا السيطرة على الاجواء المصرية، فشلنا فى منع الروس من زيادة تسليحهم لمصر، وفشلنا فى التوصل لايقاف نار نهائى وحاسم».
اقرأ أيضًا:
«وتحطمت الأسطورة عند الظهر».. أحمد بهاء الدين يستجيب لرغبة محمد المعلم ويروى قصة 6 أكتوبر 1973 قبل أن تتوقف المعركة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.