هناك العديد من القرى المصرية المُهمشة، سواء عن قصد أو دون قصد، والأمر المثير للسخرية والشفقة، أنَّ الدولة لا تنظر إلى هذه القرى بعين الاهتمام، وركزت جُل اهتمامها على عواصم المدن، وهذه سياسة خاطئة بامتياز، ولعلَّك تسمع الآن عن أحدث التطورات التكنولوجية والاكتشافات الفضائية، بلْ واستنساخ آثارنا، فقامت الصين فى أوائل عام 2014م بعمل نسخة طبق الأصل من تمثال أبو الهول .. بينما نشاهد هنا فى مصر من يعيشون فى (أكواخ)، ويطهون طعامهم بالقش، ويسقفون بيوتهم بالبوص والجريد، حتى إذا أمطرت السماء سقطت البيوت على ساكنيها، وكأنهم يعيشون حياة العصور الوسطى، عصور الإقطاع فى أوربا، حتى شبههم البعض بأنهم "أقنان" القرن الواحد والعشرين ولا صوت لهم على الإطلاق. ورغم هذه الصورة "الفذة" عن بعض القرى المصرية، يخرج أحد أبناء قرية (عرب مطير) التابعة لمركز الفتح بأسيوط عن صمته، عازماً الترشح للبرلمان لا من أجل الترشح ذاته، لكن من أجل إيصال صوت هذه القرى لأصحاب السلطة، وفعلاً ترشح فى برلمان ما قبل الثورة عام 2010م أيام اللامبارك، ونظراً للتزوير الشديد الذي شهدته صناديق الانتخاب، لم يحصل على النسبة المتوقعة، لأنه ببساطة تم تبديل الأصوات لصالح الحزب الوطني المنحل، الذي حصل فى نهاية الأمر على ما يفوق ال 90% من الأصوات وهذا أمر كارثى بالمقارنة ببرلمانات وأحزاب أخرى. لمْ ينتهي المشوار بهذا النائب الذي رأى أنَّ وجوده فى البرلمان ضروري جداً، من أجل قريته والقرى الأخرى، فكما كان "ممتاز نصار" برلمانياً رائعاً، يبدو (على مخيمر) فى صورة المثقف القروي الواعي بهموم وآلام هؤلاء المهمشين، فهو يعيش حياتهم البسيطة، ويعرف جميع مشاكلهم، لذا يأملون فى نجاحه، حتى ينتشلهم من براثن التخلف والجهل المحدق بهم من كل ناحية. على أية حال؛ لمْ يكن هناك بد من الخوض فى الانتخابات البرلمانية التى أعقبت حكم المجلس العسكري، وكان الأمل كبيراً فى النجاح بلْ أوشك على أن ينجح فعلاً، لكن ظهر ما يسمى فى علم السياسة "بالمصالح"، فربما تكون على حافة النجاح، وسرعان ما تفقد مكانك رغماً عنك ودون علمك، الغريب فى الأمر أنه حدثت حالة من الفرح والبهجة شملت قطاعات عريضة من أهل القرية البائسة - الواقعة على حدود الصحراء - التى لم تجد على حد تعبير السيد الرئيس "من يحنوا عليها أو يرفق بها"، وكادت أن تقيم الأفراح والليالي الملاح فرحاً، لأن صوتها سيُسمع تحت قبة البرلمان، لكن يبدو أن الأمور كانت منسقة مسبقاً. وفى تقديرنا؛ أنَّ العبقرية فى مرشحى القرى تكمن فى تحديهم الصارخ للسلطة، التى ما فتئت تزوِّر أوراق الانتخابات لصالح هذا دون ذاك، وتظهر عبقرية "على مخيمر" ليس فى تمسكه بنظرية التحدي والاستجابة التى نادى بها الفيلسوف والكاتب والمفكر/ أرنولد توينبي، لكن فى هدفه فى خدمة قريته، والمجتمع، ومن هنا يعلِّق عباس العقاد الذي يرى أن للعبقرية مفهوم آخر، يقول: فهو إنسان يقيس الأشياء بمقياسه الخاص الذي يعلو على مقاييس العامة، ويأخذ نفسه به، وهو إنسان لمْ يُخلَق لخدمة نفسه أوْ أسرته أوْ عشيرته؛ بلْ خُلِق لخيرٍ إنساني عام، وأُوتِي من القوة ما يخدم به غيره! هكذا وصف العقاد العبقري بأنه الذي سخَّر نفسه من أجل خدمة الآخرين، وهذا أصدق تعبير يمكن وصفه لأحد نواب القرى المُهمشة التى ملَّت من التهميش المتعمد، لذا ستظل هذه القرى فى هذه المأساة إلى أن يشاء الله ما لم يُحدث أمراً أو يُسخِّر عبداً من عباده، ينتشل هؤلاء من قمقم العزلة إلى حيز التطور والنور. من هنا يمكن طرح سؤال غاية فى الأهمية، لماذا تعمَّدت الدولة إهمال هذه القرى؟ وإلى متى ستظل هذه السياسة؟ أليس من حقهم أن ينعموا بالعيش والحرية والكرامة!! أليست هذه المبادئ التى طالما نادت بها ثورة 25 يناير2011م، أم أصبحت شعارات تقال فى المحافل والندوات فقط!!