مر عام على الثورة كان من المفترض أن يكون مليئاً بالإنجازات التي تلبي و لو جزءاً بسيطاً من طموحات هذا الشعب الصابر ، انجازات تعطي له أملاً في تغيير نحو الأفضل ، لكن العام مر وسط أجواء مشحونة من جدل عقيم لا يغني و لا يسمن من جوع . ضاعت من أعمارنا 365 يوماً دون إنجاز يذكر سوى برامج التوك شو و منظريها و فلاسفتها و ملاك الحقيقة و أصحاب القول الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. ضاعت من أعمارنا شهور طوال هدّت أعصابنا خلالها مشاحنات و مصادمات و دماء أُريقت و صفوف مُزقت بين ليبرالي و علماني و يساري و إسلامي و أحداث قادت البلد نحو الهاوية و وضعتها على شفا جرف هار، و المحصلة ..صفر. قامت الثورة من أجل القضاء على الفساد و الحرية و العدالة الإجتماعية ، فهل حققت الثورة أهدافها ؟ عن نفسي أقول لا ، لأن أصحاب الصوت الأعلى الذين نصبوا أنفسهم قادة للثورة و منظرين لها و متحدثين باسم 85 مليون مواطن ضيعوها بترهاتهم و أولويات نصبوها و جعلوا الكل يلهث خلفها و في النهاية سيكتشف أنها سراب و أن ما ضاع من عمر مصر كان يمكن استثمارة في الأفضل لها و لشعبها. قامت هذه الثورة بسبب الفساد و من أجل القضاء عليه فانحرف بها المنظرون سعياً وراء شهوة الانتقام ، فبدل أن تكون الأولوية للقضاء على الفساد جعلوها لمحاكمات قتل الثوار و هي قضايا في يقيني ستنتهي إلى لا شئ لأنها قضية لا تستند إلى أدلة يقينية و بالتالي سيكون الحكم مخيباً لأمال من يعول عليها. مازلت أقول و أكرر أن الخطأ في ترتيب الأولويات هو ما قادنا إلى ما نحن عليه الآن ، فالفرصة كانت سانحة في الأيام الأولى للثورة حين فر الفاسدون كفئران مذعورة إلي جحورها ، فكان من الممكن أن تمتد الأيدي لإخراجها و محاكمتها على قضايا البيع و الخصخصة و تفكيك المصانع و تجريف الثروات ، كان يمكن محاكمتهم على الفساد في الأموال التي هُربت و الثروات التي نُهبت و الكفاءات التي جُرفت و الوظائف التي حُجزت للمحظوظين أبناء المحظوظين. كان من الممكن محاكمتهم على أكباد المصريين التي عطبت و كلاهم التي فشلت و مياة النيل التي تسممت . كان يمكن محاكمتهم على التعليم الذي انهار و البحث العلمي الذي تراجع. كان من الممكن محاكمتهم على شباب مصر الذي كرهها بسبب أفعالهم و دفعوه للفرار منها طلباً لموت دفع ثمنه عشرات الألوف من الجنيهات على مراكب الغرق السريع. كان من الممكن أن يحاكموا على أرض مصر التي قُسمت و وزعت على المحاسيب و أبنائهم . كان من الممكن محاكمتهم على آلاف القضايا المضمونة لنتخلص منهم و من أتباعهم و استئصال شأفتهم و ضمان مصر جديدة نسبة الفساد فيها قليلة و لحققنا خير ثأر للشهداء ، فأي ثأر للشهداء أفضل من تحقيق الشعار الذي رفعوه و ماتوا من أجله ؟؟ و أي هدية أزكى تُهدى لأرواحهم من مصر جديدة لا مكان تحت شمسها لفاسد ؟؟ لقد ضاع من عمرنا عام في مهاترات فارغة و اتهامات متبادلة و تشكيك و تخوين وتقسيم صف و تضييع الوقت في مناقشات تافهة على قضايا تافهة أتاحت للفئران أن تبقى في جحورها آمنة مطمئنة ثم تخرج مرة أخرى بعد أن استوحشت فصارت غيلاناً لتهدد المصريين في أمنهم و أمانهم ، في أموالهم و أعراضهم ، في أنفسهم و دمائهم كانت الأولوية لدعوات البناء أفضل مليون مرة من دعوات الإضراب و العصيان و المليونيات اليومية التي فقدت بريقها و صارت سلاحاً في أيدي أعداء الثورة ليشوهوا صورة ثوارها. كانت الأولوية لاستغلال طاقات الشباب المعطلة استغلالاً إيجابياً كان من الممكن أن يبني مصر مغايرة . كنت أتمنى دعوات لمليونيات من أجل نظافة مصر و تزيينها ، من أجل مساعدة ضعفائها و فقرائها و غلابتها ، من أجل حل أزماتها بالتكاتف و التعاون و الضرب على يد كل مستغل أو محتكر ، من أجل النهوض باقتصادها بسد كل خلل أو ثغرة يريد كل متربص بها أن يستغله لينفذ إليها ليدمرها أو حتى يركعها. أيها السادة يا من كنتم ضيوفنا رغماً عنا آن الآوان لتلتفتوا لبناء هذا البلد بعيداً عن عبثيتكم ، أو ارحمونا من طلتكم البهية ، فلقد صرتم بأفكاركم أدوات في أيد قادة الثورة المضادة إن كنتم لا تعلمون .