وزير الداخلية يهنئ الرئيس السيسى وكبار رجال الدولة بذكرى المولد النبوى الشريف    مؤتمر لدعم مرشحي القائمة الوطنية من أجل مصر بقرية حنيفة بالسويس    «مستقبل وطن»: «بيان ال8 ملايين جنيه» مُفبّرك.. ومرشح بني سويف أعلن الحقيقة    محافظ مطروح وممثل اليونيسيف يتفقدان مدرسة الشهيد الرويني    "التخطيط":التحسن بمؤشرات التنمية المستدامة تظهر جهود الدولة بما ينعكس إيجابيًا على الاستثمار    تحصيل 3 مليارات جنيه ضرائب ورسوما بجمارك بورسعيد في سبتمبر    وزير التنمية المحلية يؤكد ضخ 11.9 مليار جنيه استثمارات بسوهاج خلال 6 سنوات    القصير يبحث مع سفير بيلاروسيا التعاون الزراعي ونقل تكنولوجيا صناعة الجرارات    الرئيس السيسي يؤكد مساندة مصر لإرادة القيادة السياسية بالسودان في صياغة مستقبل بلادهم    قتلى وجرحى بهجوم استهدف قاعدة للشرطة في أفغانستان    عشرات المستوطنين يقتحمون "الأقصى" وينظمون جولات استفزازية في باحاته    رئيس الوزراء العراقي يوجه بفتح المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد    عاجل..مخطط تركي لإفشال الهدنة في كاراباخ    تاكد جاهزية عبدالله جمعة لمباراة الرجاء المغربي    حجز سائق توك توك تعدى بالضرب على زميله بسبب أولوية المرور بحلوان    إخلاء 80 تلميذا والسيطرة على حريق معهد صقر قريش الأزهرى دون إصابات.. صور    شرطة المرافق تواصل حملاتها لرفع الإشغالات بالجيزة    أجهزة الأمن تحبط ترويج 41 كيلو مخدرات وتضبط 191 قطعة سلاح    بالصور.. الأهالي يضبطون شابا حاول اغتصاب طفلة بالخانكة    الجمعة.. الأب الروحي وجيمس بوند وشبح الأوبرا في معهد الموسيقى العربية    ريهام عبد الغفور تقضى آخر أيام الصيفية فى شرم الشيخ    وزير البترول: تدشين بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج قبل نهاية العام    استعدادات الحكومة للانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة    الهناجر يستضيف عرض توم وجيري ضمن مواسم المسرح الجامعي    الإمارات تسجل 1390 حالة جديدة و1708 حالات شفاء    فرج عامر يثمن المبادرة المصرية لإعادة تشغيل المصانع السودانية    الداخلية تشن حملات أمنية في 24 ساعة: منها ضبط 5 آلاف قضية سرقة كهرباء    "الثلاثاء 12" وراء غياب نيللي كريم عن مهرجان الجونة السينمائي    فيديو.. التضامن توضح دورها لمساعدة الحالات الانسانية من كبار السن    تشكيل بايرن ميونخ المتوقع أمام لوكوموتيف موسكو    لمتابعة انتظام الدراسة.. رئيس جامعة سوهاج يواصل جولاته التفقدية    الري: لا نعارض التنمية في إثيوبيا شريطة عدم التأثير السلبي على مياه دولتي المصب "فيديو"    "أرقامه تتحقق في ألعاب الكومبيوتر".. هندرسون يشيد بمئوية صلاح    برئاسة رئيس المجلس.. انطلاق الاجتماع الثاني للجنة إعداد لائحة الشيوخ    كيف أقضي الصلاة الفائتة منذ سنين ؟ .. أمين الفتوى يرد    ل اليوم الرابع| التحالف العربي يدمر طائرة مفخخة أطلقها الحوثيون باتجاه السعودية    ضبط المتورطين في الاعتداء على مواطن وذبح «شاه» بجواره    مكتبة الإسكندرية تعلن فتح باب التقدم لجائزة عبد الرحمن الأبنودي لشعر العامية    بالفيديو والانفوجراف.. رئيس جامعة القاهرة يكشف تفاصيل مستشفي الطواريء والاستقبال الجديد بالقصر العيني وموعد افتتاحها    مفتي الجمهورية: عبروا عن غضبكم لمقام النبي بإيصال أخلاقه وتعاليمه السمحة    معلومات الوزراء يحصل على شهادة التميز من المنظمة الأوروبية لإدارة الجودة EFQM    مواعيد مباريات الثلاثاء 27 أكتوبر.. مارسيليا ضد سيتي وليفربول وريال مدريد يلعبان في دوري الأبطال    محافظ القليوبية ومتدربي البرنامج الرئاسي يتفقدون مستعمرة الجزام ومستشفى الأمراض النفسية بالخانكة    تنفيذ مشروعات في قطاع الصحة بشمال سيناء بقيمة 605 مليون جنيه    أسوان يفتح ملف الانتقالات مع الشيشينى ويكتفي برحيل 3 لاعبين    «كيانو ريفز» الممثل الأكثر حزنا في هوليوود يجد سعادته أخيرا مع صاحبة الشعر الرمادي (صور)    برومو "الجو جميل" لعمرو دياب يتصدر تريند يوتيوب بأكثر من نصف مليون مشاهدة    الكويت تحصل على مليون جرعة من لقاح كورونا مطلع 2021    ترامب يسمح للولايات المتحدة بالعودة إلى الصحة العالمية بشروط    تفاصيل "هجوم القرش" في رأس محمد.. 3 أشخاص أصيبوا بينهم طفل    3 قرارات من "الأعلى للآثار" لاختيار مدير ومشرف ووكيل متحف شرم الشيخ    وزير الخارجية الجزائري يبحث مع أمين الأمم المتحدة الأوضاع في ليبيا ومالي    دار الإفتاء تكشف موقف القرآن من إيذاء الرسول.. صور    الإسلام يدعو إلى الرفق والرحمة حتى بمن أذنب وأخطأ    رحمة الله بعباده    مدرب أهلي جدة يحسم مصير عمر السومة    «النحاس»: سنتعاقد مع لاعبين بكل المراكز عدا الحارس    حسنى عبدربه: الزمالك كسب بأقل مجهود وإبراهيم عثمان كان لازم يستقيل فى نص الموسم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ساحة العالم‏5‏
قطر الندي بقلم‏:‏ مجيد طوبيا

تسمو الدول وتتطور بالعلم والمعلومات الصحيحة‏,‏ ولما رأيت أن جهل معظم المصريين بتاريخهم سوف يؤدي إلي مفاهيم خاطئة‏,‏ قد تتفاقم وتتحول إلي سلوك متطرف يعوق التقدم‏,‏
تفرغت أكثر من أربع سنوات لانجاز هذا الكتاب‏.‏ لأن بعض المتصدين للكتابة إلي الناس أو المتحدثين اليهم ينطقون عن جهل أو سوء نية‏,‏ ويخلطون بين العقائد الخالدة وبين الأشخاص الفانين‏,‏ وهدفهم تأخر هذا الشعب العريق‏,‏ ففي تأخره رواج لبضاعتهم الفاسدة‏!‏
والتاريخ ذاكرة الأمة‏.‏ وكانت لمصر امبراطورية فرعونية قوية ثرية‏,‏ ضعفت بفساد الحكام‏,‏ وركونهم الي حياة الدعة والترف‏,‏ حتي تكون الجيش المصري من المرتزقة الأجانب‏,‏ الذين سيطروا علي البلاد بحكم السلاح‏,‏ فتمزقت البلاد إلي دويلات‏,‏ وكشف الأعداء سرها‏,‏ أي عرفوا الطريق الي احتلالها‏,‏ ووقعت مصر تحت استعمار طويل متعاقب لدول أقل منها حضارة‏,‏ من الفرس واليونان والرومان والعرب والفاطميين والأكراد الأيوبيين‏,‏ ثم المماليك فالأتراك العثمانيين وأخيرا الانجليز‏!‏
ومع استمرار المذلة والقمع‏,‏ فقد المصريون إحساسهم بالعزة القومية والاستقلالية‏.‏ قاوموا بعض الأحيان بإيجابية‏,‏ ومعظم الأحايين بسلبية‏,‏ من منطق أنهم باقون في بلادهم‏,‏ أما الطغاة فإلي زوال‏!‏
هذا الكتاب بجزء يه خلاصة آلاف الصفحات‏,‏ جميعها من المراجع الأمهات‏,‏ وحصيلة عشرات من الدراسات الحديثة الممتازة لبعض دارسينا الذين رجعوا إلي مصادر ومخطوطات ليست تحت يدي‏.‏ وقد انشأت هذا الكتاب من مقتطفات متتابعة من هذه المراجع النفيسة‏,‏ ولم انتقل منها إلي كتابات المعاصرين إلا لإيضاح ما خفي فهمه علي مؤرخي العصور الوسطي ولم أتدخل أنا إلا في القليل لربط أحداث أو إزالة غموض‏.‏
وجميع معلومات هذا الكتاب مسندة إلي مصادرها الأصلية المذكورة في نهاية كل جزء‏.‏ وقارئ مؤرخي العصور الوسطي يعاني من المغالاة والتعميم‏,‏كأن يقول أحدهم مثلا‏:‏ ثم حاربهم وقضي عليهم جميعا‏,‏ ويكون قصده أنه قتل الكثيرين منهم‏!..‏ ويعاني أيضا من اللغة المكتوبة بمفردات فصيحة وتركيبات عامية‏,‏ وقد تركت بعضها للحفاظ علي مذاق روح العصر‏.‏
وبسبب كثرة الألفاظ البائدة والأعجمية‏,‏ وغرابة الأسماء‏,‏ مثل‏:‏ طرنطاي‏,‏ يلبغا‏,‏ أشلون خوند‏,‏ أقجماس‏,‏ صرغتمش‏,‏ طشتمر‏,‏ وهو عينات سهلة‏,‏ اقتصدت في ذكر الشخصيات الهامشية بما لا يخل بالحقيقة التاريخية‏.‏
كما يكابد قارئ هؤلاء المؤرخين العظماء من جنوحهم الي صياغة التاريخ بأسلوب اليوميات‏.‏ فكان المؤرخ يبدأ الحادثة التاريخية المهمة‏,‏ ثم يترك إلي أحداث أخري منها ما هو خطير ومنها ما هو تافه‏,‏ ثم يعود إلي إكمال الحادثة التي بدأ بها‏,‏ بعد عشرات الصفحات أو في المجلد التالي‏!‏
ومن أمثلة المراجع الأساسية‏:‏ كتاب السلوك للمقريزي وهو أربعة أجزاء في اثني عشر مجلدا ضخما‏,‏ وخطط المقريزي في جزءين كبيرين‏,‏ والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ومكون من ستة عشر جزءا تضمها عشرة مجلدات ضخمة‏,‏ وبدائع الزهور لإبن إياس وهو خمسة أجزاء في ستة مجلدات‏,‏ إلي جانب تاريخ الجبرتي ومراجع أخري عديدة‏.‏
ولا يقل أهمية عنهم العلماء الذين أفنوا حياتهم في تحقيق هذه المراجع وكتابة الهوامش الموضحة للأسماء والمهن والأزياء المنقرضة‏,‏ حتي ان الهوامش تشغل نصف المساحة تقريبا‏,‏ من هؤلاء الأساتذة الدكاترة‏:‏ محمد مصطفي زيادة‏,‏ محمد مصطفي‏,‏ سعيد عبدالفتاح عاشور‏,‏ سيدة اسماعيل كاشف‏,‏ حسن حبشي‏,‏ فهيم محمد شلتوت‏,‏ ابراهيم علي طرخان‏,‏ سعاد ماهر‏,‏ جمال الدين الشيال‏,‏ مصطفي السقا‏,‏ حسن ابراهيم حسن‏,‏ محمد كمال‏,‏ السيد محمد‏,‏ أحمد أمين‏,‏ علي مبارك‏,‏ فيليب حتي‏,‏ عبداللطيف حمزة‏,‏ حكيم أمين عبدالسيد‏,‏ محمد قنديل البقلي‏,‏ السيد محمد العزاوي وآخرون‏.‏ إلي هؤلاء الأفاضل وكثيرين أدين بالفضل‏.‏
والتاريخ في هذا الكتاب للسلاطين والملوك‏,‏ وقبل ذلك لحياة الناس وآثارهم المعمارية والأدبية والفنية وأزيائهم‏,‏ وارتباطهم بالمنطقة المحيطة‏,‏ ثم علاقتهم بأوروبا بعد أن تخلصت من المتاجرين بالدين‏,‏ وجعلت المسيحية للحياة الروحية‏,‏ وشئون الحياة العملية لأهل العلم والإدارة‏,‏ فقفز الغرب من الانحطاط والتخلف إلي ما هو عليه الآن من سيادة علي العالم‏.‏ فسادة الدنيا دائما هم سادة العلوم والابتكارات‏.‏ والمبدع لا يبتكر إلا في مناخ من الحرية الكاملة واحترام الرأي الآخر ويقدس المبادرة الفردية واحترام الملكات الشخصية‏.‏
يجمل المقريزي سلسلة خلفاء العباسيين هكذا‏:‏ قامت دولة بني العباس وفيها سقط اسم العرب من الديوان‏..‏ واستولت بني بويه الديلم ثم الاتراك‏,‏ وصارت لهم دولة عظيمة‏(‏ وبنو بويه من الفرس‏,‏ وعلي أكتافهم قامت الخلافة العباسية‏,‏ والديلم جنسية‏,‏ وكذلك مكان جنوب بحر قزوين‏).‏ وصار بكل قطر قائم‏(‏ حاكم‏)‏ يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر‏.‏ وكان أول من قام من خلفاء بني العباس‏:‏ السفاح وكان سريعا إلي سفك الدماء‏,‏ فاتبعه عماله في الشرق والغرب في فعله‏..‏ وولي بعده أخوه أبو جعفر المنصور‏,‏ وهو أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم‏,‏ وأول خليفة استعمل مواليه‏(‏ عبيده أو أتباعه‏)‏ الفرس وغلمانه في أعماله‏,‏ وقدمهم علي العرب‏..‏ ونظر في العلم‏..‏
وقام بعده المهدي بالله‏,‏ ثم ابنه الهادي بالله لمدة سنة وربع السنة وكان جبارا وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة المشهرة‏(‏ الرماح الطويلة‏)‏ والقسي الموترة‏.‏
وقام بعده هارون الرشيد‏,‏ فبني الثغور وحصن الحصون‏,‏ وهو أول خليفة لعب الشطرنج والنشاب والكرة‏(‏ لعبة مثل البولو‏)‏ وكانت أيامه من حسنها كأنها أعراس‏..‏ ثم بويع بعده ابنه الأمين فقدم الخدم‏(‏ الغلمان المرد الحسان‏)‏ وشغف بهم‏,‏ فاتخذت له أمه الجواري الغلاميات‏(‏ أي جوار قصيرات الشعر في لبس الغلمان‏).‏ ثم قتل وحل محله أخوه المأمون‏,‏ وكان أولا ينظر في أحكام النجوم ويعمل بموجبها‏,‏ ويكثر في كتب القدماء من الحكماء‏,‏ فلما قدم بغداد أعرض عن ذلك‏,‏ وقال بأقوال المعتزلة‏,‏ فرغب الناس في العلوم الجدلية‏..‏
ثم قام بعده المعتصم بالله مدة ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية أيام‏,‏ ولهذا سمي بالثماني‏,‏ وهو أول من أدخل الأتراك في الديوان‏,‏ بعد أن فقد ثقته في الفرس والعرب‏,‏ وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب‏,‏ ويتشبه بالعجم في أحوالهم‏,‏ وبعث إلي بلاد سمرقند وفرغانة لشراء الترك‏,‏ ولأجلهم بني مدينة سر من رأي أو سامرا‏..‏
ثم جاء الواثق بالله‏,‏ وكان كثير الأكل‏,‏ وهو الذي نهي عن الجدل وعاقب عليه‏..‏ ومن بعده المتوكل بالله وقتله الأتراك‏,‏ وتحكموا من حينئذ في ممالك الدنيا‏,‏ وأقاموا بعده ابنه فمات بعد نصف سنة‏,‏ وأقيم بعده المستعين بالله وخلعه الأتراك وعذبوه ثم قتلوه‏,‏ وهو أول من أحدث لبس الكمام الواسعة‏..‏ وهو الذي جاء في زمنه أحمد بن طولون التركي واليا علي مصر‏,‏ نائبا عنه أو عن الترك المتحكمين فيه‏.‏
الجواري والعبيد‏:‏
يقول أحمد أمين في الجزء الأول من كتابه فجر الإسلام‏:‏ كثر الرقيق في العصر كثرة بالغة‏,‏ وامتلأت القصور به‏,‏ فكثر نسل الجواري واختلطت الدماء‏,‏ حتي الخلفاء أنفسهم كانوا من نسل السراري‏..‏ ولم يتول الخلافة من بني العباس من أمة حرة إلا السفاح والمهدي والأمين‏..‏
وكثر تعليم الجواري الغناء‏,‏ واتخذ أصحابهن لهن بيوتا معدة للسماع في الأحياء المختلفة‏..‏ كما كثر الخصاء في عهد الأمين‏,‏ فقالوا انه بلغ من كلفه بالخصيان أنه طلبهم واتباعهم‏,‏ وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره‏,‏ وقوام طعامه وشرابه‏..‏
ويحكي الجاحظ‏(‏ في كتاب الحيوان‏)‏ أن هذا الولع بالغلمان نشأ في الخراسانيين‏,‏ إذ كانوا يخرجون في البعوث مع الغلمان‏,‏ وذلك حين سن أبومسلم الخرساني ألا يخرج النساء مع الجند خلافا لبني أمية الذين كانوا يسمحون بخروج النساء مع العسكر‏..‏
وقد تفننوا في أسماء الغلمان بما يدل علي مقاصدهم‏,‏ مثل نسيم‏,‏ فاتن‏,‏ رائق‏,‏ ريحان‏,‏ جميلة‏,‏ بشري‏..‏ وظهر هذا في الشعر‏.‏ ان أبا نواس يتغني في هذا الباب وحده أو مع فئة قليلة‏,‏ فلما جاء القرن الرابع الهجري كان أكثر الشعراء يطرقون هذا الباب‏.‏ حتي الوزير المهلبي لم يمنعه منصبه أن يقول في مملوك تركي جميل‏:‏
ظبي يرق الماء في وجناته ويروق عوده
ويكاد من شبه العذا ري فيه أن تبدو نهوده
واشتهرت سمرقند بأنها مركز مهم لتجارة الرقيق الأبيض‏..‏ وكان لمعز الدولة غلام تركي‏,‏ أمرد رومي الوجه‏,‏ منهمك في الشرب لا يعرف الصحو‏,‏ ولفرط ميل معز الدولة إليه جعله رئيسا لحمله جردها لحرب بني حمدان‏!‏
زمن الترك‏:‏
تذكر د‏.‏سيدة اسماعيل كاشف‏:‏ كان أول تمزق مع سقوط الدولة الأموية وهروب عبدالرحمن بن معاوية بن هشام إلي قرطبة حيث أصبح أميرها سنة‏138‏ ه‏(756‏ م‏).‏ وانفصلت اسبانيا ولم تفلح الدولة العباسية في إعادة الأندلس‏..‏
وفي نهاية القرن الثاني الهجري‏(‏ الثامن الميلادي‏)‏ لم يبق للعباسيين في المغرب العربي إلا إفريقية‏(‏ تونس‏)‏ وكانت سيادتهم عليها اسمية من سنة‏800‏ إلي‏909‏ ميلادية‏..‏ ثم ظهر في الأفق عنصر الترك
يقول الأستاذ أحمد أمين‏:‏
تولي المعتصم الخلافة سنة‏218‏ ه‏.‏ واستقدم سنة‏220‏ ه قوما من بخاري وسمرقند وغيرهما من بلاد تركستان‏..‏ اشتراهم وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب‏,‏ وأمعن في شرائهم حتي بلغت عدتهم ثمانية آلاف مملوك‏,‏ وقيل ثمانية عشر ألفا‏,‏ وهو الأشهر‏!‏
وسبب اتجاه المعتصم الي الأتراك يرجع الي‏:‏
أولا‏:‏ من قبله كان أهم الجند هم الخراسانيون‏,‏ وهم فرس من خراسان‏,‏كانوا عماد الدولة العباسية نحو قرن من الزمان‏,‏ من عهد إنشائها إلي المعتصم‏,‏ وكانوا حرس الخلفاء ومعهم جنود من العرب القاطنين بمصر واليمن وربيعة‏,‏ لكن هؤلاء العرب كانوا أقل شأنا وحظوة وعددا من الفرس‏,‏ وذلك بعد أن ضعفت ثقة الخلفاء بهم علي مر الأيام‏..‏ ثم بدأ المعتصم يفقد ثقته بالفرس‏,‏ ذلك أن كثيرا منهم لما مات المأمون بايعوا ابنه العباس لأن أم المأمون فارسية مثلهم‏..‏ فاستعان المعتصم بالترك‏,‏ ثم قبض علي العباس وسجنه ومنع عنه الماء حتي مات‏..‏
ثانيا‏:‏ كانت أم المعتصم تركية واسمها ماردة‏,‏ فكان هو نصف تركي‏,‏ فاستكثر من الأتراك حتي ملأوا بغداد وضايقوا أهلها‏..‏ فبني لهم سامرا‏,‏ وهكذا نشأت عاصمة جديدة‏..‏
ثم تولي المتوكل سنة‏232‏ ه وكان قد مضي علي مجيء الأتراك اثنتا عشرة سنة تمكنوا فيها من الأرض وعرفوا الناس والبلاد‏,‏ وصار إيتاخ التركي بيده معظم الأمور‏,‏ وهو غلام تركي كان طباخا اشتراه المعتصم ورفعه‏...‏ ثم جاء الواثق‏..‏ وكان كل من أراد المعتصم أو الواثق قتله قام إيتاخ بذلك‏,‏ ومنهم أولاد المأمون‏!..‏ فلما ولي المتوكل كان إيتاخ في أعلي مرتبة‏,‏ إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبربر والحجابة ودار الخلافة‏(‏ حسبما جاء في الطبري‏11)..‏ أصبح الأتراك مصدر قلق واضطراب‏,‏ فهم يكرهون الفرس والعرب‏,‏ وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض‏...‏ وعندما أراد المتوكل أن يتخلص منهم ضربوه بالسيوف وهو علي سرير الملك‏..‏ وشهد الشاعر البحتري قتله‏,‏ وكان نديمه وجليسه‏,‏ ووصف ذلك في قصيدة مشهورة‏..‏
كان قتل المتوكل أول حادثة اعتداء علي الخلفاء العباسيين‏..‏ ولم يكن قتله اعتداء عليه وحده وإنما هو قتل لسلطان كل خليفة بعده‏,‏ فكان الخليفة بعده خاتما في اصبعهم أو أقل من ذلك‏!..‏
ثم جاء المنتصر ومات بعد خلافته بستة أشهر‏,‏ واختار القواد الاتراك أحمد بن محمد المعتصم ولقبوه المستعين‏,‏ وسرعان ماضايقوه‏,‏ فهرب من سامرا الي بغداد‏..‏ ثم خلعوه وقتلوه‏..‏ ومن بعده ضيقوا علي المعتز وخلعوه وقتلوه‏..‏ ثم قتلوا المهتدي عندما حاول أن يواجههم‏,‏ وصادروا أموال الاغنياء وأموال زوجة المتوكل وهي أم المعتز‏,‏ فكثر اخفاء المال في سرداب أو حفرة أو بناء حوائط عليها‏!‏ وولي المعتمد‏,‏ وحجر عليه هذه المرة أخوه الموفق‏..‏ والموفق كان في أيامه بطلا‏..‏ ثم حكم ابنه المعتضد‏,‏ وبعده بحوالي عشر سنوات جاء ابنه المكتفي‏,‏ وكانت الفتن التي بدأت في عهد أسلافه استفحلت عظم أمرها من اسماعيلة وقرامطة وفاطمية‏..‏ فعادت الخلافة الي ضعفها‏,‏ وعاد الاتراك الي قوتهم‏..‏ تاركا لهم زمام الدولة‏!‏
ولوا المقتدر فعكف علي لذائذه والنساء‏,‏ وترك الأمور لمؤنس التركي‏,‏ وبعد حكم فاسد دام نحو خمس وعشرين سنة قتله رجل من أصحاب مؤنس‏,‏ ضاجعه فذبحه وسلب ثيابه حتي سراويله‏!‏
ثم جاء القاهر‏..‏ وسملوا عينيه‏,‏ أي فقأوها بحديدة محماة وهي عادة منقولة من البيزنطيين‏,‏ فصار يتسول أمام جامع المنصور‏..‏ وسملوا من بعده الخليفة المتقي واسمه ابراهيم‏..(‏ وهكذا‏!!)‏
ويصف أحمد ابن طباع الترك‏:‏
حب الجندية والفروسية‏,‏ الاستكثار من الجنود من جنسهم‏,‏ كثرة الخلافات فيما بينهم‏,‏ تعصب كل فريق لقائده‏,‏ احتقارهم لأهل البلاد المحكومة بهم‏,‏ انتصارهم لمذهب السنة‏,‏ عدم ميلهم الي الفلسفة والجدل في الدين‏,‏ جشعهم في نهب أموال الرعية مع اهمال اصلاح الري والارض والتجارة‏,‏ انتهاز كل فرصة لمصادرة أموال الاثرياء‏..‏ ولم تكن لهم مدنية وحضارة قديمة مثل الفرس الذين كان منهم مثقفون مثل البرامكة وابن المقفع وغيرهم‏,‏
ثم أحذت طائفة من الاتراك يتعلمون اللغة العربية والدين مثل أحمد بن طولون‏..‏ لكن بعد أكثر من قرن نبغ منهم أبو النصر الفارابي الفيلسوف الاسلامي الكبير‏,‏ وأستاذ كل فيلسوف اسلامي بعده‏,‏ من مدينة فاراب التركية‏..‏ عني بفلسفة أرسطو‏..‏ تعلم في بغداد‏,‏ ومات بدمشق سنة‏339‏ ه
وعلي الجملة كان أكثر العنصر التركي في المملكة السلامية يمتاز بالجندية والخشونة مع ضعف الثقافة‏.‏
وصارت الاحداث تتصل بأسماء تركية مثل إشناسي‏,‏ إيتاخ‏,‏ بغا الكبير وبغا الصغير‏,‏ وابن طولون‏.‏
وعندما كتب الخليفة المعتصم الي واليه علي مصر باسقاط العرب من الديوان‏(‏ الجيش‏)‏ وقطع رواتبهم‏,‏ وانقرضت دولة العرب من مصر‏.‏ ومنذ سنة‏242‏ ه وحكام مصر أتراك‏,‏ وقبل ذلك بنحو عشرين عاما كانت مصر تمنح في الغالب لحاكم تركي يظل في بغداد ويستخلف عنه أميرا يقيم في مصر أي‏(‏ والي من الباطن‏)‏ واستمرت سيادة الاتراك في مصر طول مدة الطولونيين الاتراك والاخشيديين الاتراك‏.‏
‏{‏ مقارع الجباة‏:‏
كان المملوك طولون تركيا أهداه أحد الولاة الي المأمون ضمن الهدايا والأموال والرقيق‏,‏ فاعتقه المأمون وأهداه جاريه اسمها هشام‏,‏ ولد منها ابنه أحمد‏,‏ وقيل انه ابنه بالتبني‏.‏ وعندما مات طولون أوكل الخليفة المتوكل إلي أحمد ماكان لأبيه من أعمال ومن جارية اسمها مياس رزق بابنه أبي الجيش خمارويه ثم تولي الثغور‏,‏ ثم أرسله والي مصر التركي نائبا عنه في إمارة مصر‏,‏ فلما قتل هذا التركي استبد أحمد بن طولون بولاية مصر‏.‏
فدخلها وهو ضيق الحال يحتقره كل من يراه‏.‏ وكان متولي الخراج أحمد بن المدبر بين يديه مائة غلام لهم طول أجسام وبأس شديد‏,‏ وبيدهم مقارع مفضضة‏(‏ لزوم جمع الضرائب‏).‏ إذا ركب ركبوا بين يديه فيصير له بهم هيبة عظيمة في صدور الناس‏,‏ فأعجب بهم ابن طولون وأخذهم لنفسه هدية‏,‏ ثم تخلص من ابن المدبر‏!‏
يقول ابن إياس عنه‏:‏ وجاء ومصر تلاشي أمرها وانحط خراجها‏,‏ فاهتم بعمارة جسورها وبناء قناطرها وحفر خلجانها‏,‏ فاستقامت احوال الديار المصرية‏,‏ ووقع العدل والرخاء في أيامه ووصل الخراج أربعة الاف وألف وثلاثمائة ألف دينار‏,‏ غير المكوس‏(‏ الضرائب التجارية‏).‏ وقد جاء مفلسا‏,‏ وخلف عند وفاته عشرة ملايين دينارومن المماليك االذين اشتراهم سبعة الاف مملوك‏,‏ ومن العبيد الزنج أربعة وعشرين ألف عبد‏,‏ ومن الخيول سبعة الاف فرس‏,‏ ومن البغال ستة الاف‏,‏ والجمال عشرة الاف‏,‏ ومن الفصوص والجواهر مائة صندوق‏,‏ ومن المراكب الحربية الف مركب‏,‏ هذا خارج عن الضياع والاملاك وغير ذلك‏.‏
وقيل انه عثر علي كنز من آثار منطقة الاهرام فيه دنانير ذهب‏,‏ كل دينار قدر الرغيف‏(‏ لعلها رقائق أو سبائك‏)..‏ ووجد أنسانا ميتا‏(‏ مومياء‏)‏ فأرسل جثة هذا الميت الي الخليفة ببغداد‏,‏ ونقل المال الي خزائنه فاتسع حاله وعظم أمره‏.‏
‏{‏العاصمة الثالثة
وكان مدبرا في الحرب والادارة‏,‏ شغوفا بدراسة اللغة العربية والعقائد الاسلامية التي كانت جديدة علي أبناء جلدته‏,‏ وشعاره‏:‏ من مد يده أعطه وعندما كثرت مماليكه سطا علي الخلافة وادعاها لنفسه أي استقل بحكم مصر والشام‏,‏ مؤسسا الدولة الطولونية التي حكمت مصر من سنة‏254‏ 292‏ ه‏(868‏ 905‏ م‏).‏
وبني مدينة القطائع شرقي الفسطاط لسكني عساكره‏,,‏ هي الثالثة بعد الفسطاط والعسكر‏,‏ والثلاث متجاورة‏.‏ وقد حرث مقابر اليهود والنصاري وبناها مكانها‏,‏ وسميت قطائع لأنها قسمت قطائع علي أتباعه‏,‏ فكان للعساكر النوبيين قطيعة مفردة لهم تعرف بهم‏,‏ وكذلك الترك‏,‏ والفراشقين والغلمان والقواد‏.‏ وعمرت القطائع عمارة حسنة‏,‏ وتفرقت فيها السكك والأزقة‏,‏ وعمرت فيها المساجد والطواعين والحمامات العمومية والأفران والحوانيت‏.‏
وأنشأ ميدانا كان يلعب فيه مع قواده لعبة الصوالج‏(‏ البولو‏)‏ تشبها بهارون الرشيد‏..‏ وكان الماء يصل الي القصر من عين أنشأها وعن طريق قناطر معلقة لاتزال آثارها باقية‏(‏ وهي غير مجري العيون‏)‏ ثم قرر بناء جامع يحكي المقريزي قصته‏:‏
فلما أراد بناء الجامع قدر له ثلاثمائة عمود‏,‏ فقيل له ماتجدها‏,‏ أو تنفذ الي الكنائس في الأرياف والضياع الخربة فتحمل منها‏..‏ فانكر ذلك‏..‏ وبلغ الخبر الي النصراني الذي كان قد أنشأ له العين‏,‏ وكان غضب عليه ورماه في المطبق‏(‏ السجن‏)‏ فكتب اليه يقول‏:‏ أنا أبنيه كما تحب بلا عمد إلا عمودي القبلة فأحضره وقد طال شعره حتي نزل علي وجهه‏,‏ وقال له‏:‏ ماذا تقول في بناء الجامع؟‏..‏ فقال أنا أسوره‏(‏ أرسمه‏)‏ للأمير‏,‏ فأمر بأن تحضر له الجلود‏,‏ فأحضرت وصوره له‏,‏ فاعجبه وأفرج عنه وخلع عليه‏,‏ وأعطاه مائة ألف دينار‏,‏ وقال له‏:‏ انفق وما احتجت اليه بعد ذلك أعطيناه لك‏.‏ فوضع النصراني يده في البناء‏,‏ في الموضع الذي هو فيه وهو جبل يشكر‏,‏ فكان ينشر منه ويعمل الجير ويبني الي أن فرغ من جميعه وبيضه وعلق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال‏,‏ وفرش فيه الحصير وحمل اليه صناديق المصاحف‏,‏
وأعطي ابن طولون الأمان للمهندس‏,‏ وكافأه بعشرة الاف دينار وأجري عليه الرزق الواسع الي أن مات‏.‏ ويؤكد لينبول أن هذا النصراني كان قبطيا مصريا‏,‏ لأنه لو كان بيزنطيا لسماه المقريزي الرومي‏.‏ ولعله اكتسب هذه المهارة الهندسية من بناء الكنائس‏..‏
كما روي المسعودي عن محادثات طويلة دارت بين عجوز قبطي صعيدي‏,‏ كان ابن طولون يجلس معه ويتعلم أشياء عجيبة اكتسبها من خبرته‏.‏
وكان الناس كلما احتاجوا الي أعمدة سلبوها من الكنائس القديمة أو من المعابد الفرعونية واليونانية والرومانية‏,‏ وفي جامع عمرو بن العاص الحالي عدد كبير من الأعمدة الكبيرة المختلفة التيجان‏(‏ ولكل عصر تيجانه‏).‏ وإن كان المسجد بعد إعادة بنائه يشبه من حيث التخطيط مسجد أحمد بن طولون‏.‏
‏{‏ أول مستشفي‏:‏
كذلك بني بجوار هذا الجامع مارستان‏(‏ مستشفي‏)‏ ولم يكن قبل ذلك بمصر مارستان‏,‏ وجعل به خزانة‏,‏ شراب وأدوية‏.‏
وهو في حروبه فشل في الاستيلاء علي مكة‏,‏ لكنه انتصر علي امبراطور الروم قرب طرسوس‏(‏ بسوريا‏)‏ وغنم المجوهرات والأواني‏..‏ وحدث أن توغل شمالا لتأديب أحد نوابه‏,‏ لكنه عاد الي انطاكية وكان قد شرب من لبن الجاموس وأكثر منه‏,‏ وكان له طبيب اسمه سعد بن نوفيل نصراني‏,‏ فقال له ماالرأي ؟ فقال لا تقرب الغذاء اليوم وغدا‏.‏ وكان جائعا فأحضر خروفا وفراريج وأكل منها‏..‏ فقال الطبيب‏:‏ إنا لله‏,‏ ضعفت القوة الدافعة بقهر الغذاء لها‏.‏ وعالجه فعاوده الاسهال‏..‏ وخرج من انطاكية علي محفة تحمله الرجال‏..‏ ثم ركب البحر الي مصر‏.‏
فسلسل في المرض نحو عشرة أشهر‏..‏ حتي مات سنة‏270‏ ه‏..‏ وقد خلف من الأولاد ثلاثة وثلاثين‏.‏ منهم سبعة عشر ذكرا‏,‏ وباقي ذلك إناث‏..‏ وكان ملكا عادلا كفئا لملك مصر‏.‏ أبطل في أيامه ماكان أحدث ابن المدبر من المكوس بمصر‏..‏ استقل بملك مصر من بلاد المغرب الي الفرات‏..‏
والناس يخيرونه علي خلفاء بغداد في عدله‏,‏ غير أنه كان شديد الغضب سيئ الخلق‏,‏ سفاكا للدماء‏,‏ إذا قدر لم يعف‏,‏ حتي قيل مات في حبسه ثمانية عشر ألف انسان‏.‏
‏{‏ بحيرة الزئبق‏:‏
وكان ابنه العباس قد تمرد عليه فحبسه‏..‏وعندما مات تولي مكانه ابنه‏:‏ أبو الجيش خمارويه السامرائي المولد‏,‏ المصري الدار والوفاة‏,‏ فبايعه الجميع عدا شقيقه العباس فقتله‏.‏ وسار علي سياسة أبيه في المحافظة علي الفتوحات‏,‏ فظل له ملك مصر‏..‏ والشام والثغور‏.‏ وأضاف الي حاضرته المباني الفخمة والحدائق‏..‏
وقد أنشأ بالقرب من جامع أبيه ميدانا‏,‏ نقل إليه الأشجار من سائر البلاد‏,‏ حتي من خراسان ومكة واليمن‏.‏ فكان به سائر الفواكه والرياحين‏,‏ حتي القرنفل والزعفران وغيرها من الزهور التي لم تزرع قط بمصر‏,‏ وجعلها كالسطور‏,‏ تقرأ بألفاظ مثل‏:‏ نصر من الله وفتح قريب‏..‏ ثم إنه ألبس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر وطلي فوقه بالذهب‏,‏ فكانت تخطف الأبصار إذا طلعت عليها الشمس‏.‏
وكان قد اشتكي لطبيبه من الأرق‏,‏ فأشار عليه بالتكبيس‏(‏ التدليك‏).‏ فرفض قائلا‏:‏ لا آخذ علي وضع يد أحد علي‏.‏ فنصحه بعمل بركة من الزئبق‏,‏ فأنشأها ببستان القصر‏,‏وأنفق في ذلك أمولا عظيمة‏,‏ ثم عمل مرتبة من جلد الحيات أنعم من الحرير‏,‏ منتفخة بالهواء‏,‏ وكان يلقيها علي بركة الزئبق‏,‏ وتثبت بحبال من حرير في حلقات فضية علي الأجناب‏,‏ وينزل حمارويه فينام علي هذا الفرش‏,‏ فلايزال يروح ويتحرك بحركة الزئبق مادام عليه حتي ينام‏.‏ وكانت هذه البركة من أعظم الهمم الملوكية العالية‏!.‏
وأنشأ حديقة حيوانات خاصة عمل فيها بيوتا‏,‏ كل بيت لسبع ولبؤته‏..‏ وعمل لها أبوابا تفتح من أعلي بحركات‏,‏ ولكل بيت منها فتحة صغيرة يدخل منها الرجل الموكل بالخدمة لفرشه بالرمال‏.‏ وبين هذه البيوت رحبة فسيحة فيها رمل مفروش‏.‏ تخرج إليه السباع لتتمشي ويهارش بعضها البعض‏,‏ فتقيم نهارا كاملا‏,‏ وخمارويه وعساكره يتأمولونها‏,‏ فإذا كان وقت العشاء يصيح عليها السواس فيدخل كل سبع بيته لا يتعداه الي غيره‏..‏
‏{‏ أسد ومحظية‏:‏
وكان من جملة هذه السباع سبع أزرق العينين يقال له زريق‏,‏ قد أنس بخمارويه وصار مطلقا بالدار لا يؤذي أحدا‏.‏ وفي عنقه طوق من ذهب‏,‏ ولا يأكل علي عادة السباع‏,‏ بل ينتظر سماط خمارويه‏,‏ فإذا نصبت المائدة أقبل وربض‏,‏ فيبقي خمارويه يرمي إليه بيده الدجاجة بعد الدجاجة‏,‏ والقطعة الكبيرة من اللحم‏,‏ ونحو ذلك مما علي المائدة‏.‏ وكانت له لبؤة لم تأنس بالناس فكانت محبوسة‏..‏ وكان إذا نام خمارويه جاء زريق وقعد ليحرسه‏,‏ لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة‏,‏ فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه مادام نائما‏,‏ حتي أراد الله إنفاذ قضائه في خمارويه‏,‏ وكان بدمشق وزريق بمصر فقتل وهو نائم‏..‏ وقيل أيضا إنه قتل في الحمام بيد غلمانه‏!‏
وعمل كذلك لكل صنف من الدواب اصطبلات من جمال وفهود ونمور وفيلة وزرافات وطواويس وأنواع عديدة من الطيور‏,‏ وكان مصروف مطبخه في كل شهر ثلاثة وعشرين ألف دينار‏,‏ سوي مصروف حريمه وجواريه‏.‏
وكان إذا ركب مشت أولا أصناف العسكر وطوائفها‏,‏ يليهم السودان وعددهم ألف لهم درق‏(‏ دروع‏)‏ من حديد محكمة الصنع‏,‏ وعليهم أقبية سود وعمائم سود‏.‏ فيخالهم الناظر إليهم بحرا أسود يسير علي وجه الأرض ويصير لبريق درقهم وحلي سيوفهم والخوذ منظر بهيج للغاية‏.‏ فإذا سار السودان قدم خمارويه‏,‏ وقد صار بينه وبين الموكب نحو نصف غلوة سهم‏(‏ مسافة رمية سهم‏)‏ وخواصه تحف به‏..‏ وكان طويل القامة‏.‏ ويركب فرسا تاما فيصير كالكوكب وكأنه قطعة جبل‏..‏ وإذا سار في موكب لا يسمع من أحد كلمة ولاسعلة ولا عطسة ولا نحنحة‏!‏
وكانت له محظية إسمها بوران‏,‏ أسيرة لديه‏,‏ بني لأجلها في بستان قصره مجلسا سماه دار الذهب‏,‏ طلي حيطانه كلها بالذهب واللازورد وجعل في حيطانه صورا بارزة من خشب معمول علي صورته وصور حظاياه والمغنيات في احسن تطوير وأبهي تزويق‏,‏ وجعل علي رءوسها الأكاليل من الذهب والجواهر المرصعة‏..‏ ولوفت أجسامها بأوان تشبه الثياب‏..‏ وجاء من بغداد البحتري أكبر شعراء العصر فمدحه كما مدح أباه من قبل‏..‏ ومازال أمره في تزايد حتي ماتت محظيته بوران فكدر موتها عيشه‏,‏ وانكسر انكسارا بان عليه‏.‏
‏{‏ زفاف أسماء‏:‏
وفي أثناء انفراد بني طولون بمصر والشام وحتي حدود الفرات‏,‏ كان الحلفاء العباسيون تحت سيطرة مماليكهم الأتراك‏,‏ يعينون ويخلعون ويقتلون‏,‏ ولم يكن يعجبهم انسلاخ أغني ولايتين في الخلافة‏,‏ مصر والشام‏,‏ فلم تتوقف محاولات استردادهما من الطولانيين‏..‏
فلما تولي خمارويه جنح الي المسالمة مع أتراك سامرا‏,‏ وعقد الصلح مع بلاط بغداد‏..‏ ولما تولي الخليفة المعتضد بالله سنة‏279‏ ه‏(892‏ م‏)‏ انتهز خمارويه الفرصة وبعث إليه أموالا وهدايا ثمينة‏,‏ وعرض تزويج ابنته قطر الندي من ابن الخليفة ولي العهد‏,‏ فقال المعتضد‏:‏ بل أنا أتزوجها‏!‏
وتزوجها سنة‏281‏ ه وأمهرها ألف ألف درهم ومائة ألف شقة حرير ملون‏.‏ فلما تصاهرا زالت الوحشة بينهما‏.‏
وقطر الندي اسمها اسماء‏,‏ يقال انها كانت رائعة الجمال في الرابعة عشرة من عمرها‏.‏ وكان والدها يعبدها حبا‏,‏ ويحيطها باروع ما يتصوره الخيال من ضروب النعمة والعز والشرف‏.‏ وانفق علي جهازها اربعمائة الف دينار‏,‏ أو ما يعادل دخل دولة باسرها وقتها‏.‏ فكان في الجهاز دكة اربع قطع من الذهب عليها قبة من ذهب مشبك‏,‏ في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من جوهر ومائة هون ذهب‏.‏ وألف سروال حرير‏,‏ في تكة كل سروال جوهرة قدر بيضة حمامة‏.‏ ونفائس وأوان وحتي قيل ان جهازها نقل من مصر الي بغداد في ستة اشهر‏.‏
وعندما خرجت قطر الندي الي عرسها‏(‏ أواخر سنة‏821‏ ه 894‏ م‏)‏ خرجت من مدينة مصر وهي في موكب عظيم‏,‏ وودعتها عمتها العباسة حتي حدود الشرقية‏,‏ ونزلت هناك وضربت خيامها وبنت قرية سميت العباسة باسمها مازالت موجودة‏(‏ شمال شرق بلبيس‏,‏ سميت باسم عباسة بنت احمد بن طولون‏,‏ وكانت شيدت فيها قصرا نزلت فيه قطر الندي‏,‏ وكانت يسمي اولا قصر عباسة‏).‏
وكان خمارويه قد امر فبني لها علي رأس كل منزلة تنزل فيها قصرا‏(‏ استراحة‏)‏ فيما بين مصر وبغداد‏,‏ وكانوا يسيرون بها سير الطفل في المهد‏.‏
وكانت اذا وافت منزلة وجدت قصرا مفروشا فيه جميع ما تحتاج اليه وقد علقت فيه الستور واعد فيه كل ما يصلح لمثلها‏,‏ فكانت في مسيرها من مصر الي الشام علي بعد المسافة‏,‏ كأنها في قصر ابيها‏.‏ ولما دخل بها الخليفة المعتضد احبها حبا شديدا لجمال صورتها وكثرة ادبها‏,‏ قيل انه خلا بها في احد الايام فوضع رأسه علي ركبتها ونام‏,‏ وكان كثير التحرز علي نفسه‏(‏ بسبب تكرار قتل المماليك الاتراك لاسيادهم‏).‏ فلما نام تلطفت به وانزلت رأسه من علي ركبتها الي الوسادة‏,‏ ثم تنحت عن مكانها وجلست بالقرب منه‏,‏ فانتبه فزعا وصاح بها فكلمته في الحال‏.‏ فعاتبها وقال‏:‏ اسلمت نفسي لك فتركتني وحيدا وأنا في النوم لا ادري ماذا يفعل بي‏.‏ فقالت‏:‏ ياأمير المؤمنين‏,‏ ما جهلت قدر ما أنعمت به علي‏,‏ ولكن فيما ادبني به والدي خمارويه ألا اجلس مع النيام ولا أنام مع الجلوس‏.‏
حمام الموت‏:‏
وكان خمارويه بعد تزويجها قد خرج الي دمشق بعساكره‏,‏ واقام بها الي ان قتل‏..‏ اذا كان كثير الفساد بالخدم‏.‏ دخل الحمام مع جماعة منهم‏,‏ وطلب من احدهم الفاحشة فامتنع حياء من الخدم‏,‏ فأمر ان يضرب حتي مات‏,‏ فأبغضه الخدم‏.‏
وكان قد بني قصرا يشرب فيه الخمر بسفح قاسيون‏(‏ جبل يشرف علي دمشق‏)‏ اسفل من دير مروان‏,‏ فدخل تلك الليلة الحمام‏,‏ فذبحه خدمه‏,‏ وقيل ذبحوه علي الفراش وهربوا‏.‏
كانت مؤامرة خدم وشذوذ انتهت بذبح اكثر من عشرين ألفا منهم‏.‏ ثم احضرت جثته الي مصر حيث دفنت الي جوار جثة ابيه تحت سفح المقطم‏.‏ وبعده بحوالي خمسة اعوام ماتت الجميلة قطر الندي وعمرها حوالي اثنتين وعشرين سنة فقط‏,‏ وكانت ضحية زواج سياسي تافه‏,‏ ودفنت داخل قصر الرصافة ببغداد‏,‏ وهي بعد زهرة تتفتح‏.‏ وبعدها بعامين لحق بها زوجها الخليفة امير المؤمنين‏.‏
ثم كان مصرع الدولة الطولونية ذاتها بعد اقل من ثلاث سنوات سنة‏289‏ ه عندما دخل القائد العباسي بجيوشه الاتراك مدينة القطائع وقتل جنود الطولونيين من السودان‏,‏ وخرب مبانيها الجميلة‏,‏ وعاث جنوده فيها فسادا اربعة شهور‏,‏ افتضوا فيها البكاري واستباحوا النساء وهتكوا الرعية‏,‏ وذبحوا الطولونيين كما تذبح الشاة‏..‏ وقوضت المنازل‏..‏ وتهدم ميدان احمد بن طولون وبيعت انقاضه حتي دثر وزال كأنه لم يكن‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.