عبد الله كمال يكتب من -روما ماذا يفعل هؤلاء لو أنهم مكان مبارك ؟ لم يرافق رؤساء تحرير الصحافة القومية الرئيس مبارك في رحلاته الخارجية منذ مايزيد علي عام . السفر إلي إيطاليا كان مناسبة جديدة لعودة هذا التقليد.. الذي يتيح فرصا أعرض للاقتراب من عملية صنع السياسة الخارجية المصرية بشكل مباشر.. والتعرف علي الأفكار والأساليب المتجددة في إدارة المصالح المصرية المختلفة .. علي طريقة، ورؤية الرئيس «مبارك». تلك هي الرحلة الأولي للرئيس، بعد أن خرج من فترة النقاهة التي قضاها في شرم الشيخ .. عقب جراحة صعبة أجريت له في ألمانيا قبل عدة أسابيع .. لقد اختار إيطاليا لكي تكون وجهة رحلته .. تنفيذا لأول التزام خارجي بعد الفترة الماضية.. وقد كان لهذا قيمته التي قدرها رئيس الوزراء الإيطالي «سيلفيو بيرلسكوني» المثير للجدل .. والذي تمكن من صناعة استقرار سياسي متميز في بلد كان تتبدل فيه الحكومات كل بضعة أشهر وربما قبل أن يمر العام .. ومن ثم فإنه عبّر عن تقديره العميق لمبارك لأنه اختار إيطاليا (أولا). التوصيفات الفخيمة والمتكررة التي راح «بيرلسكوني» يدلي بها في مؤتمر صحفي هائل في (فيلا ماداما)، متحدثا عن مناقب الرئيس مبارك، تخطت حدود المجاملة المتفهمة بين سياسي كبير وضيف مهم، إلي ما يعبر عن امتنان أصيل وتقدير حقيقي للرئيس. لقد أعطي بيرلسكوني النصيب الأكبر من بيانه لصالح توصيف (مبارك) باعتباره (زعيما مختلفا.. وقديرا.. يتمتع بمكانة كبيرة.. له دوره المؤثر في الشرق الأوسط.. ومن الزعماء المهمين تاريخيا).. وهذه عبارات تتجاوز الرد علي وصف مبارك لبيرلسكوني في جلسة المباحثات المغلقة بأنه (صديق قديم وسياسي محنك).. إلي حدود التعبير عن علاقة متينة بين اثنين من كبار الزعماء في حوض المتوسط.. ويبدو أن بيرلسكوني يجد في ذلك عوضا عن افتقاده في الساحة الأوروبية لزعامات كبيرة كما قال يوم الأربعاء الماضي: مثل بلير وشيراك وشرودر. - منافع للناس قبل أن يخرج الزعيمان إلي قاعة المؤتمر الصحفي الفخيمة، التي تعكس ملامحها روحا فنية وتاريخية إيطالية، في (فيلا ماداما) التابعة لإحدي ضواحي العاصمة روما، كان النقاش قد بلغ مستوي من العمق والجدية الملحوظين وفق ما اطلعنا عليه من مصادر مصرية.. بما أثبت أن المسألة تتجاوز في الحوار الذي تديره مصر، مع هذا الصديق الإيطالي العتيد، حدود التوقيع علي عدد هائل من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين، إلي تبادل الرؤي وبناء المواقف المشتركة، وتحقيق التحالف الثنائي، بما يحقق مصالح شعبين عريقين.. كان لهما نصيب الأسد في تاريخ المتوسط والحضارات العريقة. لقد كنت منشغلا، في السؤال الذي طرحته علي الرئيس مبارك في المؤتمر الصحفي بأن أخاطب الرأي العام المصري.. باحثا عن إجابة حول فائدة هذه الاتفاقات الكثيرة.. التي دفع عددها وزيري الخارجية المصري والإيطالي أن يتبادلاها أمام الصحفيين بسرعة لأن توقيعها أمام الكاميرات قد يستغرق ما يزيد علي نصف ساعة.. فهي تتناول وتتعامل مع مجالات تعاون متنوعة تشمل النقل والطاقة والبيئة والبريد وتدريب العمالة والمشروعات المشتركة.. وقد قال الرئيس مبارك إنها جميعا تحقق المنافع للشعب. وقد كان هناك طنين في (السماعات)، مما منع سؤالي من أن يكون واضحا علي مسامع الرئيس، فطلب مني سيادته أن أعيده.. مما أتاح فرصة للمصورين لكي أجد نفسي في لقطة تاريخية تظهرني متحدثا للرئيس أمام هذا الحشد .. خاصة أن بعض المعلقين المصريين المعارضين كان يطرح علي الرأي العام تساؤلات غريبة حول السبب الذي دعا مبارك إلي السفر لإيطاليا.. بينما ملف النيل ومياهه ملتهب.. مما يعني أنهم يطلبون من الرئيس أن يسافر إلي أديس أبابا بدلا من روما.. وإلي كينشاسا بدلا من باريس وربما كان لهذا الكلام وجاهته إذا كانت تلك الزيارات مفيدة، فالرئيس لا يحدد رحلاته حسب المستوي الحضاري للعاصمة التي سوف يزورها وإنما حسب المصالح التي سوف تتحقق.. والمواقف التي يمكن بناؤها. وفي وقت لاحق.. وقبل أن تبدأ فعاليات هذه الرحلة المميزة كتبت في جريدة روزاليوسف: (مصر في البحر المالح وعينها علي الحوض العذب).. تعبيرا عن أن أحد أهداف الرحلة شرح الأمر عن النيل لإحدي الدول المانحة، والمؤثرة في عدد من دول الحوض. وفيما بعد قال بيرلسكوني في المؤتمر الصحفي إن إيطاليا سوف تستخدم ما بينها وبين أثيوبيا - مصدر 85% من مياه النيل الواردة إلي مصر - للحديث بشأن خلاف النيل. - احتياجات حقيقية لقد تحدث الرئيس في بيانه الاستهلالي في جلسة المباحثات مع بيرلسكوني عن تلبية التعاون مع إيطاليا إلي (الاحتياجات الحقيقية) لمصر.. وهي عبارة تشير إلي النموذج الذي تتبناه سياسة مبارك في العلاقات مع الدول الكبري .. وفي الأهداف التي تسعي إلي تحقيقها مصر من تعاونها مع الآخرين... والمعني أن التعاون لابد أن يلبي ما تريده مصر .. وليس فقط أن يخدم علي أجندة الأصدقاء.. الذين قد يعرض بعضهم تعاونا غير مفيد في كل جوانبه لصالح الشعب المصري. ومن الواضح أن إيطاليا تمثل نوعا من الدول الأكثر قدرة علي التعاون في مجالات تحقق المشترك من الأهداف بين البلدين.. وليس مصالح إيطاليا فحسب. «إيطاليا - مصر».. نموذج من هذا النوع البناء من العلاقات .. ود عميق وتفاهم أصيل.. لا تبدله عملية تغيير الحكومات من اليسار إلي اليمين في روما.. والحنكة التي يتميز بها مبارك والخبرة العريضة التي تراكمت لديه، هي التي تجعله يوظف تلك العلاقات المتشعبة مع الدول المختلفة من أجل الصالح المصري.. وفي الحالة مع إيطاليا فإن القاهرة تمكنت من أن تدفع 600 شركة إيطالية من أن تتواجد في مصر .. مما يؤدي إلي توفير فرص العمل.. وزيادة حجم الاستثمارات.. وارتفاع معدل التبادل التجاري.. بحيث صارت إيطاليا هي الشريك التجاري الأكبر أوروبيا لمصر.. ومما يجعل إيطاليا جسرا لمصر نحو أوروبا.. طريقا إلي الصادرات.. توج مؤخرا بخط بحري سريع افتتح بينما الرئيس مبارك يغادر روما ما بين البندقية والإسكندرية، حيث كان حاضرا في الافتتاح كل من الوزير رشيد محمد رشيد والوزير أمين أباظة. إن مصر، حسب استطلاعات الرأي الإيطالية، هي أكثر المقاصد جاذبية للمواطن الإيطالي وفق ما قال بيرلسكوني نفسه، يصلها 2 مليون سائح إيطالي سنويا مرشحون للزيادة، وحين يرسخ بيرلسكوني علاقته بها فإنه يلبي هذه المواقف الشعبية، كما أنه يكسب بين الإيطاليين مكانة إضافية من حيث إنه يقدم نفسه للناخب في بلده علي أنه يتمكن من فتح الآفاق مع العرب .. وخصوصا مصر التي يكرر وصفها باعتبارها الجسر الأهم إلي الشرق الأوسط.. ولاسيما عبر مبارك الذي يراه - عن حق - الزعيم الأهم في المنطقة. ومن جانب آخر فإن إيطاليا في ضوء الأزمة الاقتصادية الدولية إنما تبحث عن منافذ لاقتصادها بعيدا عن الفرص التي تضيق تحت ضغوط الأزمة .. وقد قال بيرلسكوني لمبارك في جلسة المباحثات المغلقة إن مصر مرشحة لأن تكون أرض الفرص للشركات الأوروبية.. في ظل أسعار الضرائب الأرخص.. وأجور العمالة الأقل.. والتيسيرات التي تتاح للاستثمار فيها .. ومن هنا يمكن أن نفهم تلميحاته للصحافة الإيطالية حول ضرورة الاتجاه إلي تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة لتجاوز أعباء الأزمة. إن مصر، بالمعيار الإيطالي، هي أرض للفرص بالنسبة لإيطاليا، والسياسة الخارجية المصرية بإدارة مبارك تسعي وتنجح في أن تنمي جاذبية هذه الفرص.. لإيطاليا ولغيرها.. وبما يحقق مصالح الشعب.. ومنافعه .. وأهم ما يميز مبارك هو أنه يتمكن من إبقاء الجسور ممتدة وحيوية مع القوي المميزة اقتصاديا وسياسيا لتحقيق ذلك .. ولخدمة أهداف السياسة المصرية .. وبالتالي فإن زياراته المتكررة إلي إيطاليا لها ما يبررها في كل مرة. - أولوية.. أوروبا عدد من المعلقين في مصر يتساءل من حين لآخر، ربما باستنكار وربما احتجاجا ورفضا، عن الأسباب التي تدعو الرئيس إلي السفر المتكرر لإيطاليا ومن ثم لفرنسا، وقد وجدت في الرحلة التي قام بها مبارك في الأسبوع الماضي نوعا من الإجابة غير المباشرة عن هذه التعليقات.. من حيث إنها تمثل تجسيدا لمسعي مبارك أن يبقي العلاقات حيوية مع القوي السياسية الأوروبية الأهم.. ومع الكيانات الاقتصادية الأبرز في حوض المتوسط.. في ضوء توجه استراتيجي يقوم علي ترسيخ العلاقات الدافئة مع القوي الأهم أوروبيا ومتوسطيا .. وهي: إيطاليا - فرنسا - إسبانيا .. ومن ثم ألمانيا .. ويكون هذا حصنا قويا في مواجهة التوجهات الأوروبية التي قد لا تكون مواتية في دول أوروبية أخري. في نظرتنا إلي (النطاق الجغرافي للمصالح المصرية)، تناقضت رؤي مصرية عديدة بعضها يري وجوب الانشغال بدائرة النطاق العربي، وغيرها يفسح المجال قليلا في اتجاه النطاق الشرق أوسطي الأوسع، وثالثة تري وجوب الاهتمام بدائرة النطاق الأفريقي أولا .. وهي توجهات زادت لمعانا مع تفجر ملف المياه، ورابعة تركز علي النطاق الجغرافي المتوسطي، في حين تتبني رؤي لعدد أقل من العقول الاهتمام المتوازي بين كل تلك النطاقات. مبارك، باعتباره الزعيم الأكثر خبرة بالعلاقات الخارجية في عالم متغير متلاطم، لم يهمل أياً من تلك النطاقات، وأعطي اهتماما متوازنا لها جميعا، لكنه في ذات الوقت الذي يلبي فيه الاهتمام بالعلاقات العربية باعتبارها الدائرة الأهم للمصالح الاستراتيجية المصرية، أعطي تركيزا واسع المدي وجهدا كثيفا للعلاقات المتوسطية الأوروبية مع مصر.. وبما يمكن اعتباره مفتاحا للمصالح المصرية في مختلف الدوائر الأخري. إن عبقرية موقع مصر، وفقا للنظرية التقليدية للمفكر الراحل جمال حمدان، تعطي هذا البعد المتوسطي أهمية حيوية، وهي نفس الأهمية التي ركز عليها من منظور ثقافي المفكر العظيم الراحل الدكتور طه حسين.. وقد ضفر مبارك ما بين التوجهين.. تنفيذيا.. ومنح هذا البعد دفعة تاريخية مميزة وربما غير مسبوقة تاريخيا في عصر الدولة المصرية الحديثة.. بهذا التكامل وذلك الاتساع في ضوء السعي إلي استفادة مصر من مجموعة من العناصر: - تحقيق التوازن في علاقات مصر مع القوي العالمية المختلفة.. استنادا إلي الظهير المتوسطي. - الاستفادة من الصعود الاقتصادي الأوروبي .. بعد نشوء الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو. - تحقيق أعلي المنافع من التوجهات المتوسطية للاتحاد الأوروبي.. سواء عبر اتفاقيات الشراكة الأوروبية المتوسطية أو في إطار الاتحاد من أجل المتوسط. - الاستفادة من التأثير الأوروبي في الملف العربي الإسرائيلي .. خصوصا أن غالبية تلك الدول تتميز بعلاقات عميقة مع إسرائيل. - البناء علي التاثير السياسي الدولي للدول الأوروبية التقليدية والدول المتوسطية منها في ظل تأثيرها العميق في المنظومة الدولية وفي العلاقات مع الولاياتالمتحدة وفي مجلس الأمن. - توظيف التقارب الثقافي المصري مع الثقافة المتوسطية الأوروبية بما يخدم المنافع المصرية. - توظيف التقارب الجغرافي في تحقيق الفرص التجارية والاستثمارية .. في اتجاهي الذهاب والإياب .. وبما في ذلك صعود المؤسسات المالية الأوروبية خلال الثلاثة عقود الأخيرة. - توظيف الميول الفطرية إلي الشرق في الثقافة الأوروبية .. عبر تنمية المقصد المصري .. وبالعكس أيضا توظيف الجاذبية الفطرية والتاريخية للمقصد الأوروبي لدي المواطن المصري. - تحقيق المنافع من العلاقات الأوروبية مع مختلف الملفات الأفريقية خاصة في النطاق الاستراتيجي المصري في السودان والقرن الأفريقي ودول حوض النيل. - تنمية مجالات التعاون الأمني في ضوء تنامي التهديدات واسعة النطاق للإرهاب الدولي .. وفي ضوء التلاصق الجغرافي الذي يجعل مصر والدول المتوسطية في مرمي الاستهداف للجريمة المنظمة وتنظيمات الإرهاب.. ما يجعل هذا التعاون حتميا. - كل أوروبا إن رحلة الأسبوع الماضي، التي قام بها الرئيس مبارك إلي إيطاليا، باعتبارها شهدت القمة الثالثة في منظومة العلاقة الاستراتيجية بين روماوالقاهرة، إنما تتوج هذا العمل البناء الذي قام ويقوم به مبارك في النطاق الأوروبي المتوسطي .. وهو ما يحسب له تاريخيا .. إذ لم يسبقه إليه بهذه الكثافة وذلك التنظيم وتلك الرؤية ومجموعة المنافع المتحققة أي من زعماء مصر في العصر الحديث أو أي من العصور السابقة. بالعودة إلي مطلع الدولة المصرية الحديثة فإن محمد علي باشا بني اهتمامه الأوروبي في أطر ثقافية تعليمية علي البناء مع فرنسا .. ربما متأثرا بالتاريخ السابق علي عهده للحملة الفرنسية علي مصر .. وفيما بعد فإن الخديو إسماعيل كانت لديه طموحات أوسع نطاقا في التواصل مع أوروبا اقتصاديا وثقافيا .. لكنه استغرق في الشكلاني ولم يكن يملك من المقومات ما يجسد توجهه واقعا يتجاوز الحقائق الشكلية والمظهرية .. فضلا عن افتقاد مصر إلي الندية الملائمة مع أوروبا ما أدي إلي اجتياح اقتصادي ومالي وثقافي أسفر عن علاقات متوازنة .. وفيما بعد كان أن قاد الاحتلال البريطاني مصر إلي اتجاه واحد في العلاقات مع أوروبا.. اتجاه نحو لندن وليس غيرها. في العصر الجمهوري كثف الرئيس عبدالناصر توجهاته نحو روسيا والدول الشرقية في أوروبا خصوصا يوغوسلافيا .. بل إنه تورط في عداءات مختلفة مع دول أوروبية عديدة علي رأسها فرنسا .. وفي عصر الرئيس السادات كان الاهتمام بأوروبا جزئيا .. ومقصورا علي مجموعة دول متناثرة خصوصا رومانيا ويوغوسلافيا والنمسا وفرنسا .. وفي إطار غير منظم .. وباستهدافات وقتية.. في ذات الوقت الذي رأي فيه أن 99% من أوراق اللعبة .. ربما في العالم كله في يد الولاياتالمتحدة .. وليس في الشرق الأوسط وحده. وهكذا يحسب لمبارك وحده، أنه هو الذي بني تلك العلاقات المتميزة واسعة النطاق متعددة الأهداف مع مختلف القوي الأوروبية .. علي اختلاف ميولها.. وتوجهاتها .. وفي إطار سياسة خارجية تستجيب للمتغيرات .. وتتطور من عام إلي آخر باستهداف قوي حديثة.. بخلاف العلاقات المترسخة مع القوي التقليدية الأوروبية.. وهكذا فإن مصر لديها جسور وطيدة مع كل القوي الأوروبية المؤثرة في منظومة مجلس الأمن.. سواء كانت من أصحاب المقاعد الدائمة أو غيرها .. بدءا من روسيا شرقا وحتي بريطانيا غربا .. ومرورا بكل النطاقات الدافئة والمتوسطية فيما بينهما.. وبدون إهمال للدوائر الأخري آسيويا وأمريكيا ولاتينيا. لقد كانت مصر بالنسبة إلي أوروبا القديمة هي أرض الأطماع.. ولكنها مع التطور .. ومع نمو السياسة الخارجية المصرية أصبحت أرض الفرص (حسب اقتباسنا من كلام بيرلسكوني).. ومقصد المصالح.. غير أن المحيط الإقليمي لمصر لم تنتف عنه صفة قريبة.. وهي أنه (ميدان المطامع.. وساحة الصراع.. ونطاق عبث الدول المغترة.. والقوي المغرورة) .. سواء كانت من بين عناصر الإقليم .. أو من خارجه.. ويمكن أن نستوعب قيمة التحركات التي يقوم بها مبارك بصفة منتظمة ومنظمة في ضوء قراءة التحديات التي تفرض نفسها علي المصالح المصرية في هذا المحيط الإقليمي: - المطامع الاستراتيجية الإسرائيلية في الأراضي العربية.. نهب منظم للجغرافيا.. يقوم علي ظلم تاريخي لشعب فلسطين .. ويستند إلي مماطلات في التفاوض.. يطيل أمد هذا الظلم.. ويرسخ وجوده.. وبما أدي ويؤدي إلي توتر سقيم ومقيم لا يؤثر علي المنطقة وحدها وإنما علي العالم كله. - السعي الإيراني إلي الهيمنة الإقليمية.. والإخلال بالتوازن الأمني .. والمذهبي .. ومحاولات فرض النفوذ بما يخالف مقومات القوي الراسخة في المنطقة .. والرغبة في اقتناص الأدوار والتأثير. - نزوع طائفي وعرقي إلي التفتت الجغرافي في نطاقات استراتيجية للمصالح المصرية.. سواء علي المستوي السياسي في لبنان .. أو علي أرض الواقع في العراق.. وفي السودان .. وفي اليمن .. وقبل ذلك واقعيا في الصومال .. وبما يؤدي إلي تأليب الاستقرار في المدي المنظور والمتوسط. - تهديد نوعي (ناتج عن تأثيرات للملفات السابقة) لطرق التجارة الدولية المرتبطة بها المصالح المصرية مباشرة في البحر الأحمر.. والخليج العربي.. وبحر العرب .. والمحيط الهندي في نطاقاته المتماسة مع المنطقة العربية. - استهداف مستمر من عصابات الجريمة المنظمة وتنظيمات الإرهاب للمنطقة .. وخصوصا مصر.. في ضوء موقعها الاستراتيجي .. ووجودها في قلب كل هذه الصراعات .. ووسط طرق الترانزيت للجريمة .. وكمقصد للقوي الأيديولوجية المتطرفة المتسلحة بالإرهاب. - احتمالات التوتر الاستراتيجي في ملف المياه .. وهي احتمالات تصاعدت في الأيام الأخيرة في شأن النيل ودول حوضه .. بخلاف صراعات المياه بين تركيا وسوريا والعراق .. ونزاعات الاقتسام بين الأردن وفلسطين وسوريا وإسرائيل .. وبين العراق وإيران .. وغير ذلك. - خروج دول إقليمية عن نطاق مقوماتها الاستراتيجية .. طموحا فوق الطاقة كما هو الحال في دول صغيرة .. أو اجترارا لأدوار تاريخية سابقة كما هو الحال في دول أكبر .. أو توهما لقدرات غير موجودة كما هو الحال بشأن دول متوسطة الحجم .. وبما يؤدي إلي إخلال بالمعادلات المفترضة. - أوضاع معقدة إن تلك الأوضاع المعقدة، والمتشابكة، والمفجرة، إنما تفرض تحديات مهولة علي أي صانع قرار .. وأي راسم للسياسة الخارجية في مصر .. ومن ثم يثور التساؤل : ما الإجابات التي يمكن أن يطرحها أولئك المعلقون علي دور مصر وسياستها الخارجية .. وبحيث تؤدي تلك الإجابات التي تحقيق المصالح علي المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية .. وبما يحمي التأثير المصري في الإقليم.. وبما يحفظ الاستقرار. وبالتالي فإن علي المعلقين متنوعي الاتجاهات،الذين يوظفون انتقادهم للسياسة الخارجية المصرية في إطار التنافس السياسي المصري الداخلي، أن يطرحوا علينا إجابات لتلك الأسئلة الإقليمية الصعبة .. ويشرحوا لنا تصورات متكاملة بشأن ما يمكن أن يقوموا به لو أنهم كانوا مكان مبارك .. ولو أنهم أرادوا أن يعلنوا للناس توجهات بديلة .. بدلا من تلك الانتقادات الفارغة التي لا تطرح أفكارا مختلفة .. وتقف عند حدود الاشمئناط غير المفيد استراتيجيا وغير المحقق لمصالح الناس والبلد. لقد ركز الرئيس مبارك في إجابته عن أحد أسئلة المؤتمر الصحفي في (فيلا ماداما) علي أن الإرهاب سوف يضرب العالم كله وليس الشرق الأوسط فحسب.. نتيجة للمماطلة الإسرائيلية في الملف الفلسطيني .. كاشفا عن أن نتانياهو تراجع عن كلام قد قاله من قبل له (للرئيس مبارك).. بشأن التفاوض مع الفلسطينيين .. وقال بيرلسكوني أن احتمالات أن تكون هناك خديعة نووية إيرانية تفتح الأبواب أمام احتمالات مخيفة .. لأن إسرائيل لايمكن أن تقف مكتوفة الأيدي .. وفي التعليقين - من مبارك وبيرلسكوني - ما يشير إلي توقعات متشائمة بشأن الإقليم ومستقبله. وفي ظل هذه التوقعات المتشائمة، وفي تلك الأرض المثيرة للأطماع والمفجرة للصراعات، فإن الحفاظ علي الاستقرار الذي تتمتع به مصر .. يمثل نوعا من القبض علي الجمر .. لحماية البلد من تهديدات حقيقية تحيط به .. وفي ذات الوقت تحقيق المنافع وترقية المستوي الاقتصادي له .. وقد كانت رحلة الرئيس مبارك إلي إيطاليا في الأسبوع الماضي واحدة من الآليات التي يوظفها الرئيس من أجل هذا. عبد الله كمال يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى www.abkamal.net www.rosaonline.net أو على المدونة على العنوان التالى: http//alsiasy.blospot.com Email:[email protected]