فى وقت تمر فيه «إفريقيا» بتحديات أمنية واقتصادية كبيرة، تتجه الأنظار اليوم للعاصمة الإثيوبية «أديس أبابا»؛ حيث تعقد قمة الاتحاد الإفريقى التاسعة والثلاثين خلال 14 و15 فبراير الجارى، تشكل هذه القمة فرصة استراتيجية لمناقشة القضايا الأكثر إلحاحًا، التى تؤثر على مستقبل القارة، بداية من الأمن والسلم الإقليمى، مرورًا بالتنمية المستدامة، وصولًا إلى التعامل مع الأزمات المناخية. فى قلب هذه الديناميكيات، تبرز «مصر» كلاعب رئيسى يسهم بشكل فعال فى تعزيز التضامن الإفريقى، وتعميق التعاون بين دول القارة. فمن خلال دورها الدبلوماسى والنشط داخل المؤسسات الإفريقية، تواصل الدولة المصرية بناء شراكات استراتيجية تسهم فى تحقيق الاستقرار الاقتصادى والسياسى فى منطقة طالما تأثرت بالصراعات والتحديات التنموية. وعليه، فإن قمة 2026 تعد فرصة لمصر لتؤكد على ريادتها فى الملفات الحيوية، وخاصة فى مجال الأمن المائى والتنمية المستدامة، التى تمثل أبرز أولوياتها فى إطار استراتيجيات التعاون الإفريقى. أزمات وفرص تتناول قمة «الاتحاد الإفريقى» عددًا من القضايا الحيوية التى تؤثر على حاضر ومستقبل القارة الإفريقية، أهمها الأمن والسلم الإقليمى، والتنمية الاقتصادية، والتغير المناخى. وفى مقدمة القضايا المطروحة على جدول الأعمال، موضوع «المياه» الذى اختير ليكون المحور الرئيسى لهذه القمة، فى ضوء التأثيرات السلبية لتغير المناخ على الموارد المائية فى العديد من الدول الإفريقية، وتزايد ندرة المياه فى مناطق واسعة من القارة.. وستناقش القمة سبل تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية فى إطار التكامل الاقتصادى الإقليمى، من خلال تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية، وطرح آليات جديدة لتعزيز الاستثمارات المشتركة. وسيتم التركيز أيضًا على إصلاح منظومة السلم والأمن الإفريقية، فى ظل استمرار الصراعات والنزاعات فى مناطق متعددة، بما فى ذلك جهود الاتحاد الإفريقى لحل النزاعات بالوساطة والمفاوضات. وتعتبر قمة 2026 فرصة لإعادة تقييم التعاون بين «إفريقيا» والشركاء الدوليين، بالإضافة إلى تعزيز التضامن الإفريقى ومواجهة تحديات الاعتماد على الذات فى مواجهة الضغوط الاقتصادية العالمية، مثل تراجع الموارد المالية وقيود التجارة العالمية. الدبلوماسية المصرية وفى قلب الأحداث المهمة على الساحة الإفريقية، تبرز الدبلوماسية المصرية؛ حيث تواصل تعزيز حضورها الفاعل فى المؤسسات الإفريقية ومنظومة العمل المشترك، ولعبت على مدار السنوات الماضية دورًا محوريًا فى دعم جهود السلم والأمن والتنمية فى القارة، وفقًا لتوجيهات القيادة السياسية، التى تضع «إفريقيا» فى صلب أولويات السياسة الخارجية المصرية. وخلال الفترة الأخيرة، تميزت الدولة المصرية بنشاط دبلوماسى ملموس فى مختلف الهيئات والمؤسسات الإفريقية.. ومن أبرز تلك الجهود رئاسة «مصر» للجنة الفرعية للموازنة فى الاتحاد الإفريقى، والتى نجحت من خلالها فى حشد تمويل قدره 20 مليون دولار من صندوق السلام الإفريقى، وموارد الاتحاد لدعم بعثة الاتحاد الإفريقى فى الصومال (AUSSOM)، وهو ما يعد جزءًا من التزام «مصر» العميق بدعم الأمن والاستقرار فى القرن الإفريقى. كما نجحت «مصر» فى تعزيز حضورها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقى، من خلال تعيين مندوب دائم للبعثة المراقبة للاتحاد الإفريقى لدى الأممالمتحدة فى «نيويورك»، وهو ما يعكس ثقة الدول الإفريقية فى الدور القيادى لمصر داخل المنظومة الإفريقية. وعلى مدار عام 2025، استضافت الدولة المصرية العديد من الفعاليات الهامة التى تعكس دورها الاستراتيجى فى تعزيز التعاون الإفريقى. من أبرز هذه الفعاليات اجتماع لجنة التوجيهية لرؤساء دول وحكومات وكالة الاتحاد الإفريقى للتنمية (النيباد)، الذى ترأسه الرئيس «عبدالفتاح السيسى» فى حضور قادة أفارقة بارزين، حيث تم الاتفاق على العديد من المبادرات المهمة فى مجال البنية التحتية والتنمية المستدامة.
وزير الخارجية: استقرار السودان وسلامة أراضيه خط أحمر وأولوية قصوى للأمن المصرى
كما شاركت «مصر» فى العديد من القمم الإقليمية والدولية، مثل القمة الإفريقية الأوروبية السابعة، وقمة لواندا لتمويل البنية التحتية الإفريقية، بالإضافة إلى فعاليات منتدى التعاون جنوب- جنوب، مما يبرز تعدد المحاور التى يتنقل فيها النشاط المصرى، ويعكس حرص «مصر» على التنسيق بين مختلف المبادرات الإفريقية والدولية لتحقيق التكامل الإقليمى. وتعد «مصر» من أبرز الدول التى تُسهم بشكل عملى فى جهود إعادة إعمار مناطق ما بعد النزاعات فى إفريقيا، وتعاونت مع العديد من الدول والمنظمات الإفريقية فى إطار مشاريع السلام والتنمية. كما لا يمكن إغفال الجهود المصرية فى دعم الاستقرار الاقتصادى من خلال تنفيذ مشاريع التكامل الاقتصادى الإقليمى، عبر اتفاقيات التجارة ومبادرات التنمية المستدامة. زخم أجندة القمة قال الدكتور «أحمد عبدالدايم» أستاذ كلية الدراسات الإفريقية- فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن قمة الاتحاد الإفريقى التى تُعقد سنويًا تهدف إلى طرح مختلف الأزمات والقضايا التى تواجه القارة، تمهيدًا لاتخاذ قرارات بشأنها من خلال إدراجها على جدول أعمال القمة. وفيما يتعلق باختيار موضوع المياه محورًا لقمة هذا العام، أعرب «عبدالدايم» عن اعتقاده بأن «إثيوبيا» قد لا تدخل فى مناقشة هذا الملف بشكل مباشر داخل القمة؛ موضحًا أنها ستتناول قضية المياه بطرح عام وموسع، دون التطرق إلى قضية بعينها. وفى هذا السياق، أوضح أن جهود الدولة المصرية على مدار السنوات الماضية ركزت بشكل مستمر على ملف المياه، انطلاقًا من موقف ثابت يؤكد أن «مصر» لا تعارض التنمية فى «إثيوبيا»، لكنها- فى الوقت ذاته- تتمسك بحقوقها التاريخية فى مياه النيل؛ مؤكدًا أن الهدف الرئيسى لمصر، يتمثل فى التوصل إلى اتفاق قانونى وملزم للطرفين بشأن تشغيل سد النهضة؛ مشيرًا إلى أن الجانب الإثيوبى يواصل تعنته فى عدم الوصول إلى هذا الاتفاق.. وأضاف «عبدالدايم» أن تناول ملف الأمن المائى بصورة عامة داخل القارة الإفريقية خلال أعمال القمة قد يخدم الحقوق المصرية بشكل أو بآخر، نظرًا لأهمية تكوين رؤية عامة لدى القادة الأفارقة حول هذه القضية.
وبشأن القضايا الأمنية، أكد أن القارة الإفريقية، التى تعانى من نزاعات متعددة، مقبلة على العديد من ملفات التنمية، وهو ما يتطلب إنهاء هذه النزاعات لتحقيق الاستقرار، وهو الهدف الذى تدعو إليه القمة. كما أوضح أن المشكلة التى تعانى منها بعض الدول التى تشهد نزاعات لا تكمن فى غياب الآليات، وإنما فى غياب الإرادة الفعلية لإنهاء هذه النزاعات؛ لافتًا إلى أن القمم الإفريقية تتمتع- دائمًا- بوجود آليات واضحة، إلا أن تنفيذها يظل غائبًا فى بعض الدول.. وفى هذا الإطار، أشار «عبدالدايم» إلى وعى دول القارة بتدخل بعض الأيادى الخارجية فى تأجيج أزماتها، سعيًا لتحقيق مصالح مختلفة، وهو ما ساهم فى بروز فكرة الحلول (الإفريقية- الإفريقية)؛ موضحًا أن بعض هذه الحلول نجح- بالفعل- فى تحقيق قدر من الاستقرار فى مناطق متخلفة، إلا أنها لم تنجح فى إخماد الصراعات المشتعلة فى مناطق أخرى.. وفى ختام تصريحاته، اعتبر أن أجندة الاتحاد الإفريقى من حيث الخطط ممتازة للغاية، إلا أن تحقيق تقدم ملموس على أرض الواقع فى العديد من ملفات الاستقرار، والتنمية، والبنية التحتية، وغيرها، يواجه عقبات عديدة، فى مقدمتها الحاجة إلى تمويل ضخم؛ مضيفًا أن القارة الإفريقية لا تحظى بهذا القدر من التمويل، فى ظل تذبذب مواقف بعض المانحين الخارجيين بين غياب النوايا الحسنة لدعم القارة، أو الاكتفاء بتقديم وعود كلامية دون تنفيذ فعلى لدعم جهود التنمية. تنسيق السياسات من جانبه، أكد «رامى زهدى»، خبير الشئون الإفريقية ل«روزاليوسف»- أن قمة الاتحاد الإفريقى تمثل الإطار السياسى الأعلى الذى تتقاطع داخله أولويات القارة، وتعكس طبيعة الاتحاد الإفريقى ليس باعتباره كيانًا تنفيذيًا تقليديًا، وإنما كمنصة جامعة لتنسيق السياسات وبناء التوافقات بين الدول الأعضاء.. وفى ظل التحديات الراهنة التى تواجه القارة، من نزاعات مسلحة، وضغوط اقتصادية، وتغيرات مناخية، رأى «زهدى» أن القمة تتحول إلى مساحة لإدارة الخلافات واحتواء الأزمات، من خلال الحوار السياسى، وتفعيل آليات الإنذار المبكر، وإعادة التأكيد على مبادئ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية؛ مضيفًا أن القمة تعكس تطورًا تدريجيًا فى وعى الدول الأعضاء بأهمية الانتقال من منطق السيادة الصلبة إلى منطق المصالح المشتركة. وفيما يخص موضوع القمة هذا العام، أوضح «زهدى» أن أزمة المياه باتت واحدة من أخطر التحديات الوجودية التى تواجه القارة الإفريقية، وربما العالم بأسره، باعتبارها عاملًا رئيسيًا فى تكرار الصراعات؛ مؤكدًا -فى الوقت ذاته- أن قمة الاتحاد الإفريقى تمتلك عدة مسارات للتعامل مع هذه الأزمة، يتمثل أولها فى الانتقال من إدارة الموارد المائية بمنطق وطنى ضيق إلى منطق الأحواض المائية المشتركة، بما يستلزم تعزيز الأطر القانونية والمؤسسية للتعاون العابر للحدود. وفى هذا السياق، اعتبر «زهدى» أن القمة يمكنها- أيضًا- الدفع نحو إنشاء آليات إفريقية موحدة لتمويل مشروعات التكيف المناخى، إلى جانب تبادل الخبرات فى مجالات تحلية المياه، والرى الحديث، وإدارة الفاقد المائى، مشددًا على أن إدماج ملف المياه ضمن أجندة السلم والأمن الإفريقى أصبح ضرورة ملحة. وأكد «زهدى»، فى هذا الصدد، أن «مصر» تمتلك خبرة تراكمية عميقة فى إدارة الموارد المائية فى بيئة تتسم بشدة الندرة، وهو ما يؤهلها للقيام بدور محورى فى دعم الأمن المائى الإفريقى؛ موضحًا أن هذا الدور يتجسد فى نقل الخبرات الفنية، وتنفيذ مشروعات البنية التحتية المائية، وبناء القدرات المحلية فى عدد من الدول الإفريقية، سواء من خلال الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، أو عبر التعاون الثنائى ومتعدد الأطراف. وأضاف: إن دعم «مصر» لمشروعات المياه يرتبط برؤيتها للأمن القومى الإقليمى، حيث تدرك «القاهرة» أن استقرار الدول الإفريقية، خاصة فى «حوض النيل» و«القرن الإفريقى»، يبدأ من معالجة جذور الأزمات التنموية، وفى مقدمتها قضايا المياه والغذاء. كما أشار «زهدى» إلى امتلاك «مصر» فرصة حقيقية لتكون أحد المراكز الإقليمية المحركة لمنطقة التجارة الحرة القارية، مستفيدة من موقعها الجغرافى، وبنيتها التحتية المتطورة، وشبكة موانئها، وقدراتها الصناعية؛ موضحًا أن تعظيم الاستفادة من الاتفاقية يتطلب ربطها بسلاسل القيمة الإفريقية، وتشجيع الاستثمار المشترك، وتسهيل حركة السلع، والخدمات ورؤوس الأموال. ثم أضاف: إن «مصر» يمكنها القيام بدور الجسر بين «إفريقيا» والأسواق العالمية، بما يسهم فى تحويل التجارة الحرة من إطار قانونى إلى محرك فعلى للتنمية المستدامة، وتقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام، وتعزيز التصنيع المشترك داخل القارة. وفيما يتعلق بالنزاعات الإفريقية، قال «زهدى» إن الاتحاد الإفريقى يمتلك إطارًا مؤسسيًا متقدمًا نسبيًا لإدارة النزاعات، يشمل مجلس السلم والأمن، وآليات الوساطة، وقوات حفظ السلام، إلا أنه نبه -فى الوقت ذاته- إلى أن التحدى الحقيقى يكمن فى الفجوة بين امتلاك هذه الأدوات والقدرة على تفعيلها بفعالية. وفى هذا الإطار، أوضح أن الأزمات المعقدة، مثل تلك التى تشهدها «السودان» ومنطقة «القرن الإفريقى»، تتداخل فيها العوامل الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، وهو ما يحد من هامش حركة الاتحاد الإفريقى. ورغم ذلك، أعرب «زهدى» عن اعتقاده بأن الاتحاد الإفريقى يظل الفاعل الأكثر شرعية لقيادة جهود تسوية النزاعات داخل القارة، شريطة تعزيز استقلالية قراره، وتوفير التمويل اللازم، وتوحيد المواقف الإفريقية، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة. ملفات معقدة وفى النهاية.. يمكن القول إنه فى ضوء ما تطرحه قمة الاتحاد الإفريقى من ملفات معقدة تتراوح بين الأمن، والتنمية، والمياه، تبدو القمة اختبارًا حقيقيًا لقدرة القارة على تحويل الرؤى إلى سياسات قابلة للتنفيذ.. وبينما تتباين التحديات بين دولة وأخرى، تبرز أهمية الدور المصرى فى الدفع نحو حلول جماعية تقوم على التعاون، واحترام الحقوق، وتعزيز الاستقرار الإقليمى؛ فيما يبقى نجاح القمة مرهونًا بمدى توافر الإرادة السياسية، والتمويل، وتفعيل الآليات الإفريقية بما يحقق مصالح شعوب القارة.
مصر تقود حراكًا أفريقيًا لدعم وحدة السودان والصومال
قبل انعقاد قمة الاتحاد الأفريقى، ترأس د. بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، فى 12 فبراير الجارى جلسة مجلس السلم والأمن الوزارية حول تطورات الأوضاع فى السودان، والصومال، وذلك فى إطار رئاسة مصر لأعمال المجلس.. وجاءت الجلسة تأكيدًا على حرص مصر على تعزيز الحوار المباشر مع الحكومة السودانية، إيمانًا بأهمية الاستماع إلى رؤيته الوطنية بشأن سبل استعادة الاستقرار. وأكد عبدالعاطى -خلال كلمته- أن استقرار السودان يمثل ضرورة إقليمية ملحّة للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة؛ محذرًا - فى الوقت ذاته- من مخاطر انتشار الفوضى وتصاعد التهديدات الإرهابية.. كما جدّد دعم مصر لوحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض أى محاولات لتقسيمه أو المساس بسيادته، مشددًا على أهمية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، وتفعيل المسار الإنسانى، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية خالصة، بالتنسيق مع الجهود الإقليمية والدولية. ثم أكد عبدالعاطى التزام مصر بمواصلة دعم جهود بناء مؤسسات الدولة الصومالية وتعزيز قدراتها فى مجال إرساء الأمن والاستقرار، مشددًا على ضرورة تكثيف الدعم الدولى الإنسانى للسودان والصومال، وداعيًا إلى حشد الموارد وتخفيف معاناة المدنيين، مع الالتزام الكامل بمبادئ القانون الدولى الإنسانى، بما يُسهم فى تهيئة بيئة مواتية لاستعادة الأمن والتنمية.