طاقة النواب توافق نهائيا على تعديل قانون تنظيم الأنشطة النووية    غرفة الصناعات المعدنية: استقرار متوقع لأسعار الحديد فى 2026    هجمات موسكو عشية الذكرى السنوية لبدء العملية العسكرية تعكس فشل المفاوضات    محمد صلاح يقود ليفربول لمواجهة نوتنجهام فورست في البريميرليج    السيسي يتابع ملفات وزارة التربية والتعليم.. يشدد على ضرورة الاهتمام بجودة التعليم ومواكبة أحدث ما وصلت إليه تكنولوجيا البرمجة والذكاء الاصطناعي.. وبناء جيل واعٍ قادر على الإسهام في اقتصاد رقمي    تأجيل محاكمة 86 متهمًا بخلية النزهة    إعلانات رمضان!    بعد إصابة ماجد المصري في مسلسل "أولاد الراعي" بسرطان المخ، ما هي أعراض المرض؟    معبر رفح يستقبل دفعة جديدة من الجرحى والمرضى الفلسطينيين وسط تجهيزات طبية مكثفة    مسلسل اثنين غيرنا .. الصحة تتوسع فى عيادات الإقلاع عن التدخين بالمستشفيات    الجيش السوداني يستعيد مدينة الطينة بعد قتال شرس مع الدعم السريع.. وهروب المئات إلى تشاد    سحور 4 رمضان.. أومليت بالخضار يمنحك الشبع والطاقة حتى أذان المغرب    وكيل تعليم الجيزة يفاجئ مدارس الحوامدية وأبو النمرس بزيارة ميدانية    "سلامة الغذاء" تنفذ 75 زيارة تفتيشية على الفنادق والمطاعم السياحية    أورنچ مصر تطلق أكبر برنامج دعم مجتمعي في رمضان 2026 بمحافظات الجمهورية    بعد حارة اليهود.. منة شلبي وإياد نصار ثنائي يستمر في تعرية جرائم الاحتلال ضد صحاب الأرض    وزيرة الثقافة تلتقي رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا لبحث تعزيز التعاون    ريال مدريد يعلن إصابة سيبايوس    5 مارس إفطار أسرة طلاب من أجل مصر واتحاد طلاب جامعة عين شمس    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 22فبراير 2026 فى المنيا    الهند ترجئ المحادثات التجارية مع أمريكا بعد قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الجمركية    شقيق إسلام يكشف تفاصيل حالته الصحية بواقعة الملابس النسائية بميت عاصم    البورصة تخسر 37 مليار جنيه في بداية التعاملات    مطروح تشن مداهمات علي تجار الألعاب النارية بشهر رمضان المبارك    متحدث الوزراء: مؤشرات أداء شهرية للمحافظين وقياس رضا المواطنين.. والتعديات على الأراضي الزراعية أولوية قصوى    المتحدث العسكري: قبول دفعة جديدة من الأطباء للعمل كضباط مكلفين بالقوات المسلحة    إنزاجي: كان علينا استغلال طرد مدافع اتحاد جدة.. ولم نلعب بالمستوى المأمول    جامعة المنصورة تحصد المركز الأول في بطولة بورسعيد الشتوية للسباحة بالزعانف    سقوط بخسارة ثقيلة لميسي وإنتر ميامي في انطلاقة الدوري الأمريكي    تجديد حبس عاطل متهم بقتل صديقه وتقطيع جسده وإلقاء أشلائه داخل أحد المصارف بالعياط    وزارة التضامن الاجتماعي تقر قيد 6 جمعيات فى 3 محافظات    وجبات خفيفة بين الإفطار والسحور تساعد على التركيز في المذاكرة    إحالة 12 عاملا بمجمع عيادات أبو بكر الصديق في شبين الكوم للتحقيق لتغيبهم عن العمل    ما حكم إخراج الرجل زكاة الفطر عن زوجته التي تعمل؟ الإفتاء تجيب    كراسي متحركة ومكاتب خاصة.. الجوازات ترفع شعار حقوق الإنسان لخدمة الصائمين في رمضان    ظهور مفاجئ ل وائل عبد العزيز يشعل أحداث «وننسى اللي كان»    أمان الصائمين خط أحمر.. حملات ال 24 ساعة تكتسح الطرق السريعة وتلاحق "السرعة والتعاطي"    رمضان: شهرُ المحبة والإيمان..بقلم :محمد فتحى السباعى    3.7 مليون سيدة استفدن من الفحص الشامل ضمن مبادرة «العناية بصحة الأم والجنين»    رفع 120 حالة إشغال بمنطقة أطلس بحي غرب بمدينة أسوان    حكم الأكل والشرب في الإناء المكسور.. ما الذي أباحه النبي صلى الله عليه وسلم وما الذي نهى عنه؟    موسكو تعلن إسقاط 86 مسيرة أوكرانية وتتهم كييف باستهداف المدنيين    مسار أهل البيت    نجوم «دولة التلاوة» يحيون ليالى رمضان بمسجد الإمام الحسين    المجالس المحلية.. تكليف رئاسى لا يحتمل التأجيل    كيف يكون المحافظ محافظًا؟    موعد أذان المغرب فى اليوم الرابع من شهر رمضان بالمنوفية    مصرع شاب علي يد ابن عمته بالمنوفية    أسعار الذهب اليوم الأحد 22 فبراير 2026    ترامب: أمريكا سترسل سفينة مستشفى إلى جرينلاند    توجيهات هامة من الرئيس السيسي ل محافظ البنك المركزي| تفاصيل    بدءًا من اليوم| وزارة المالية تطرح «سند المواطن» بعائد 17.75% شهريًا    الأهلي يدرس عودة وسام أبوعلي.. تفاصيل العرض والتحضيرات القادمة    الجيش الباكستاني يشن هجمات جوية داخل الأراضي الأفغانية    الرئيس البرازيلي: مجلس الأمن الدولي بحاجة لإصلاحات    كرة يد – الأهلي والزمالك يفوزان على الجزيرة وسموحة    موقف مؤلم من 18 سنة| سمية درويش تروي تفاصيل خلافها مع شيرين    مارك جيهي: لا أريد أن يأخذ هالاند مكاني في الدفاع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كيف علق الرئيس مبارك علي أحداث تونس؟


ملاحظات عميقة علي عجز النخبة وليس علي مأزق الدولة
تخطي البعض، بل للدقة تعمد الكثيرون، أن يتجاهلوا التعليق علي ما يثار بين فئات من الرأي العام، بتحريضات وتحفيزات من وسائل إعلام مختلفة ونخبة مهتزة، حول إمكانية انتقال العدوي التونسية إلي مصر، وهو تجاهل لم يكن يمكنني أن أتبناه لأكثر من سبب.
أولا: إن المسألة مطروحة فعلا بين فئات من الرأي العام، ولايمكن تخطيها، والجمهور يعاني من حالة تيه، هي في حد ذاتها وقود لكي نرشده إلي أن هذا الذي يخشاه لن يكون.
وثانيا: لأن التجاهل في عصر الإعلام المتسارع هو آخر اختيار يمكن اللجوء إليه.. فالوقائع تنقل إلي داخل الغرف.. والأسئلة مثارة في الصالونات وعلي الأسرة فضلا عن المقاهي وحديث الناس في الشوارع.
وثالثا: وهو الأهم أن متطلبات العصر الحديث توجب الدفاع عن مقومات الاستقرار ومكونات الشرعية إعلاميا وسياسيا.. كما يجب الدفاع عنها أمنيا وعسكريا واجتماعيا واقتصاديا .
في تفصيل النقطة الأخيرة أُوضح: السيادة بمعناها الشامل، وتحت مظلتها يكون الاستقرار، ومن حيث إن لها قوائم تستند إلي الشرعية بمفرداتها، تواجه طوال الوقت تعديات وتحديات مختلفة الطرازات.. لاتوجد سيادة لا تواجه تحديا في كل وقت.. حين يكون هناك تعدٍ علي الأرض فإن الجيوش تتحرك.. وحين يكون هناك تحدٍ سياسي فإن أدوات السياسة ومنظومة التحركات الدبلوماسية خارجيا أو مقومات التفاعلات الحزبية داخليا لابد أن تتعامل.. وحين يكون هناك تحدٍ اجتماعي أو اقتصادي فإنه لابد من مجموعة من الإجراءات المقابلة والقادرة علي إحداث التوازن.
- عودة الحرب النفسية
ضمن مستجدات العصور الحديثة - خاصة العقدين الأخيرين - أصبحت السيادة، والشرعية، والاستقرار، ومعاني الأمن القومي برمته، تواجه جميعا تحديا مختلفا وغير ملموس فيزيائيا.. ألا وهو (التعدي الإعلامي).. جيوش الكلام.. وكتائب الشائعات.. وألوية ترويج المفاهيم ..التي تهز النفوس.. وتربك العقول.. وتحطم الثقة.. وتستثير الناس.
ليس هذا بعيدا عن مقومات (الحرب النفسية) التي كانت تواجه الدول بينما هي تخوض حربا عسكرية أو هي في الطريق إليها، بقصد تكسير المعنويات وتحقيق الهزيمة داخل الذات قبل أن تسيل الدماء وتهدر الأراضي وتدمر المعدات وتحتل الأقاليم.. الجديد الآن هو أن ذلك يتم بشكل مباشر وعلني.. ومن منابر يفترض أنها صديقة.. ومن داخل منصات محلية.. وأعتقد جازما أن مصر قد تعرضت في الأيام الأخيرة إلي جولة مريعة من هذا النوع السافر في التعدي علي الاستقرار.. عبر حملة إعلامية موسعة.. كان لابد من التعامل معها فورا.. وبدون خجل.. خصوصا أن لها أسسا هشة.. وأهدافا معلنة وصريحة.. ولا أعتقد أنه كانت هناك حرب نفسية أوضح من تلك التي تعرضنا لها خلال الأسبوع الماضي.. ولم نزل ..مع وجود استثناء واحد هو ما واجهته مصر إبان (حرب غزة).
علي كل، هذا التمهيد، ليس سوي مدخل من أجل تعريف أهم مرض يساعد تلك الحرب النفسية، والتعديات الإعلامية في أن تحقق مكتسباتها وتنال مرادها، ولو مؤقتا. وأعني هنا: (عجز النخبة).. تلك التي تتحدث الآن عن (مأزق الدولة) سواء في مصر أو المنطقة العربية عموما.. عجز سببه أنها (نخبة) نصف مثقفة، غير مبتكرة، ليست قادرة علي أن تعمل إمكانياتها.. لأنها أصلا ضعيفة، ترتعب من المتغيرات.. وتصدر مخاوفها إلي الجمهور.. بدلا من أن تعينه علي الفهم.. وهي من الأصل أسقمها (عدم الإمكان) وأمرضها (عدم الإلمام) بحيث تفاجأ بالأحداث.. ولا تقوي علي تحليلها.. وبدلا من أن تقود الجمهور فإنها تنقاد معه.. لا تجيب عن تساؤلاته.. بل تضيف إلي استفهاماته.. فلا تكون سدا بل ثغرة.. ولا تصير حصنا بل ثقوباً.
النخبة في المجتمعات الغربية، تلك التي تنقل عنها في بعض الأحيان النخبة المصرية والنخبة العربية، حفظا وتقليدا لا فهما وابتكارا، إنما تقود العصور.. وليس فقط المجتمعات والدول.. النخبة الغربية.. تضع المفاهيم التي تبني عليها سياسات الدول.. لا ترتبك أمام الأحداث العابرة.. وتتنبأ هي بالتوقعات حتي لا تكون غادرة هادرة.. وأمام الجميع إسهامات العقل الغربي في صناعة صراع الحضارات بديلا للحرب الأيديولوجية الباردة.. بغض النظر عن خيرية هذه الصناعة من شرها.. لكنها علي كل حال تمكنت من أن تصنع لحضارتها خصما يبقيها حية مشتعلة الجذوة ملتهبة الأعصاب.. فتكون المجتمعات في حاله تحدٍ.. ومستنفرة.. وراغبة في التغلب علي الخطر.. وتحصن نفسها بمزيد من التفوق.
نخبتنا خاملة، لا تعمل عضلة العقل، ولا فضيلة الإبداع، وهي تقيس علي (باترونات قريبة)، وليس لديها عمق تاريخي، ورؤيتها منقوصة، وتصوراتها مبتسرة، ولا أريد أن أضيف أن بينها فئات تابعة مستغرقة في التبعية.. فكثير ممن ينتسبون للنخبة إنما هم أدوات في برامج معقدة ووسائل لتنفيذ أجندات غير وطنية.. لم يعد يخجلهم أن يفصحوا عنها ولم يعودوا متمسكين بإخفائها.
- الثقة في الدولة
سوف أنحي جانبا هنا مجموعات الفوضويين، والانتهازيين السياسيين، الذين قفزوا إلي صدارة الأحداث طمعا في أن يستثمروا الحدث التونسي من أجل تحقيق مكاسب رخيصة في مصر، نيلا من استقرارها.. هؤلاء معلنون وواضحون.. ومعروف مرادهم وحدود حجمهم.. ولكني أقصد بالتحديد النخبة التي انساقت وراء هؤلاء.. وبدلا من أن تلجمهم.. انجرفت خلفهم.. وتحولت إلي جزء من كتائبهم.. وصارت من مدافع الحرب النفسية.. ووقودا في التعديات الإعلامية.. وأداة في التشويه السياسي واهتزاز الاستقرار. لقد عرفت مصر هذه الحالة مرات متكررة، وقاست من نخبتها.. فقد ارتعشت حين هاجم الإرهاب البلد.. وراحت تختبئ في أغلب الأحوال.. أو تتواطأ معه حين تظهر. كان هذا في التسعينيات.
وفيما بعد اندلاع الهجوم الأمريكي علي العراق وتسويق مبادرة الشرق الأوسط الكبير وضغوط إدارة بوش، ثم مع تفاعلات الحراك في مصر، كان أن بدأت تلك النخبة تستعد لزمن جديد.. بل راحت تبشر به.. بدلا من أن تحصن المجتمع ضد احتمالات الفوضي أو تعين الدولة علي تحدياتها أو تساعد المجتمع في مواجهة المخاطر.
ومن هنا لا ثقة إلا في الدولة وعمق مكنون المجتمع. أما النخبة التي يفترض أن تكون ضلعا محوريا في المثلث (الدولة / النخبة / الجمهور) فلا طائل منها.. ضربتها الاختراقات.. وشلتها الحسابات الذاتية.. الدولة هي التي حمت هذا البلد وفاءً لمسئولياتها في مواقف وتحديات كثيرة.. أبرزها في السنوات الأخيرة ما تعرضت له في حرب غزة عام 2009.. حيث واجهت أخطر هجوم سياسي يقوم علي أعتي الحروب النفسية والتعديات الإعلامية. والمجتمع ومعه الدولة - لكن المجتمع بالأساس - هو الذي حمي بلده حين كشف عن معدنه الأصيل في تفاعل جمعي مهيب خلال الأحداث التالية للإرهاب الذي تعرضت له كنيسة القديسين في مطلع العام.
النخبة في الحالة الأولي إما أنها تماهت ضمن فيالق الحرب النفسية المضادة للدولة والمتعديه علي أمنها القومي، أو أنها اختبأت إلي أن عبرت البلد التحدي المجمع، متمثلا في حملة إيرانية سورية، وأيضا بمعونة إسرائيلية، حاولت أن تفقد الحكم شرعيته وتضعه في مربع التواطؤ مع إسرائيل دافعة إياه إلي الاشتباك في حرب.. لرد الاتهام بأنه مشارك فيما جري لغزة.
في الحالة الثانية، تخبطت النخبة في الانخراط في مطالبات لا تراعي توازنات المجتمع، وداعية إلي هرولة غير مدروسة، وأضافت نفسها ضغطا زائدا إلي جانب عوامل الإرهاب.
الآن، وبعد انفجار أحداث تونس، انكشفت النخبة مجددا، وراحت تكشف ظهر المجتمع، تتحدث عن ثورة قادمة، وعن نظام سوف يمضي، واستقرار سوف ينهار، وبلد لم يعد له خيار . تبشر بالفوضي وتنذر بسواد الأيام وتدعو الناس إلي التعامل بأريحية مع الكارثة المقبلة فهي لا مناص منها.. وفق مقاييس أولئك.
لم تدهشني هذه الحالة . من قبل، فقياسا علي مظاهرات 18 و19 يناير 1977 انتظر الكثيرون أن تقوم انتفاضات مثيلة في مصر، وقاسوا علي أحداث سبتمبر 1980 أنه يمكن أن تندفع الإدارة نحو إلقاء القبض علي مئات من المثقفين والصحفيين والمعارضين، بل توقع البعض في منتصف التسعينيات أن تتعرض مصر لما وقع في المكسيك نتيجة تطبيق سياسات اقتصادية بعينها، وظنوا أنه يمكن أن تقع في مصر تغييرات كتلك التي وقعت في أوكرانيا.. غير منتبهين إلي أن أوضاع أوكرانيا انقلبت فيما بعد علي عقبيها، وفي عام 2003 بشروا بوقوع ما جري للعراق علي يد الغزو الأمريكي في مصر.. بل إن هناك من طالب وقتها الأمريكيين بأن يأتوا.
- جذور الجهل
في عمق العجز الذي تتميز به النخبة يرسخ مكون متجذر اسمه (الجهل)، ويتعانق معه مكون اسمه (افتقاد الوعي التاريخي)، وكلاهما يتغلف في غشاء من «سقوط المعايير».
في هذا السياق هالتني ردود الأفعال علي الأحداث التونسية التي قيس عليها ما يمكن أن يطرأ علي مختلف الدول العربية.. ليس تخفيفا من أثر ما جري في تونس ..فهي علي قلة حجمها حضرت إلي مختلف البقاع عبر الشاشات والتواصل الإلكتروني.. ولكن لأن نظرة متفحصة إلي أحوال المنطقة تشير إلي أننا نعاني من وقائع مثيلة واضطرابات مهولة منذ زمن بعيد.. لكن النخبة لا تقرأ ولا تطالع ولا تعيد النظر إلا إلي لما تحيطها به علما الشاشات.. فقد هجرت الكتب وتجاهلت الذاكرة.
لا يمكن مقارنة تأثير الأحداث التونسية علي الإطلاق بما فعلته ثورة إيران بكل زخمها وقوتها وحجم الدولة التي جرت فيها.. وقد كانت لها زعامة واضحة وأيديولوجية صريحة ومنهج معلن.. بل تقول للجميع أنها سوف تصدر نفسها قسرا إلي كل الدول المحيطة.. وقد كانت ولم تزل ثورة توسعية راغبة في فرض نفسها علي كل المجتمعات الأخري.. كل بقدر وحسب القرب الجغرافي ومعيار المصلحة الفارسية.
ثورة إيران، بغض النظر عن موقفي من الشخوص والبرامج التي أنتجتها، وعن رفضي للنظام الذي أسقطته، كانت نموذجا ملهما لكثير من الجماعات السياسية في المنطقة، وأحد أهم أسباب صعود الإسلام السياسي، وهي المسئولة حاليا مع عوامل أخري عن كثير من مسببات عدم الاستقرار في الإقليم الشرق أوسطي الذي يحتل الإقليم العربي أغلب نطاقه.
كيف يمكن أن نقارن هذه الثورة الخومينية بثورة الياسمين، كما تسمي أحداث تونس؟ وكيف يمكن تجاهل أن المنطقة في خلال السنوات الثلاثين الأخيرة شهدت ما لا يقل عن أربعة انقلابات غيرت أشكال النظم في دولها ..منها انقلاب نفذه زين العابدين بن علي نفسه في عام 1987 علي الرئيس الراحل بورقيبة، ووصول أمير قطر الحالي إلي حكم بلده، والانقلاب علي جعفر النميري في السودان، وحزمة من الانقلابات في موريتانيا، ومن قبل علي سياد بري في الصومال.
لا أحد يعقد هذه المقارنات العلمية لأنها يمكن أن تؤدي إلي نتائج غير تلك التي دفعت إليها وسائل الإعلام الجمهور، حيث بلغ نقطة الفزع، ولا مفر أمامه من خوفه إلا الاستسلام لما أوهموه أنه قدره.
الحقيقة المرة الثانية التي تتجاهلها النخبة لأنها تضع علي كاهلها معضلات لا يمكن أن تحتمل عبئها، هي أن هذا الإقليم الذي نعيش فيه لم يعرف معني الاستقرار منذ زمن بعيد.. لن أعود إلي التشطير الذي افتعل في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية ووعد بلفور ومعاهدة سايكس بيكو، ولا إلي حرب 1948 وما تلاها من حروب، ولكني أبدأ الاجترار التاريخي من عند الحدث الإيراني.. عبر ثلاثة عقود كانت ولم تزل أعوامها كلها تشهد تقلبات كل منها قادر علي صنع عصر مختلف.
- منذ ثورة إيران
فيما بعد الثورة الإيرانية، اندلعت حرب عراقية - إيرانية استمرت عشر سنوات كاملة، بدت كثور هائج.. تقلب الخليج العربي بين قرنيه المدببين . وفي غضون ذلك وقع غزو لبنان من قبل إسرائيل.. وما لبثت الحرب المدمرة أن انتهت حتي غزا العراق الكويت في عام 1990. ومن ثم جاء التحالف الدولي لكي يحرر الكويت.. ويحقق نصف غزو للعراق.. فرض عليه بالتالي حصارا أبقي صدام في موقعه اثني عشر عاما أخري.. قام فيها بكل ويلات حكمه.. التي أضيفت أسبابا لكي يتم غزو العراق في 2003 .
التفاعلات الإقليمية لم تكن وحدها المؤثرة علي الإقليم نفسه.. ففي نهايه الثمانينيات سقط الاتحاد السوفيتي، واندلعت الانتفاضات المرتبة بتحريض من حلف الأطلنطي والفاتيكان في كل أوروبا الشرقية، وبالتزامن مع ذلك تفجرت مفاهيم تدعو إلي إنهاء عصر الدولة الموحدة جامعة العناصر المختلفة، لصالح الدولة وحيدة العنصر.. المستحيلة.. ومن خلف هذا بدأ الحديث يتصاعد عما عرف بحقوق الأقليات ليس في تقاسم المسئوليات المجتمعية ولكن حقوقها في أن تنفصل جغرافيا.. ومن ثم انتقل هذا الحديث من أوروبا إلي الشرق الأوسط.. وبدأ الحديث المتصاعد عن الأكراد في العراق.. وعن جنوب السودان.. وعن الأمازيج في المغرب العربي.. وبالتالي عن الأقليات الدينية المختلفة.
كانت التسعينيات وبالا علي مجموعة من الدول العربية.. خصوصا في شمال أفريقيا.. فقد ضرب الإرهاب الملتحف بالدين كلاً من مصر.. والجزائر.. ونوعا ما تونس.. لأسباب مختلفة ومقادير متفاوتة ..لكن حروب الإرهاب التي هزت الاستقرار في دولة وقوضته في دولة أخري لم تؤد إلي سقوط إدارات.. وعبرت مصر الأزمة من ثقب أسود لمذبحة مريعة في معبد حتشبسوت.. ووصلت الجزائر إلي صيغة توافقية.. وقضت تونس نهائيا علي أي أثر ليس فقط للإرهاب وإنما أيضا لكل ألوان الإسلام السياسي .
لكن التسعينيات شهدت بدورها عرضا آخر، نبع من انعقاد المؤتمر الدولي للسلام في مدريد، وهو ما عرف بالسوق الشرق أوسطية.. والتعاون المشترك بين الدول العربية وإسرائيل.. وعروض التطبيع بين كل العرب وخصمهم التاريخي.. قبل أن تتم أي تسوية.. وقد هرول بعض العرب.. وصنعت الهرولة كثيرا من التفتيت في المواقف.. واضطرابات في المسالك الإقليمية.. ولم يشأ العقد أن ينتهي ويسلم أمره لعقد آخر.. حتي اندلعت انتفاضة الفلسطينيين الثانية في عام 2000 .
كانت الانتفاضة الأولي التي شغلت العرب سنوات طويلة قد اندلعت فعليا في عام 1988. وكان وقودها الحجارة.. ولكن الانتفاضة الثانية غيرت من أساليبها وأصبحت مصدر تهديد حقيقيا لإسرائيل التي ما إن تمكنت من خمدها.. متجاوزة كل الأفكار والمقترحات بل التوقيعات التي تعهدت بها من أجل إتمام السلام حتي راحت تخلي غزة من احتلالها.. صانعة انسحابا أدي إلي فوضي مريعة.. فلا هي تركت أرضا احتلتها ولم تزل تحتلها قانونا.. ولا هي بقيت فيها.
دخلنا القرن الواحد والعشرين أيضا بكارثة مروعة . حدثت بعيدا . ولكنها كانت مؤثرة تماما في مصير المنطقة . وأعني بذلك إرهاب 11 سبتمبر 2001. إذ كما أنه كان عاصفة دموية علي الحضارة الأمريكية ذات الرونق من حيث لم تتوقع.. فإنه كان إعصارا علي المنطقة العربية.. ليس فقط من أجل تصفية الحسابات مع مجتمعات ودول اعتبر الغرب أنها مسئولة مسئولية مباشرة عما جري في نيويورك.. حتي لا يواجه نفسه بالحقيقة المرة وهي أنه هو الذي صنع تنظيم القاعدة.. وإنما أيضا من أجل تعديل أوضاع منطقة استكمالا لما تم ترتيبه منذ زمن بعيد.. هناك في عام 1917 حين أعطي الاستعمار البريطاني لليهود وعدا في وطن بفلسطين.. وفق تطبيق مريع لقاعدة الاحتيال العظيمة: من لا يملك أعطي لمن لا يستحق.
العقد الأول من القرن العشرين كله، لم تذق فيه المنطقة طعم الاستقرار، فمن غزو العراق في 2003 إلي اغتيال الحريري في 2005، ومن انقلاب حماس علي السلطة في 2007 إلي غزو البشر من غزة لمصر في نهاية نفس العام، ثم اندلاع حرب غزة في نهاية العام التالي وبداية العام 2009.
وصولا إلي التصعيد الملتهب في ملف إيران.. وبالتوازي مع هذا اندلاع الإرهاب في أرض الفوضي العراقية.. ونشوء مشروع تفكيك السودان.. وتورط السودان نفسه في تفكيك نفسه من خلال ما يحدث في دارفور.. وصولا إلي الاستفتاء الذي أقر تقريبا انفصال جنوب السودان وها هي في بداية العام الجديد الأحداث التونسية.
- أوهام الاستقرار
ما هو المعني من كل هذا؟ ببساطة دون إخلال.. يجب أن نلاحظ ما يلي:
- لم يعرف الإقليم استقرارا بالمعني المتكامل لكلمة استقرار منذ زمن بعيد.
- استطاعت بعض الدول أن تصطنع لنفسها استقرارا منفصلا عن محيطها.. في الصدارة منها مصر.. بناء علي مقومات محلية.. لكنها ظلت قيد شظايا الإقليم الذي تعيش فيه.. ومن هنا تجد قنبلة تنفجر.. أو إرهابا يدمر.. من حين لآخر.
- مسئولية انعدام الاستقرار لا تقع علي عاتق الدول، بغض النظر عن رؤيتي لكل دولة علي حدة.. فكثير من الدول لديها مشكلات عويصة.. ولكن المسئولية تقع بالأساس علي التدخلات الخارجية المتتالية.. والمستمرة حتي من قبل أن نصنع تحررنا بأنفسنا.. ومنذ تم احتلال كل الدول العربية.. ومنذ كان أكبر وأخطر تدخل خارجي هو الذي دمر استقرار الإقليم وأعني بذلك زراعة وصناعة إسرائيل في المشرق العربي.
- ومن ثم فإن النخب العاجزة، ليس عليها أن تحمل المسئولية علي ما تصفه بأنه (مأزق الدولة)، هي في حقيقة الأمر تهرب من مسئوليتها التاريخية حين تذهب في هذا المنحي.. بل تخون ضميرها حين تفر من تأكيد أن مشكلات الإقليم تقع بالأساس علي من يطلبون ويضغطون من أجل تغيير أشكال المجتمعات وتبديل الحكام وتعديل الأنظمة وتفكيك الجغرافيا.
- لا أقصد بهذا مصر من دون غيرها، فهي الأبعد عمليا وتاريخيا عن كل السيناريوهات المطروحة، حتي لو نالت نصيبها من رياح الأعاصير.. لأنها واقعيا دولة تليدة.. وإدارتها تعبر عن مجتمعها.. ومؤسساتها راسخة.. وجغرافيتها ثابتة ولا تتضمن عوامل الانفجار كما هو الحال في كثير من الدول.
إن مشكلة الدول العربية، بخلاف زراعة إسرائيل، ومعاناتها من نعمة منابع الطاقة التي تحولت إلي نقمة تاريخية، هي أنها لا تترك من أجل أن تقوم بما تريد لمجتمعاتها.. بل ولا تترك المجتمعات لكي تقرر ما تريد بشأن نفسها.. وما يحدث الآن هو نوع من التدخل ليس فقط في إرادة الأنظمة وإنما في إرادة الشعوب.. بل في إرادة التاريخ.
وليس هذا الكلام كله هدفه أن أقول إنه لن تقوم ثورة في مصر، اقتداءً بالأحداث التونسية، ليس فقط لوجود اختلافات موضوعية، وبغض النظر عن أن المقارنة لا تجوز من الأصل.. بل هي مقارنة معيبة.. وإنما لأن المقالات لا تعطل ثورات.. والتحريضات بدورها لا تؤدي إلي تفجير هذه الثورات.. وحين تحين اللحظة ويختل التوازن وتنهار المعادلات وتسقط القواعد.. وتجد الشعوب أن عليها أن تتحرك فإنها تفعل.. بدون أن يثنيها عن ذلك مقال.. أو يدفعها إلي ذلك شعار يرفع أمام نقابة الصحفيين.
وفي هذا السياق أعود إلي فقرة شديدة الأهمية قالها الرئيس مبارك في خطابه الأخير أمام القمة الاقتصادية الاجتماعية العربية الثانية.. حين ذكر ما يلي: (كان لأزمات النظام الدولي الراهن ..منذ قمة الكويت 2009 .. كان لها الأثر الأكبر في تأكيد رؤيتنا نحن العرب للأزمات الاقتصادية العالمية.. وتداعياتها العابرة للحدود . أكدت لنا من جديد أننا لسنا بمعزل عن العالم.. بمشاكله وتحدياته وأزماته.. وأن جهودنا من أجل الإصلاح والتحديث والتنمية في بلادنا لابد أن تعي أوضاع ومعطيات مجتمعاتنا.. والعالم من حولنا . كي نمضي في القرن الحادي والعشرين بمجتمعات عربية منفتحة علي تقنيات العصر وعلومه.. وقيمه ومبادئه.. تعلي قيمة العدل والحرية.. وتحترم إرادة الشعوب وحقها في الحياة الكريمة) .
انتهي اقتباسي من خطاب الرئيس، وعلي الرغم من أنه لم يتضمن أي إشارة في هذه الفقرة أو غيرها من الخطاب إلي أحداث تونس إلا أنني أجده يتحدث عنها هنا.. ومن ثم يعلق عليها من طرف خفي.. مؤكدا علي كثير من المعاني:
- أحد أهم أسباب المتغيرات التي تدور في عدد من الدول العربية لها علاقة بالأزمة الاقتصادية الدولية وتأثيراتها العابرة للحدود.. ومن ثم فإنه لا يمكن لدولة أن تظن أنها بمعزل عن المتغيرات وبعيدة عن التأثيرات.
- إن هناك معادلة واضحة للإصلاح والتنمية والتحديث: أوضاع ومعطيات المجتمعات + العالم من حولنا . مشكلة بعض الحكام العرب أنهم لا يعون أوضاع العالم من حولنا ومأزق كثير من عناصر العالم من حولنا أنه يريد أن يتجاوز عن أوضاع ومعطيات المجتمعات العربية.
- إنه لا وجود في العصر الحالي لمجتمع منغلق . وأن أي مجتمع عربي لابد أن يكون منفتحا علي تقنيات العصر وعلومه وقيمه ومبادئه.. وهو ما يعني أن نموذج دولة بن علي.. الدولة التي كانت تغلق نوافذها أسوار الأمن والقهر لا يمكن لها أن تبقي.
-من بين كل القيم والمبادئ يركز الرئيس مبارك علي اثنتين: الحرية والعدل . ويضمن هذا (احترام إرادة الشعوب وحقها في الحياة الكريمة).. وقد وفر بن علي الحياة التي يمكن أن توصف بأنها كريمة لكنه لم يحترم إرادة الشعب.. كما لم يقر الحرية ولم يوقر العدل.
لا أستطيع أن أقول إن أحدا من عناصر نخبتنا السنية قد وصل إلي هذه الصيغة التي وردت في خطاب سياسي رسمي.. كما أن الاجتهادات الفكرية لم تبلغ هذا المستوي من النضج.. وليس هذا امتداحا لكلام الرئيس بقدر ما هو تسليط لمزيد من الضوء علي عجز النخبة.. وفرارها إلي الأمام بدلا من غوصها في الواقع.. ولجوئها إلي حلول مستوردة.. سواء كان المصدر أمريكيا أو حتي تونسيا وفي أحيان كثيرة أخري إيرانيا.
سوف أفترض أن الدولة في مأزق، أي دولة عربية، ولكنني سوف أطرح علي تلك النخبة في مختلف البقاع العربية تساؤلات تتجاوز الأحداث التونسية.. بهدف استطلاع رأيها وموقفها ورؤيتها في المسائل التالية ..لكي يكون ما تقول هو النبراس المفترض للمجتمعات:
- هل يمكن تجاوز أوضاع أنتجتها مشكلة فلسطين، وتعطل عملية السلام، في اتجاه تطوير المجتمعات؟ هل يمكن تنحية هذا الأمر جانبا.. وتجاوزه.. بكل استحقاقاته الثقافية والسياسية والدينية والعسكرية والقانونية.. وتبعاته الأمنية ؟ إذا كان ممكنا واستطاعت الدول إقناع الشعوب أنها لا تخون تاريخها.. كيف يمكن تجاوز الأعباء التالية لإبقاء هذا الوضع متفجرا في حدود كل من مصر والأردن ولبنان وسوريا علي الأقل.
ü هل يتوافر نموذج متكامل يمكن نقله حرفيا من الخارج لتطبيقه في أي مجتمع عربي.. لكي تفر الدولة.. أي دولة.. من اتهامها بأنها في مأزق؟ هل نطبق النموذج الأمريكي؟ هل نتبع النموذج السويسري؟ هل نمضي نحو النموذج الصيني؟ هل يصلح لنا النموذج الكوري الجنوبي.. أو الجنوب أفريقي.. أم مزيج من هذا كله؟ أعرف أننا لا نخترع العجلة.. ولكن أيا من تلك النماذج سيكون لائقا بمصر مثلا.. أو السعودية .. وفي أي مدي زمني يمكن تحقيق نتائج ملموسة ومرضية إذا بدأنا الآن وفورا.
- بعيدا عن المعضلات الكبري، ما رأيكم في معضلة أصغر وأقل حجما.. وهي تتعلق بالأزمة الاقتصادية الدولية.. التي مهما بلغ تحصن الدول منها فإنها تعاني من ويلاتها.. وقد قال وزير الخارجية أحمد أبوالغيط في ختام قمة شرم الشيخ: إن في الولايات المتحدة بطالة نسبتها 20%.. تري هل نحن محصنون من هذه الأزمة.. وإذا كنا قد تحصنا لفترة من موجاتها الأولي.. علما بأن الوزير رشيد محمد رشيد قد قال إنها سوف تطيح بأنظمة ودول.. تري كيف ندير أمورنا التالية في ظل تصاعد أسعار الطاقة.. وأنه لايجوز أن يرتفع معدل العجز في الموازنة العامة.. لأنه يؤدي إلي كوارث اقتصادية.. كيف علي سبيل المثال يمكن أن تتعامل الدولة مع مسألة الدعم الموجه إلي أسعار الطاقة؟
حين تجيب النخبة المتشدقة بما حدث في تونس والتي تدق أجراس الوعيد بأنه قد يتكرر في دول أخري.. فإنني وقتها سوف أرفع عنها وصف العجز وأشاركها اتهام الدولة العربية بأنها في مأزق تحديثي معقد.

عبد الله كمال
يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى
www.abkamal.net
أو موقع روزاليوسف:
www.rosaonline.net
أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:
http//alsiasy.blospot.com
http//:abouzina.maktoobblog.com
أو للمتابعة على موقع تويتر:
twitter.com/abkamal
Email:[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.