ترامب: عملية فنزويلا كانت انتقاما للوزير ماركو روبيو    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 9 يناير    الأمم المتحدة: واشنطن تتحمل التزاما قانونيا بتمويل الوكالات الأممية    رامي إمام يتغزل في محمد سعد والفنان يعلق: اتبسطت بالشغل معاك يا حبيبي يا وش الخير (فيديو)    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    زيلينسكي يحذر من هجمات روسية كبرى مع بدء موجة برد قارس    احذروا، بيان عاجل من الأرصاد بشأن تحركات الأمطار والرياح على محافظات مصر    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    طريقة عمل بطاطس مهروسة، محشية بالخضار ومخبوزة في الفرن    الإسكان تتابع الموقف التنفيذى لمشروعات حياة كريمة لتطوير قرى الريف    مدير إدارة التفتيش بوزارة العمل: العامل سيشعر بتأثير القانون الجديد مع علاوة يناير    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هزيمة «فتاوى التطرف» فى المتحف الكبير
معابد ومساجد.. الأزهر يحسم الجدل:

بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير خرج الصوت السلفى التقليدى - وإن أصبح أضعف من ذى قبل - ليكرر ما يُقال منذ عقود، حيث نشر الداعية السلفى الدكتور محمد جودة رأيًا يعتبر فيه الاحتفال بالمتحف «حرامًا» بدعوى التشبه بالحضارات القديمة، مستشهدًا بحديث «من تشبه بقوم فهو منهم»، ومحذرًا من أى مظهر يراه «تعظيمًا للأصنام».
حديث يُطرح وكأن المصرى اليوم يدخل المتحف للعبادة، لا للعلم والمعرفة! ، وكأن الاحتفاء بالفراعنة عودة لعبادة تماثيل، لا احتفاء بجذور الأمة وهويتها ومسارها الحضارى.
هذا الخطاب لم يعد مجرد رأى ديني، بل أصبح ظاهرة فكرية تحتاج دراسات اجتماعية: لماذا يصرّ تيار على جعل الدين خصمًا من التاريخ، بدلا من أن يراه شاهدًا عليه ومنسجمًا معه؟
تحذير من «التشبه بالفراعنة»
لم يتوقف الخطاب السلفى عند حدود التحريم الفقهى للتماثيل والآثار، بل يستدعى نصوصًا دينية لتجريم أى احتفاء بالحضارات القديمة، وربطه بمسألة «الولاء والبراء» فى العقيدة. ففى أحد التفسيرات السلفية المتداولة لحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم»، يرى التيار السلفى أن الحديث الشريف يحذر من تقليد الكفار أو الفساق من المعاصرين أو الأمم الغابرة؛ سواء فى عاداتهم، أخلاقهم، أو أفعالهم، أو ملابسهم وما اشتهروا به، أو تعظيم معبوداتهم أو معتقداتهم. وأن هذا التشبه قد يؤدى إلى التهاون فى العقيدة أو التماهى معهم… وقد يصل حكمه حكمهم والعياذ بالله.»
وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعى آراء التيار السلفى الرافض لاحتفال المصريين بالمتحف من خلال نشر صورهم بالزى الفرعونى حيث أكد أنه «لا ينبغى للمسلم تقليد غير المسلمين فى أزيائهم، عباداتهم، رموزهم أو عاداتهم التى تخالف الإسلام، بل عليه أن يفتخر بهويته الإسلامية… والتباهى بما كانوا عليه من الضلال قد يؤدى للانحراف».
وبمنطق التيار السلفى تُوضع الحضارة الفرعونية - التى سبقت ظهور الإسلام بآلاف السنين- فى خانة «أهل الشرك»، ويُتعامل مع الاحتفاء بآثارها أو استلهام رموزها باعتباره انحرافًا عن الهوية الإسلامية، وصولًا إلى الزعم بأن هذا قد يؤدى إلى «حكمهم والعياذ بالله».
تحليل هذا الخطاب يكشف أن التيار السلفى لا يتعامل مع الآثار باعتبارها رصيدًا إنسانيًا وحضاريًا، وإنما كرموز دينية مزعومة تُعبَد، رغم أن ملايين المصريين يقفون أمام تمثال أو نقش فرعونى باعتباره وثيقة تاريخية، لا صنمًا، وأن الدولة تتعامل معه كهوية وتراث لا كعقيدة.
صوت الأزهر التجديدى يتدخل
فى المقابل، جاء صوت علمى دينى مؤثر مثل فضيلة الدكتور أسامة الأزهرى وزير الأوقاف ليضع النقاط على الحروف فيؤكد : الفخر بتاريخ مصر واجب حضاري، وأن الحضارة المصرية أسهمت فى الطب والهندسة والفلك والحكمة، وأن المسلمين لم يأتوا لهدم التاريخ، بل لإضاءته وإكمال دائرة الإنسانية.



لافتا إلى أن الإسلام لا يخشى تمثالًا، لأن الإيمان فى القلب، والعقل يقود، والتاريخ يُقرأ لا يُلغى.
تصريحات د. الأزهرى أعادت رسم المشهد وهو أن الدين ليس لديه فوبيا من التراث، بل قراءة واعية له وتحويله لطاقة بناء.
وفى خضم الجدل الذى حاولت بعض الأصوات السلفية إذكاءه حول «حرمة التشبه بالفراعنة»، جاء صوت علمى راسخ ليوسّع المشهد ويعيد الأمور إلى نصابها الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية الأسبق، لم يتعامل مع الأمر باعتباره احتفالًا عابرًا، بل قدّمه من زاوية حضارية شرعية، مؤكدًا أن احترام التراث نهج أصيل فى العقل الإسلامى عبر القرون.
وقال جمعة فى رسالة ذات دلالة عميقة: «من شأن العقلاء فى كل الأمم احترام آثار سلفهم، وقد جرى الصحابة والتابعون وعلماء الأمة وأئمتها من الفقهاء والمحدثين والمؤرخين على تعظيم هذه الأماكن والآثار الدينية، وعدّوا ذلك تعظيمًا للشريعة. وجَرَى على هذا عُمان السلف والخلف، ولم يُنقل أن أحدًا مُعتبَرًا يمنع ذلك».
بهذه العبارة الحاسمة، ينسف المفتى الأسبق مركزية خطاب التحريم الذى يريد اختزال الحضارة فى جدل عقدى ضيّق، ويعيد التأكيد على أن إحياء الذاكرة التاريخية ليس بدعة، ولا تشبهًا، ولا انحرافًا، بل فعل حضارى مارسه المسلمون عبر تاريخهم.



إن فقهاء الأمة - كما يذكّر جمعة - لم يروا فى زيارة الآثار أو تسجيلها أو الاعتزاز بها شبهة شرك أو انحراف، بل جزء من فهم الهوية والشكر على نعمة الحضارة، وإدراكًا لسنن الله فى تعاقب الأمم.
الدين ليس عدو التاريخ
قبل الافتتاح وخلاله وبعده، صدرت بيانات رسمية واضحة تعبر عن الفهم الدينى الصحيح لافتتاح أكبر متحف للحضارة المصرية فمن جانبه وصف الأزهر الشريف الحدث ب«مفخرة وطنية تعبّر عن تاريخ أمة عظيمة»، بينما قالت وزارة الأوقاف : «أن الافتتاح نقلة حضارية ورسالة للعالم تعكس مكانة مصر وريادتها».
دار الإفتاء المصرية أكدت فى بيانها أن الاحتفاء بالتراث المصرى مشروع شرعًا، وأن إبراز الحضارة «نوع من الشكر لله على نعمه وبيان فضل أمتنا عبر العصور».
هذه البيانات لم تكن مجرد تهنئة بروتوكولية، بل كانت خطا فاصلا بين فهم واعٍ للدين وفهم ضيق وإنما رسالة واضحة تُقال للمجتمع وللعالم تؤكد أن الإسلام لا يعادى التاريخ، والإيمان لا يُختزل فى العداء للحضارة.
تهنئة تحمل أكثر من بُعد
فيما انضم مجلس حكماء المسلمين - برئاسة فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف - إلى قائمة المؤسسات الدولية التى سجّلت موقفًا واضحًا من الافتتاح التاريخى للمتحف المصرى الكبير؛ ليس باعتباره صرحًا أثريًا فحسب، بل بوصفه منارة حضارية تُعيد قراءة التاريخ فى ضوء قيم السلام والإنسانية.



المجلس، الذى يُعد أحد أهم المنابر الدولية للحوار بين الأديان والحضارات، وجّه تهنئة رسمية لمصر، قيادةً وحكومةً وشعبًا، فى خطوة تؤكد أن الاحتفاء بالحضارة المصرية القديمة ليس خيارًا ثقافيًا فقط، بل رؤية فكرية واعية ترى فى التراث جسرًا للحاضر وبوصلة للمستقبل.
المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، لم يكتفِ بعبارات التهنئة التقليدية، بل وضع الافتتاح فى سياقه الأوسع قائلا : إن افتتاح المتحف، بحسبه، إنجاز حضارى يعكس قدرة مصر على الجمع بين أصالة الماضى وإبداع الحاضر، ليُنتج مشهدًا فريدًا يليق بأمة ساهمت فى صياغة قواعد العلم والفكر والفن منذ آلاف السنين.
البيان ذهب لأبعد من مجرد الإشادة، مؤكدًا أن هذا المشروع يعزز دور مصر فى ترسيخ الحوار بين الحضارات والتواصل بين الشعوب، فى زمن تتجدد فيه الصراعات الثقافية ويصطدم فيه خطاب الكراهية مع حلم التعايش العالمى.
وبهذا المعنى، يصبح المتحف - وفق رؤية المجلس - ليس قاعة آثار، بل مؤسسة لإنتاج المعنى الإنسانى المشترك، ومساحة للتفاعل الثقافى تُذكّر العالم بأن الحضارات تتعانق لا تتصارع.
فتاوى التحريم
فى مواجهة فتاوى سلفية تُحرِّم الاحتفاء بالحضارة المصرية القديمة، وتصف التماثيل بأنها «وثنيات»، تأتى الفتاوى الرسمية من مؤسسات الإفتاء المصرية لتضع حدًا لهذا الجدل، وتؤكد أن احترام التراث المصرى وحفظ آثاره ليس مجرد مباح شرعًا، بل يدخل فى باب الواجب العقلى والدينى.
ففى فتوى صادرة عن دار الإفتاء المصرية، جاء فيها: «الاحتفاظ بالآثار؛ سواء كانت تماثيل أو رسومًا أو نقوشًا فى متحف للدراسات التاريخية ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام؛ لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضًا علميًا وعقائديًا إيمانيًا حث عليه القرآن، فكان ذلك جائزًا إن لم يصل إلى مرتبة الواجب، بملاحظة أن الدراسات التاريخية مستمرة لا تتوقف».
وتتابع الفتوى لتؤسس رؤيتها على نصوص الكتاب والسنة وسيرة النبى والصحابة، حيث تقول: «دراسة تاريخ السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرٌ يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمى والحضارى النافع، وكان القرآن الكريم فى كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير فى الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار».
بهذه اللغة القاطعة، لم تترك المؤسسة الدينية الرسمية مجالًا للجدل، وتؤكد أن تاريخ مصر ليس وثنًا، وتماثيل الفراعنة ليست أصنامًا تُعبد، بل شواهد حضارية تحمل بين نقوشها دروسًا وعبرًا، وتأتى متسقة مع منهج القرآن فى دعوة الإنسان إلى التأمل، والسير، والنظر، والتفكر فى مصائر الأمم.
مشروع وطنى لإحياء الهوية
من جهته أكد فضيلة الدكتور عبدالحميد متولي، رئيس المركز الإسلامى العالمى للتسامح بأمريكا اللاتينية، أن مشروعات إقامة وتطوير المتاحف فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى ليست مجرد منشآت ثقافية، بل مشروع وطنى متكامل يحمل أبعادًا فكرية واستراتيجية لبناء وعى المجتمع وتعزيز الهوية المصرية.
وقال الدكتور متولى إن افتتاح المتحف المصرى الكبير وتأهيل المتاحف القديمة فى مختلف المحافظات يعد رسالة واضحة بأن مصر ليست دولة بلا ذاكرة، بل صاحبة حضارة ممتدة وجذور ضاربة فى عمق التاريخ.
وأضاف، «هذه المتاحف تُعيد للمواطن وعيه بتاريخ وطنه، وتذكّره بأن مصر دولة صنعت التاريخ والإنسان والحضارة، وهو ما يُسهم فى ترسيخ الانتماء الوطنى لدى الأجيال الجديدة»، لافتًا إلى أن المتحف اليوم لم يعد مجرد مكان لعرض الآثار، بل منصة تعليمية وثقافية تُساهم فى تشكيل العقل المصرى الواعى بهويته ومستقبله.
وأوضح رئيس المركز الإسلامى العالمى للتسامح أن هذه السياسة الثقافية تتضمن أيضًا إعادة صياغة الخطاب الحضارى المصري، لتقديم مصر بوصفها قوة ناعمة عالمية، تمتلك إرثًا حضاريًا وقيمًا ثقافية جديرة بالاحترام والتقدير، مضيفًا أن هذا التحرك يعزز صورة الدولة ويمنحها شرعية حضارية وسياسية أمام الذات والعالم.
وتابع قائلًا: «المتاحف اليوم أضحت أداة من أدوات الدبلوماسية الثقافية، وجسرًا لتعزيز علاقات مصر الدولية، وجذب السياحة، وتنشيط الاقتصاد الوطني، فضلًا عن دورها فى حماية الهوية من محاولات التشويه أو طمس التاريخ.»
واختتم قائلًا: «تجربة مصر فى إقامة المتحف الكبير تجربة تستحق التقدير، وهى خطوة كبرى فى مشروع بناء الإنسان المصري، لكنها تحتاج إلى تفعيل دور المجتمع، والمشاركة الفكرية، حتى تتحول المتاحف من منصات عرض إلى منصات تفكير ووعى وبناء حضارى مستمر».
لقد كان افتتاح المتحف المصرى الكبير حدثًا معماريًا وإعلانا ثقافيا وفكريا ورسالة للعالم: هذه أمة تملك عقلًا، وذاكرة، وجذورًا، ولا تخاف أن تقف أمام تاريخها بشموخ.
وهو- من زاوية أخرى - اختبار لتيارات عاشت طويلًا فى معارك لفظية ضد الفن والآثار والتماثيل، كأنها لا تعرف أن الإسلام نفسه انفتح على حضارات الفرس والروم والحبشة، فلم يلغها ولم يحارب فنونها، بل أخذ ما فيها من خير وأبقى الخير خيرًا.
لقد كشف افتتاح المتحف المصرى حدود خطاب سلفى متشدد .. خطاب يرى الماضى خطرًا، والتمثال فتنة، والتاريخ شركًا محتملًا. .. وأثبت أننا أمام معركة بين فقه حضارة وفقه خوف. بين عقل يقرأ التاريخ، وعقل يخاف من ظله. ..وبين أمة تصنع المتاحف والقيم والمعرفة، وبين خطاب يريد أن يحبسها فى دائرة الجمود، وفى النهاية، وقف المصريون ليقولوا للعالم بصوت واحد: نحن أبناء حضارة.. والدين جاء ليبنى الحضارة، لا ليحاربها.
فى السياق إذ أطلقت وزارة الأوقاف حملة واسعة للتعريف بالآثار والمعالم الحضارية فى مختلف المحافظات، تحت مظلة مبادرة «صحح مفاهيمك»، التى تأتى فى إطار جهود الدولة لترسيخ الهوية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وإعادة تشكيل وعى المجتمع على أساس من الاعتدال والعلم والانتماء الوطنى.
هذه المبادرة لا تقف عند حدود العمل الدعوى التقليدي، بل تتجاوزها إلى مشروع حضارى شامل يضع الإنسان فى مقدمة أولويات الدولة، انسجامًا مع رؤية الجمهورية الجديدة التى تؤمن بأن نهضة الأوطان تبدأ بتربية العقل والوجدان معًا. ومن هنا، أخذت الأوقاف على عاتقها أن تُقدّم نموذجًا جديدًا للخطاب الدينى المستنير، خطابًا لا ينفصل عن التاريخ، ولا ينعزل عن المجتمع، بل ينفتح على معارف العصر، ويعيد تقديم الدين بوصفه قوة للبناء والتنوير، لا مبررًا للجمود أو الانغلاق أو التطرف.
هوية تتجدد.. وإيمان يلتقى بالحضارة
تنطلق رؤية وزارة الأوقاف فى هذه الحملة من إيمان راسخ بأن الحضارة المصرية بمختلف عصورها الفرعونية، واليونانية والرومانية، والقبطية،والإسلامية تشكّل نسيج هوية متكاملة، لا تنفصل حلقاتها ولا تتعارض مع جوهر الإيمان الصحيح. فالدين، كما ترى الوزارة، لا يُخاصم الحضارة، بل يبنى عليها ويُزهر بها، وقراءة التاريخ ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لاستيعاب الذات وفهم جذور القيم التى تُشكل الشخصية المصرية.
ومن هنا كان اختيار الأطفال والناشئة محورًا رئيسًا للحملة؛ فالمستقبل يُكتب فى ضمائرهم، ومعركة الوعى تُكسب فى سنوات التكوين الأولى، حيث تتشكل القناعات الأولى حول الوطن، والدين، والانتماء، ومعنى الهوية، وقيمة الإنسان. ولأن بناء الوعى لا يتم فى قاعات مغلقة، بل عبر تجربة حيّة يعيشها الطفل ويراها ويلمسها، جاءت الفكرة: لنذهب بالأطفال إلى التاريخ.. بدلًا من أن نكتفى بسرده عليهم.
 بنى سويف.. أقدام صغيرة على عتبات هرم ميدوم
كانت البداية من بنى سويف، حيث اصطحبت مديرية الأوقاف مجموعة من الأطفال إلى هرم ميدوم، أحد أقدم وأهم الأهرامات المصرية. فى تلك الزيارة، لم يكن الأطفال مجرد متلقين لمعلومات جامدة، بل عاشوا تجربة اكتشاف؛ لمسوا الحجارة التى صمدت آلاف السنين، وشاهدوا بأعينهم عبقرية البناء المصرى القديم، وتعرفوا على جهود العلماء فى دراسة هذا الإرث العظيم. كانت الأسئلة تتدفق، وعيون الصغار تتسع دهشة، وهم يدركون للمرة الأولى أن حضارتهم ليست حكاية تُحكى، بل واقع يقف شامخًا أمامهم.
وفى دمياط، امتزجت روح التاريخ الإسلامى برياح البحر، حين زار الأطفال مسجد عمرو بن العاص ومسجد المعينى الأثري، ثم اتجهوا إلى طابية عرابى فى عزبة البرج، قبل أن يقفوا عند نقطة التقاء النيل بالبحر فى رأس البر. هناك فهم الأطفال أن الوطن ليس مجرد حدود على خريطة، بل تاريخ مُحمل بالروح والدم والعقيدة. فمن محراب المسجد، إلى مدفع الطابية، إلى الموج الذى شهد عبور السفن والرحالة، تشكلت صورة متكاملة لوطنٍ صنع التاريخ وواجه الغزاة وحافظ على هويته.
جنوب سيناء.. الوعى يبدأ من المتحف
وفى شرم الشيخ، قاد أئمة الأوقاف رحلة مميزة إلى متحف شرم الشيخ، ليقف الأطفال أمام شواهد حضارية تحكى قصة الإنسان المصرى منذ فجر التاريخ. ومع اقتراب افتتاح المتحف المصرى الكبير، حملت الزيارة بعدًا استثنائيًا، تربط الماضى بالمستقبل، وتُشعر النشء بأن وطنهم يكتب فصلًا جديدًا فى كتاب التقدم والتنوير، عبر إعادة تقديم تراثه للعالم بأحدث المعايير الدولية.
وفى عمق سيناء، إلى قلعة نخل الأثرية، قادت الأوقاف أطفال شمال سيناء فى رحلة إلى قلب التاريخ العسكرى المصرى. رأى الصغار أسوارًا وقلاعًا صمدت أمام الغزاة، وسمعوا حكايات المرابطين على حدود الوطن. هناك، حيث تتداخل الرمال مع التاريخ، أدرك الأطفال أن حماية الوطن ليست شعارًا، بل مسؤولية تحملها الأجيال جيلًا بعد جيل.
الأقصر.. إلى محراب التاريخ ومعبد إسنا
وفى الأقصر، كانت الزيارة لمعبد إسنا مناسبة استثنائية لاستكشاف جزء من عبقرية الفنون والعمارة المصرية القديمة. تجول الأطفال بين الأعمدة والنقوش والرموز، يستمعون إلى شروح مبسطة تُبرز وحدة الروح الإنسانية عبر العصور، وتُعزز فكرة أن الجمال والإبداع من سمات الحضارة المصرية منذ فجر التاريخ.
أما فى الوادى الجديد، فقد توجهت الرحلة إلى مدينة القصر الإسلامية فى الداخلة، وهى مدينة تحمل آثارًا فرعونية وقبطية وإسلامية، ومنازلها من الطوب اللبن ما زالت تحكى حكايات القوافل والعلماء والمتصوفة والحجاج. هناك لمس الأطفال معنى العمق التاريخي، وفهموا أن مصر حين تبني، تبنى للخلود.
 العلم والدين.. شراكة لا خصومة
يأتى هذا المشروع فى لحظة تحتاج فيها الأمة إلى استعادة قيم العقل، واحترام العلم، والاعتزاز بالهوية، والوعى بأن الدين فى جوهره نور يضيء مسيرة الإنسان. فزيارة المواقع الأثرية هنا ليست فقط لإحياء التاريخ، بل لتصحيح مفاهيم مغلوطة حاولت جماعات متطرفة عبر عقود أن تغرسها فى وعى الشباب، بإيهامهم أن دراسة الآثار أو استحضار التاريخ منافٍ للدين. وفى هذه الحملة، تقول الأوقاف بوضوح: الحضارة المصرية إرث إنسانى.. والإسلام جاء ليُتمّم مكارمها، لا ليهدمها.
تتسق مبادرة «صحح مفاهيمك» مع جهود الدولة فى بناء الإنسان المصري، عبر استراتيجية ثقافية وتعليمية ودينية تُعيد صياغة العقل الجمعى. فكل زيارة، وكل كلمة، وكل خطوة، هى جزء من مشروع وطنى كبير يعيد الاعتبار لقيمة الوعي، ويواجه التطرف عبر المعرفة، ويبنى الوطنية على أساس من الفهم لا الشعارات.
لقد أثبتت هذه الزيارات أن الطفل المصرى بطبيعته شغوف بالمعرفة، قادر على فهم تاريخه والاعتزاز به، إذا قُدمت له المعلومة بطريقة صحيحة، وإذا رأى التاريخ بعينيه، لا عبر جملٍ فى كتاب أو درس عابر. إن الأجيال التى تتعرف إلى وطنها بشغف، ستدافع عنه بإيمان، وستحميه بحدود العقل والضمير معًا.
هكذا، تُقدّم وزارة الأوقاف نموذجًا متكاملًا لإعادة بناء الوعى الوطنى فى صيغة حديثة، تدمج بين الهوية والدين والعلم والتاريخ، وتؤكد أن الحضارة ليست مجرد إرث يُحفظ، بل رسالة تُحمل، ومشروع يُستكمل، ومستقبل يُبنى.
هذه الحملة ليست مجرد جولات، بل عودة منظمة إلى الوعى الحقيقي، وترسيخ لمبدأ أن مصر ليست وطنًا يعيش فى الجغرافيا فحسب، بل معنى يعيش فى القلوب، وتاريخ يعيش فى الضمائر، وحضارة تُكتب على وجه الزمن ولا تسقط ، ولعل الجملة التى تلخص روح المبادرة هي: من يعرف تاريخه.. يكتب مستقبله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.