آلاف الأقباط يحتفلون ب«أحد السعف» في قنا.. فيديو    رئيس مجلس الشيوخ يهنئ الأقباط بمناسبة أحد الشعانين وقرب عيد القيامة المجيد    محافظ الشرقية: تسليم 1522 بطاقة خدمات متكاملة لذوي الإعاقة    وزير الاتصالات: تشريع جديد لتنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل قريبًا    قرار وزاري لتنظيم العمل عن بُعد في القطاع الخاص    تخطت مليار دولار، المركزي الأردني يطلق حزمة إجراءات احترازية لدعم الاقتصاد    التعليم: إدراج «الثقافة المالية» بالمناهج الدراسية خطوة هامة نحو إعداد جيل واعٍ    وزير شئون المجالس النيابية يحضر جلسة الشيوخ لمناقشة إصدار قانون حماية المنافسة    ميناء دمياط يستقبل ناقلة الغاز العملاقة ويواصل حركة نشطة للبضائع والحاويات    شعبة المعادن الثمينة: ارتفاع أسعار الذهب في مصر بنسبة 4.7% خلال أسبوع    الحرس الثوري الإيراني يعلن تدمير عدة «طائرات معادية» خلال مهمة أمريكية لإنقاذ طيار    طرد مشبوه يربك مطار بن جوريون.. إخلاء كامل وغموض يسيطر على المشهد    غارة وتحليق منخفض فوق بيروت.. إنذارات إسرائيلية تمهد لتصعيد جديد    الهلال الأحمر المصري يسير القافلة 170 إلى غزة ب 3290 طنًّا من المساعدات (صور)    وزير «الخارحية» يجري اتصالات مكثفة لبحث تصاعد التوترات الإقليمية وجهود خفض التصعيد    حماس تطالب بموقف صريح من الوسطاء والدول الضامنة تجاه الخروقات الإسرائيلية    دوري أبطال أوروبا، حكم إنجليزي لموقعة ريال مدريد وبايرن ميونخ    غرامة وإنذار.. تفاصيل أزمة شيكو بانزا في الزمالك    وزير الرياضة يهنئ «طلبة» بعد التتويج بفضية سلاح الشيش في بطولة العالم    تعرف على أرقام معتمد جمال ومدرب المصري قبل لقاء اليوم    حقيقة تقديم بن رمضان شكوى ضد ييس توروب في الأهلي    «الداخلية» تكشف حقيقة فيديو مشاجرة بالأسلحة النارية في القليوبية    ضبط 169 مخالفة تموينية في حملات مكثفة للرقابة على الأسواق والمحال بقنا    الحماية المدنية بالفيوم تنقذ شابا تعطل به المصعد في الطابق الخامس    إصابة شخصين فى انقلاب سيارة نصف نقل على طريق القاهرة الإسكندرية الزراعي بطوخ    الثقافة تكشف عن موعد الدورة الثالثة لمهرجان VS-FILM للأفلام القصيرة جدا    كابوتشي يفتتح ألبومه «تورته» بأغنية «تيجي تيجي» ويواصل اللعب على عنصر الغموض    خالد دياب: نجاح «أشغال شقة» ثمرة العمل الجماعي.. والنجوم هم كلمة السر    يوم اليتيم.. رسالة إنسانية تعزز التكافل وتبني مستقبلا عادلا.. حقوق الأطفال الأيتام وضرورة دمجهم في المجتمع    المتاحف تحتفي بالمناسبات الثقافية والوطنية بعرض مجموعة متميزة من مقتنياتها الأثرية خلال شهر إبريل    بالسعف والورود.. الآلاف من الأقباط يحتفلون ب«أحد الشعانين» في كنائس المنيا    التنمية المحلية والبيئة: حملات ميدانية لرفع المخلفات بعد رصد شكاوى المواطنين ب 6 محافظات    الهدوء يسود شوارع البحيرة مع بداية تطبيق نظام العمل عن بُعد    طقس الإسكندرية اليوم: تحسن نسبي وارتفاع في درجات الحرارة.. والعظمى 23    إحالة سائق للجنايات بتهمة الاعتداء على فتاة داخل سيارة بالجيزة    السيطرة على حريق نشب داخل محل تجاري بمنطقة الهرم    محافظة القاهرة تبدأ صيانة 25 محطة طاقة شمسية لتعزيز كفاءة الكهرباء    كيف شكل مجمع البحوث الإسلامية ملامح الوعي الديني والمجتمعي خلال الربع الأول من 2026؟    جدول مباريات اليوم الأحد.. مواجهات نارية في الدوري المصري والأوروبي والعربي    تقييم صلاح أمام مانشستر سيتي من الصحف الإنجليزية    وزير خارجية إيران: جميع دول المنطقة تتحمل مسؤولية دعم السلام والاستقرار    الصحة: تقديم 318 ألف خدمة علاجية بالقوافل الطبية خلال فبراير 2026    تفاصيل اجتماع مجلس إدارة مستشفيات جامعة القاهرة مارس 2026.. متابعة خطة تطوير قصر العيني بمدد زمنية محددة.. استمرار تقديم الخدمة الطبية خلال التطوير    300 ألف جنيه غرامة| عقوبة إنشاء حساب أو بريد إلكتروني مزور    اليوم..منتخب مصر للناشئين يختتم مشواره بمواجهة الجزائر    الصحة تشارك في مائدة مستديرة لتعزيز إتاحة وسائل تنظيم الأسرة بالقطاع الخاص    طريقة عمل البروست بخطوات احترافية زي الجاهزة وأوفر    نظر محاكمة 21 متهما بخلية اللجان النوعية بأكتوبر.. اليوم    خبير عسكري: استهداف مفاعل ديمونة السيناريو الأكثر دموية في حرب إيران    انطلاقة نارية ل«قلب شمس».. محمد سامي يجمع النجوم في دراما مشوقة وعودة خاصة لإلهام شاهين    وفاة الإعلامية «منى هلال» آخر زيجات محرم فؤاد    السيناريست أيمن سليم: مسلسل روج أسود دراما واقعية من تجارب وقصص أروقة محكمة الأسرة    تصرف غريب من كزبرة ومصطفى أبو سريع في عزاء والد حاتم صلاح    السر الكامن في الصالحين والأولياء وآل البيت    متحدث الصحة: قرار العمل عن بُعد لا ينطبق على الخدمات العلاجية    أذكار النوم.. "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"    نشأة التقويم الهجرى الإسلامى    دار الإفتاء: ترشيد استهلاك الكهرباء واجب وطني وديني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الوريث خمارويه الطولوني.. بين الترف والتلف..!!
نشر في شباب مصر يوم 31 - 05 - 2015


د . أحمد صبحي منصور
من الآثار السيئة للخليفة المتوكل العباسي
( 232 : 247 هجرية ) أنه استقدم الأتراك ليحلوا في الجيش العباسي محل العرب و الفرس ، وكانت النتيجة أن تحكم القواد الأتراك في الخلافة العباسية ، يقتلون خلفاءها ، وكان المتوكل أول ضحاياهم. لم يقتصر الأمر على ذلك بل استطاع قواد من الأتراك حكم بعض الولايات ، وكان منهم أحمد بن طولون ( 254 : 270 ) الذي قام بتكوين الدولة الطولونية في مصر
والشام ودخل فى حروب مع الخلافة العباسية ، ثم ورثه ابنه خمارويه الذي واصل الحرب ضد الدولة العباسية ، وانتهى الأمر بالصلح وتزوج الخليفة العباسي المعتضد قطر الندى ابنة خمارويه ، وكان زفافها أسطوريا ، ولا تزال ملامحه في الفلكلور الشعبي المصري الذي يتغنى بقطر الندى
ونتوقف مع أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون .. ونلخص حياته في كلمتي (الترف والتلف )
أولا :
1 حكم أبو الجيش خمارويه مصر والشام بعد أبيه أحمد بن طولون. وقد ولد خمارويه سنة 250 وعاش حياة مليئة بالترف والنعيم تتخللها بعض المعارك إلى أن مات قتيلا سنة 282، في ريعان شبابه ، بعد أن حكم اثنتي عشرة سنة بالتمام والكمال
2 حين تولى خمارويه بعد والده ابن طولون كانت لديه ثروة هائلة من الذهب والجواهر والفضة بالإضافة إلى أربعة وعشرين ألفا من المماليك وسبعة آلاف من الموالي الذين أعتقهم أبوه، هذا سوى آلاف الخيل ومئات المراكب الحربية مع جيش قوي تمكن به والده ابن طولون من بسط نفوذه ما بين ليبيا إلى الفرات .
3 وكان خمارويه مطالبا بالحفاظ على تلك الدولة التي ورثها عن أبيه ، ولم يكن الخليفة العباسي ليسمح له بذلك ، أي إن الملك الشاب خمارويه بن أحمد بن طولون ورث عن أبيه تركة هائلة ولكنها أيضا مثقلة بالمتاعب . وحاول بقدر الإمكان أن يجعل تلك التركة رائقة له ليتمتع بها خالصة من دون المتاعب ، وعندما نجح في مسعاه واشترى راحته بالمال والهدايا جاء أجله المحتوم من أعوان راحته ومتعته
ثانيا : ترف خمارويه
1 ورث خمارويه عن أبيه ثروة هائلة من عرق المصريين ، لم يتعب فى جمعها، فأتعب نفسه في تبديدها بسبب غرامه بالترف . حب خمارويه للترف أبرز ما يميز تاريخه وهو السبب في قتله مذبوحا على سريره الفاخر. ونعرض هنا أبرز مظاهر ترف خمارويه:
بستان خمارويه :
بدأ خمارويه حكمه بتوسيع قصر أبيه والزيادة فيه ، وحول الميدان الكبير المجاور للقصر إلى بستان رائع زرع فيه أنواع الرياحين والأزهار وأصناف الشجر ونقل إليه الأشجار النادرة من النخيل والورد والزعفران والشجر المطعم.
وتفنن في تزيين أشجار النخل فكساها نحاسا مذهبا جميل الصنعة وجعل بين النحاس وأجساد النخيل مواسير من الرصاص أجرى فيها الماء وأوصل تلك الأنابيب إلى البستان لتسقي أشجاره.
ثم أوكل للبستانية مهمة تشذيب الأشجار والريحان لتكون على شكل نقوش وكتابات ، وكان البستانية يتعهدونها بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة وتظل بنفس الشكل المنسق والعبارات المنقوشة، واستورد للبستان نباتات ملونة من فارس وجنوة (ايطاليا ) وكان عنده خبراء في تطعيم شجر المشمش باللوز وغير ذلك.
وبني في داخل البستان برجا من خشب منقوش وأضاف له أصناف الزينة وجعله مبلطا من الداخل ، وأدخل فيه جداول من الماء متصلة بالسواقي التي تروي البستان . وجعل هذا البرج مسكنا لأنواع مختلفة من طيور الزينة ، لكل نوع منها قواديس مزينة تنام فيها وتتكاثر ، وجعل لها عيدانا على جوانب البرج لتنتقل عليها وتصدح بأجمل الألحان ، وأطلق في داخل البستان أنواعا أخرى من الطيور العجيبة كالطواويس ودجاج الحبش وغيرها.
قصر خمارويه :
وأقام له قصرا كان من أعجب مباني الدنيا ، كان فيه ما سماه برواق الذهب ، حيطانه كلها مطلية بالذهب واللازورد في أحسن نقش وأظرف تفصيل وازدانت تلك الحيطان بصورة خشبية بارزة لصور محظياته من المغنيات في أحسن تصوير وجعل على رؤوسهن أكاليل الذهب الخالص والجواهر، وتلونت أجسامهن في الحيطان بثياب وأصباغ عجيبة جعلتهن كأن الحياة تطل منهن.
وفي وسط قصره أنشأ فسقية عبارة عن بركة واسعة مساحتها خمسون ذراعا في خمسين ذراعا وملأها بالزئبق وجعل أركان البركة سككا من الفضة الخالصة، وجعل فيها مقاطع من حرير فيها حلق من فضة، وجعل له فرشا محشوا بالهواء المضغوط منتفخا محكم الشد والقفل ، ويلقي ذلك الفرش المنتفخ على مقاطع الحرير ويشد بحلق الفضة ، فوق سكك الفضة التي تعلو سطح الزئبق الرجراج ، وهكذا جعل له سريرا يرتج بارتجاج الزئبق لينام عليه كأنه يسبح في الهواء. وفي الليالي المقمرة كان نور القمر ينعكس علي سطح البركة الزئبقي فكان يرى لها منظر عجيب أخاذ ، فكانت تلك البركة من أعظم ما عرف .
وبني في قصره قبة عجيبة سماها الدكة ، كان لها ستر يقي الحر والبرد، على حسب درجة رفع الستر أو إنزاله ، وفرش أرضها بالفرش الفاخرة ، ولكل فصل من فصول السنة فرش مختلف ، وكان يجلس في تلك القبة فيشرف على كل القصر وملحقاته من البستان والبركة والصحراء والجبل والنيل .
وبني في قصره بيتا للسباع قسمه إلى حجرات في كل حجرة أسد وأنثاه ، ولكل حجرة طاقة صغيرة يدخل منها الطعام ولها باب يفتح من أعلا، وفيها حوض من رخام بميزاب من نحاس يصب فيه الماء . وفي وسط الحجرات قاعة فسيحة مفروشة بالرمل فيها حوض رخامي كبير يصب فيه الماء من ميزاب نحاسي كبير . فإذا أراد سائس الحجرة تنظيفها رفع باب الحجرة من أعلى وصاح بالسبع فيخرج مع أنثاه إلى القاعة المذكورة ، ثم يفضل الباب ويدخل إلي الحجرة فينظفها ويبدل الرمل بغيره ويضع الطعام في المكان المعد له ويغسل الحوض ويملأه بالماء ثم يخرج ويعيد الأسد إلى مكانه. وبالتدريب أصبح الأسد يتعلم الدخول والخروج والأكل المنتظم ، وبعدها عرفت أنثاه الخروج في أوقات معينة تلعب وتتهارش إلى أن يحين موعد عودتها إلى حجرتها.
وكان من جملة تلك السباع أسد أزرق العينين سماه خمارويه زريق ، وقد استأنس خمارويه ذلك الأسد فأصبح مطلق السراح يسير في القصر لا يؤذي أحدا ويصاحب سيده في جولاته ، فإذا وضعت لخمارويه مائدته أقعد ذلك الأسد بين يديه فيرمي له بالدجاج واللحم فيأكل معه ، أما اللبؤة الخاصة بزريق فلم تأنف الاستئناس ، فلزمت حجرتها إلى حيث يعود لها زريق بالليل بعد أن ينتهي من مهمته في حراسة خمارويه.كان ذلك الأسد يحرس خمارويه في نومه يربض بين يديه في السرير ولا يغفل عن حمايته فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه طالما قبع زريق أمام سريره . وحين ذبحوا خمارويه في سريره ، كان ذلك في دمشق بعيدا عن مصر.. وعن زريق
قصر الحريم
وبني أيضا دارا ضخمة للحريم ، جعلها لإقامة حريم أبيه ونسائه وأولادهن الصغار ، وجعل لكل واحدة منهن جناحا خاصا بها ، وأجرى عليهن وظائف اللحم والطعام الفاخر ، وكان الفائض منهن ومن باقي بيوت القصر يبيعه الخدم والطباخون في سلة ، وكان يطلق على تلك السلة اسم " الزلة " وتضم " الزلة " بواقي الطعام من الطيور واللحوم والضأن وأنواع الحلوى والعصائر والخبز، وكان ثمن "الزلة" الكبيرة يبلغ درهمين ، وكان أهل مصر يتفكهون بشراء تلك " الزلات " ، وإذا طرق ضيف دار أحدهم ولم يكن مستعدا ذهب إلى أحد الخدم في دور الحريم فاشترى " زلة " فاكتفى بها هو وبيته وضيوفه .
اصطبلات خمارويه
واصطبلات خمارويه كانت أعجوبة .. جعل لكل صنف من الحيوانات اصطبلا منفردا . للبغال وأنواع الخيول ، وما كان منها للنقل وما كان منها للركوب، بالإضافة إلى اصطبلات الفهود والنمور والأفيال والزرافات والقرود، وأقام اصطبلات أخرى في القرى القريبة في الجيزة و أوسيم وصفط وطهرمس وناهيا وغيرها من القرى القريبة من العاصمة .. ولم تكن القاهرة قد أنشئت بعد ..
ومع كثرة ما أقامه لنفسه في قصره وفي مدينة القطائع من متنزهات وأعاجيب فإن خمارويه كان يخرج عن قصره ومدينته ليتنزه عند الأهرام وفي الصحراء ويقوم ومعه فصيلة من جيشه يصيد السباع بالإضافة إلى غرامه باستعراض جيشه في مواكب مزينة باهرة وحفلات سباق كانت أعيادا لكثرة ما كان يغلفها بالزينة والمباهج.
ثالثا: خمارويه المترف والحرب:
كان لقبه ( أبو الجيش ) أي حمل لقبا حربيا ، فهل كان مستحقا لهذا اللقب ؟
الواقع أنه كانت لتلك الحياة المترفة بصماتها على مجهود خمارويه الحربي وسياسته :-
1- فالدولة العباسية كانت تعمل على استرجاع ما أخذه منها والده أحمد بن طولون وكان على خمارويه أن يحافظ على دولة أبيه لذلك اضطر خمارويه – المترف – إلى دخول معارك كان أشهرها معركة الطواحين في فلسطين حيث كان يقود جيشا ضخما في صفر سنة 271 حارب به ابن الموفق العباسي ، وكان عدد جيش العباسيين أربعة آلاف فقط أما جيش خمارويه فقد بلغ سبعين ألفا ، وانهزم خمارويه وهرب بجيشه ، وترك أثقاله ونفائسه غنيمة باردة لابن الموفق ، وكاد أن يتم النصر لابن الموفق لولا أن كمينا لخمارويه يقوده سعد الأعسر استطاع هزيمة الموفق وطرده من معسكر خمارويه ، هذا بينما كان خمارويه قد واصل الهرب حتى وصل إلى الفسطاط ..!!
2- وواصل خمارويه حملاته الحربية في الشام ثم آثر السلامة والدعة ليتمتع بقصوره وحياته فطلب الصلح من الموفق العباسي وعمل على إرضائه بالأموال حتى اعترفت به الدولة العباسية واليا على مصر والشام ثلاثين عاما فانطلق خمارويه في حياة الترف ..
ومات الموفق والمعتمد العباسي وتولى المعتضد المعروف بقوة شكيمته فخشي خمارويه أن ينغص عليه حياته المترفة ، فأرسل إليه بالهدايا والأموال فجدد المعتضد لخمارويه عقده بالولاية ثلاثين عاما من الفرات إلى برقة في مقابل أن يؤدي مائتي ألف دينار عن كل عام مضى وثلاثمائة ألف عن كل عام سيأتي .
وأراد خمارويه أن يطمئن على مستقبله أكثر حتى يستريح بالا ويقبل على ملذاته بنفس لا تعرف الهموم فطلب أن يتزوج ابن المعتضد وولى عهده من ابنته قطر الندى ، ورفض المعتضد أن يتزوج ابنه المكتفي قطر الندي حتى لا يسيطر خمارويه وابنته على ولي عهده ومستقبل الخلافة العباسية ، وطلب أن يتزوج هو نفسه قطر الندى وجعل صداقها " مليون " درهم ، وأشار من طرف خفي لخمارويه أن يبالغ في تجهيزها لكي يستنزف موارد خمارويه المشهور بكرمه وإسرافه. وفعلا كان جهاز قطر الندى من نوادر التاريخ ، وأضيفت جواهره ونفائسه إلى خزانة الخلافة العباسية . ووصلت قطر الندى إلى الخليفة المعتضد في شهر محرم سنة 282. وطابت نفس خمارويه بتلك المصاهرة وأعلن لنفسه وهو في دمشق أنه آن له الأوان لكي يتفرغ للهو واللعب بدون حملات حربية .
ولكنه ما كان يستريح لهذا الوهم حتى قتله خدمه في نفس العام ، أي أنه أوتى من حيث أراد المتعة واللهو ،جاءه التلف من الترف ،وانقرضت بعده الدولة الطولونية سنة 292 . وسبحان من يرث الأرض ومن عليها ..
رابعا : الشذوذ الجنسي هو السبب فى مقتله :
كان خمارويه كثير اللواط بالخدم ، فدخل الحمام وأراد الفاحشة بشاب من الخدم فامتنع الخادم ، فأمر خمارويه بإدخال عمود حديد في دبر الخادم ، وظلوا يعذبونه به حتى مزقوا أحشاءه ومات أمام أعين رفاقه من الخدم. قصد خمارويه بذلك أن يجعله عبرة لهم حتى لا يعارضونه في إتيان الفاحشة بهم . ولكن صمم الخدم على قتل سيدهم خمارويه ، وأعوزتهم الفتوى التي تبرر لهم قتله ، فاستفتوا العلماء في
( حد اللوطي ) فقيل لهم ( القتل ) . لم يستطيعوا الاختلاء به في قصره بمصر حيث يحرسه الأسد زريق ، فصبروا إلى أن سافروا معه إلى دمشق ، فاختلوا به في قصره في دير مرّان خارج دمشق وذبحوه في شهر ذي الحجة عام 282 ، وكان في الثانية والثلاثين من عمره.
نهاية القتلة:
هرب الخدم ، فظفر بهم الأمير طغج بن جف فأمر بتشهيرهم وضرب أعناقهم .
يقول المسعودي عن نهايتهم : ( وأتى بهم على أميال فقتلوا وصلبوا ، ومنهم من رمى بالنشاب ، ومنهم من شرّح لحمه من أفخاذه وعجيزته وأكله السودان من مماليك أبى الجيش خمارويه )
ونهاية القتيل :
كان أبو بشر الدولابى قارئا للطولونيين في بيوتهم ومقابرهم ، وبحكم هذه الوظيفة حضر دفن خمارويه ، ويقول المسعودي عن دفن خمارويه نقلا عن ذلك الشيخ الدولابى : ( قدم أبو الجيش ليدلى في القبر ، ونحن نقرأ جماعة من القرّاء سبعة سورة الدخان ، فأحدر من السرير ، ودلى في القبر ، وانتهينا من السورة في هذا الوقت إلى قوله عزّ وجل : خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم . ذق إنك أنت العزيز الكريم ) قال : فخفضنا أصواتنا وأدغمنا حياء ممن حضر )...!!
وفى النهاية
1 الشريعة السنية تبيح للحاكم أن يستبد كيف شاء ، وأن يقترف الجرائم متى أراد، ولا يجرؤ أحد على انتقاده ، فما بالك بإقامة ( الحدود ) أو العقوبات السنية التي لا يمكن تطبيقها إلا على الضعفاء ؟؟!.
وبسبب تقديس الحاكم المستبد في الشريعة السنية واعتباره ( لا يسأل عما يفعل ) فقد تلون تطبيق الشريعة السنية بنزوات كل خليفة وحاكم مستبد ،أو على حد قول الفقهاء السنيين ( حاكم متغلب ) مثل آل طولون .
ولم يكن خمارويه وحده هو المصاب بالشذوذ الجنسي فقد سبقه في ذلك مشاهير الخلفاء العباسيين بدءا بالخليفة محمد الأمين ابن الخليفة هارون الرشيد ، ثم أصبح الشذوذ عادة لا تستوجب دهشة أو إنكارا ..وصار بعض الخلفاء يتغزل في عشاقه من المماليك الخدم .
ولكن خمارويه تميز ليس فقط بالشذوذ بل باغتصاب الرجال من الخدم ، أي إنه كان يزهد في النساء ، ولديه قطيع منهن ، وكان يزهد أيضا في الغلمان المخصصين للشذوذ .كان يهوى اغتصاب الرجال لمجرد أنهم خدم له .
ولم نجد أي انتقاد له من الفقهاء و القضاء ليس لمجرد أنهم انشغلوا عن ذلك بما هو أهم ، وهو الاختلاف حول حكم فقهي تافه من هنا أو هناك ، ولكن لأن الشريعة السنية تبيح لكل حاكم أن يفعل ما يشاء بالرعية من قتل ونهب واغتصاب ..
أما عن شريعة الترف لخمارويه فهي شيء عادى في ماضي وحاضر شعبنا المسكين فالفلاح المصري المسكين ظل ولا يزال يكدّ في إنتاج الخير للغير ، ويتم ترجمة عرقه إلى ذهب
وجواهر وتحف وأموال سائلة يكتنزها أو يبعثرها الحرامية الكبار، لا فارق في الإسراف بين خمارويه أو الخديوي إسماعيل ولا فارق في الاكتناز بين عمرو بن العاص وحسنى مبارك ..
2 مات خمارويه ، ولكن تجد ملامحه في التاريخ المعاصر لبعض الحكام العرب..
أنظر حولك فقط .. وتفكر..
تفكر في هذا الصنف المترف الذي يتحكم في الشعوب العربية والذي يمتلئ قصره بقطعان النساء من مختلف الأحجام والألوان ، ومع ذلك يلجأ بعضهم إلى اغتصاب خدمه ،أو أن يغتصبه خدمه ..هذه النوعية المريضة من البشر لا مكان لها سوى السجن والتشهير و الاحتقار لو كانت في بلد حر متحضر. ولكنهم في بلادنا يكونون حكاما أو ورثة للحكم.
والمصيبة الأعظم أنهم يجدون من يهتف لهم ويدعو لهم في المنابر والمساجد ..
آخر السطر
حاجة تقرف ..!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.