فى الحلقات الأولى من مسلسل «رأس الأفعى»، لم نكن أمام مجرد تجسيد لشخصية قيادية فى جماعة الإخوان المسلمين، بل كنا أمام تشريح دقيق لأخطر عقل تنظيمى عرفته الحركات الراديكالية فى العصر الحديث.. محمود عزت لم يكن مجرد نائب للمرشد أو كادر إداري؛ كان هو الضابط لإيقاع العنف، والمهندس الذى صمم صندوق الجماعة الأسود بعيدا عن صخب المنصات الإعلامية. وبينما كان قادة الجماعة يتحدثون بلغة السياسة والمناورة فى العلن، كان عزت يحيك من خلف الستار خيوط «دولة موازية» تستهدف فى جوهرها تفكيك الدولة الوطنية المصرية وإحلال «الخلافة التنظيمية» محلها.
الجذور المسمومة لا يمكن فك شفرة تحركات محمود عزت دون العودة إلى المحطة المركزية فى تكوينه النفسى والفكري؛ قضية تنظيم 1965. فى تلك الفترة، كان عزت شابا يتلمس خطاه فى أروقة التنظيم السرى، وهناك التقى ب«سيد قطب»، الأب الروحى لكل جماعات العنف المعاصرة. داخل السجن، لم يتعلم عزت الصبر أو المراجعة، بل تشرب نظرية «الجاهلية» و«الحاكمية» التى صاغها قطب، والتى تقسم العالم إلى إيمان (يمثله التنظيم)، وكفر (يمثله المجتمع والدولة ومؤسساتها). خرج عزت من قضية 65 وهو يحمل ما يمكن أن نسميه «ثأر أيديولوجي» ضد الدولة المصرية بمؤسساتها العسكرية والأمنية. ومنذ تلك اللحظة، نذر حياته لإعادة بناء «التنظيم الخاص» بروح قطبية صرفة. أدرك عزت مبكرا أن الانتشار الشعبى للجماعة هو مجرد «ديكور» خارجى، أما القوة الحقيقية فتكمن فى «النواة الصلبة»؛ تلك المجموعة التى يتم غسل أدمغتها بعناية ليكون ولاؤها للمرشد فوق أى ولاء للوطن. ومن هنا، بدأ رحلة السيطرة على مفاصل الجماعة، مستبعدا كل الأصوات التى تبدو «إصلاحية» وكانت تنادى بالاندماج فى العمل السياسى السلمى، ليحول الجماعة إلى آلة صماء تتحرك بإشارة من إصبعه. هندسة «التمكين» وتجريف المؤسسات الوطنية
فى العام 2011 عندما صعد الإخوان إلى صدارة المشهد، كان محمود عزت هو المحرك الصامت لخطة التمكين. لم تكن الجماعة تسعى للمشاركة، بل كانت تسعى ل«الإحلال». استراتيجية عزت، التى ظهرت ملامحها بوضوح فى مسلسل «رأس الأفعى»، كانت تعتمد على استهداف العمود الفقرى للدولة المصرية، متمثلا فى الجيش والشرطة والقضاء. حيث آمن بأن بقاء الجماعة فى الحكم يتطلب بالضرورة كسر هيبة هذه المؤسسات. بدأ بمحاولات اختراق مؤسسات الدولة عبر تعيينات «الأهل والعشيرة»، وسعى لخلق أجهزة أمنية موازية، مثل ميليشيات حماية النهضة. لكن بالنسبة له، كان الجيش المصرى هو «العائق الأكبر» أمام مشروع الخلافة، لذا كان يعمل بخطط ممنهجة على شيطنته فى عيون الشباب، محاولا تصوير الصراع على أنه معركة بين «دين» و«لا دين»، وليس صراعا سياسيا حول إدارة الدولة. مفهوم الأممية الإخوانية تتجلى خطورة محمود عزت فى قدرته الفائقة على إدارة التنظيم الدولى وهو فى قلب مخبئه بالقاهرة. لم تكن حدود مصر بالنسبة لعزت سوى خطوط على الخريطة؛ فمشروعه كان «أمميا» بامتياز. خلال سنوات اختبائه، أدار عزت شبكة معقدة من المصالح المالية والسياسية العابرة للحدود، والتى هدفت لاستخدام التنظيم الدولى للوبى فى العواصمالغربية للضغط على الدولة المصرية، عبر ترويج أكاذيب حول حقوق الإنسان لإخفاء جرائم التنظيم الإرهابية. والإشراف على غسل الأموال القادمة من استثمارات الجماعة فى الخارج وتوجيهها لتمويل «اللجان النوعية» والعمليات التخريبية فى الداخل المصري. هذا بالإضافة للتحالفات القذرة، من بناء جسور تعاون مع قوى إقليمية وتنظيمات إرهابية فى سيناء وليبيا، لتكون أوراق ضغط عسكرية تستخدم لإنهاك الجيش المصرى وتشتيت جهوده. كان عزت يرى فى فوضى الإقليم فرصة ذهبية لإعادة إحياء التنظيم، ولم يتردد فى التضحية بالأمن القومى المصرى مقابل وعود بالعودة تحت مظلة حماية أجنبية. استراتيجية الأرض المحروقة بعد ثورة 30 يونيو، انتقل محمود عزت من مرحلة «بناء الدولة الموازية» إلى مرحلة «تفكيك الدولة القائمة». وتحت شعار «الإنهاك والتخريب»، أسس عزت ما عُرف ب«اللجان النوعية» مثل حسم ولواء الثورة. هذه المجموعات لم تكن منشقة عن الإخوان كما حاول البعض تصويرها، بل كانت النتاج الطبيعى لمدرسة عزت القطبية. كانت التعليمات تصدر من مخبئه باستهداف أبراج الكهرباء، ومحطات المياه، والقضاة، وضباط الشرطة الصغار قبل الكبار. كان الهدف هو إيصال رسالة للمواطن المصرى مفادها «لا أمان بدوننا». الحملة التى أدركها الشعب مبكرا بوعى وكان السؤال وقتها إذا تعطلت سيارة وأوقفت حركة المرور على الطرق الرئيسية «عطلان ولا إخوان؟!». لقد أراد عزت تحويل مصر إلى نموذج مشابه لدول الجوار التى غرقت فى الحروب الأهلية، معتمدا على تكتيكات حرب العصابات؛ داخل المدن، ظنا منه أن هذا الضغط سيجبر الدولة على التفاوض أو الانهيار. سقوط «الوهم».. وبقاء الدولة سقوط محمود عزت فى شقة سكنية بضواحى القاهرة عام 2020 لم يكن مجرد نجاح أمنى باهر، بل كان «سقوطا أيديولوجيا» كاملا. الرجل الذى قضى حياته يبنى أسوارا من السرية والغموض، وجد نفسه وحيدا أمام عدالة الدولة التى طالما حاول هدمها. لقد كشفت التحقيقات معه، وما سيعرضه مسلسل «رأس الأفعى» من تفاصيل، أن هذا التنظيم مهما بلغت قوته يظل «كيانا طفيليا» لا يستطيع العيش إلا فى الظلام. اعترافات الغرف المغلقة لم يكن سقوط محمود عزت مجرد اعتقال لجسد رجل عجوز، بل سقوط لهيبة التنظيم التى ظل ينسجها لعقود. ففى غرف التحقيق، وأمام سيل الأدلة الدامغة والوثائق التى ضبطت فى مخبئه، لم يجد «مهندس الدم» مفرا من مواجهة الحقيقة. وبحسب التقارير الموثقة حول اعترافاته، أقر عزت بمسئوليته المباشرة عن إدارة قطاع الأزمات داخل الجماعة، وهو القطاع الذى تولى تمويل وتوجيه العمليات التخريبية بعد 2013. الصدمة الكبرى كانت فى إقراره بأن الجماعة كانت تتبع استراتيجية «الإرباك القومي»، عبر استغلال الملفات الحقوقية فى الخارج كذريعة للضغط السياسى، مع علمه الكامل بأن الكوادر التى كان يديرها فى اللجان النوعية كانت تتلقى تدريبات عسكرية متقدمة لتنفيذ اغتيالات تستهدف استقرار الدولة. وعلى جانب آخر، كشفت اعترافات عزت عن عمق الانتهازية السياسية التى كانت تحكم علاقاته الدولية. فقد أقر الرجل بتفاصيل التنسيق مع أجهزة استخباراتية إقليمية ودولية كانت ترى فى الإخوان «مخلب قط» لتمزيق النسيج الداخلى المصري. ومن المثير للتأمل أن هذا الرجل، الذى طالما نادى بالصمود والتضحية فى أدبياته التنظيمية، بدا فى التحقيقات مدركا تمامًا لحجم «المقامرة» التى قاد فيها آلاف الشباب نحو السجون أو الموت فى سبيل أوهام لم تتحقق. اعترافاته كانت بمثابة «شهادة وفاة» لمشروع سيد قطب، حيث أظهرت أن التنظيم الذى بُنى على السرية المطلقة يتهاوى فى لحظات المواجهة الحقيقية مع دولة تمتلك مؤسسات معلوماتية وأمنية صلبة. لكن إرث محمود عزت الثقيل من أفكار سيد قطب إلى دموية اللجان النوعية يضعنا أمام ضرورة وطنية ملحة، وهى أن حماية الدولة المصرية لا تكتمل بالجهد الأمنى فقط، بل بالمعركة الفكرية التى تخلع جذور الفكر القطبى من الوعى الجمعي. الأكيد أن محمود عزت لم يكن ضحية لصراع سياسى، بل كان «جزار فكري» حاول ذبح الدولة الوطنية قربانا لوهم الخلافة. وستبقى قصة سقوطه درسا تاريخيا بأن الدولة المصرية، بجيشها وشعبها، أكبر بكثير من أن يبتلعها «ثعلب» أو تحكمها «أفعى». أفاعى «ما بعد عزت» قطعا صارت مؤامرات «محمود عزت» من دفاتر الماضى، لكن لا يعنى ذلك أبدًا أن المواجهة قد انتهت.. فالمواجهة مستمرة. مقتضيات اللحظة الراهنة تقول إن الراية سلمت داخل التنظيم من حسن البنا إلى «يحيى موسى»، ومن سيد قطب إلى «محمد إلهامي».. وثالثهم «محمد منتصر». تبقى الأفاعى تحاول.. والنسور تحمى أرض المحروسة.