بقلم أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان – مصر بوابة شموس نيوز – خاص جميل أن يكون الإنسان منتميًا؛ ولكن إلام ينتمي ؟ فالانتماء متعدد ودروبه متشعبة في مجالات الحياة كافة؛ فهو موزع بين الانتماء الوطني والديني والفكري؛ بل الأغرب أن هناك شريحة ممن ينتمون إلى "اللاانتماء" !؛ وهذه في رأيي تمثل خطرًا داهمًا على بنيان المجتمع ومؤسساته الرسمية والمدنية . إن فضيلة الانتماء تُعد من القيم النبيلة السامية التي يتمتع بها الإنسان بالفطرة منذ لحظة رؤيته لنور الحياة؛ فيبدأ الانتماء إلى الحضن الدافىء في صدر أمه وأبيه، إلى أفراد المجتمع من حوله، إلى عشق الوطن وأرضه التي سينمو فوقها وعلى ترابها، ويدفعه الحنين دائمًا إلى هذا الوطن مهما ابتعدت به المسافات، ويقول الشاعر عن الأم والأم هُنا هي المعادل الموضوعي للوطن : أحنّ إلى خبز أمي/و قهوة أمي/و لمسة أمي/و تكبر فيَّ الطفولة/يومًا على صدر يوم/و أعشق عمري لأني/إذا متّ،/ أخجل من دمع أمي ! فالفضيلة مزية أخلاقية رائعة، وهي كل ما يتسم بالخيروالحُب من صفات أو شيم الشخصية؛ وهذه الفضائل تقدر بأنها ما يسهم في تحسين معيشة الفرد والمجتمع ولهذا فهي خيرة وترتقي بسلوكيات الإنسان بين أبناء مجتمعه، وهي مجموعة من القيم السامية التي تعمل على تشكيل أساس عقائده وأفكاره والآراء التي يعتنقها بكل النزاهة؛ وتدفعه إلى اعتناق قيم : الحق والخير والجمال؛ فالمجتمعات تقوم على تلك القيم التي تسمو بالأمة ومواطنيها . ويجب أن يكون الانتماء الحقيقي للوطن هو "البوصلة" التي تحدد اتجاهاته؛ والمسئولة عن تشكيل رأيه وقناعاته في كل ما يخص المسائل الحياتية في مجتمعه؛ وعلى ضوئها يعرف الطريق الصحيح البنَّاء إلى الاتجاهات السياسية والعقائدية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ بما فيها ولا غرابة فنون الرسم والنحت والشعر والموسيقا والقصة والرواية والسينما والمسرح، فكل هذه الأدوات هي السبيل إلى تعميق وتأصيل الانتماء الإيجابي بداخل روحه تجاه الوطن . فالإنسان بفطرته وطبيعته متعدد الرغبات والميول؛ ويأنس إلى مافيه راحته النفسية والروحية والفكرية والعقائدية؛ والتي يجب ان تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمجتمعه بداية من العائلة ومحيط الأصدقاء؛ تتحول مع الزمن إلى سلوكيات ومنهج حياة في كل المعاملات السوية؛ ولا تظهر إلا في المواقف المحتدمة والأخطار التي تحيق بالوطن من أي دخلاء عليه؛ أوعلى من يريدون عرقلة مسيرته، وبخاصة من الجماعات المتطرفة التي تدعو إلى نبذ كلمة "وطن" بل وتزدريه ؛ لنهم يعدونه "حفنة من تراب" بدعوى شمولية العقيدة في أي مكان وزمان، وهُنا لابد من التصدي يكب الحزم والحسم لتك الدعاوى المثبطة للعزائم والهمم، وتفتح المجال لبروز التعصب الطائفي وتشرذم المجتمع . والآن .. ونحن نرصد ظاهرة ضعف الانتماء الوطني، لنا أن نبحث عن السُبل المثلى لأسباب هذا الضعف؛ وماهي المصادر المسببة لهذا التراخي في الدفاع عن الهوية الأصيلة داخل كل فرد ؟ إنه مما لاشك فيه أن تأتي في مقدمة هذه الأسباب هو نقص التوعية بهذا الانتماء للطفل منذ نعومة أظفاره، وهذا يقع على عاتق التنشئة في المنزل ومراحل التعليم الأولى بالمدرسة؛ من خلال الاهتمام بتدريس قواعد اللغة العربية وآدابها؛ فهي الرباط المقدس الذي يؤكد ويدعم وشائج التواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع، ولا تفسح المجال للهجمات الشرسة ومحاولة فرض "العولمة" التي تصهر الهويَّة المصرية والعربية؛ وتضعف من قوتها على المستوى الإقليمي والعالمي . ولابد من مواكبة هذه التوعية وتعضيد اللغة؛ بالبرامج التي يتم بثها من أجهزة الإعلام والثقافة بين الجماهير؛ وبما تقدمه من مواد لاتبعث الشعورعلى الإحساس بالمشكلات المجتمعية الضاغطة ؛ وبخاصة بين جموع الشباب الطموح إلى سرعة الخروج إلى الحياة العملية بأسرع وأسهل الطرق . وعلى ضوء هذه المعايير؛ يجب على المؤسسات السيادية ومنظمات المجتمع المدني وقصور الثقافة؛ ضرورة العمل على اشتراك المجموعات الشبيابية في تنظيم فعاليات وحدات الحكم المحلي في المدن والقرى والنجوع؛ وتدريبهم على نقل المعلومات الإيجابية للجماهير؛ والتعريف بالمشروعات التي تقوم بها الدولة من المصانع واستصلاح الأراضي، وهذا كفيل بتنمية الشعور بالفخر والاعتزاز بالوطن وقيادته؛ لتقوية وتعزيز قيمة الوحدة الوطنية في أبهى صورها ومعانيها . خلاصة القول في هذا الصدد؛ أن الانتماء الوطني يبدأ أولاً بانتماء الإنسان لذاته وقناعاته؛ والسعي لأن يكون الأفضل بتنمية مهاراته وقدراته الشخصية؛ ليكون بحق عنصرًا فاعلاً في إثبات هذا الانتماء؛ ونقل هذا الإحساس إلى أقرانه وزملاء العمل؛ لتحقيق النموذج الأمثل لما يجب أن يكون عليه المجتمع والوطن بأسره .