بطريرك القدس يقرأ زمن الحرب ويدعو لتنقية الذاكرة وكسر حلقة العنف    احتجاجا على تدني أجورهم.. عمال شركة "أمون للأدوية" يواصلون اعتصامهم لليوم السادس    من العام القادم، طلاب الثانوية العامة يبدأون رحلة المضاربة في البورصة    صدمة في أسواق الذهب، الأسعار تهوي إلى 4628 دولارا للأوقية    مجلس الوزراء: البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات يوفر حوافز لبناء قاعدة قوية لصناعة السيارات والصناعات المغذية لها في مصر    مقتل 24 مدنيا روسيا في هجمات أوكرانية خلال أسبوع    رئيس الموساد يزعم: اخترقنا لبنان وإيران وحصلنا على معلومات حساسة    من القاهرة إلى غزة، قافلة «زاد العزة 184» تحمل 4685 طن مساعدات للأشقاء    مع استمرار إغلاق مضيق هرمز… أسعار النفط تواصل الارتفاع والبرميل يسجل 110 دولارات    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    ترتيب مجموعة الهبوط في الدوري المصري قبل الجولة السابعة    دوري أبطال أوروبا، موعد مباراة باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ والقناة الناقلة    استعدادا لكأس العالم، منتخب مصر يواجه روسيا وديا 28 مايو    تجديد حبس عاطل متهم بطعن شاب ببولاق الدكرور    إصابة 11 شخصا في حادث تصادم أعلى الطريق الصحراوي بالإسكندرية    500 جنيه للطالب للتداول في البورصة، مفاجأة جديدة من "التعليم" بشأن الثقافة المالية    حملات تموينية للرقابة على منظومة الخبز المدعم في الغربية    3 جرام حشيش وزجاجة خمر، أحراز قضية نجل ميدو    من الرواية إلى الشاشة.. نور الشريف في حضرة نجيب محفوظ    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    ماجواير: كنا نخسر دائما مع أموريم.. وكاريك غير الخطة لكي نفوز    الزمالك يقترب من اللقب.. ترتيب الدورى المصرى بعد انتهاء الجولة الرابعة    وزير التخطيط يبحث مع شركة "أيادي للاستثمار" سُبل دعم قطاع ريادة الأعمال    تجديد حبس 6 متهمين باستغلال الأطفال الأحداث في أعمال التسول بالقاهرة    مع سوء الأحوال الجوية.. اللواء أحمد هشام يكشف للفجر تفاصيل الحالة المرورية اليوم الثلاثاء    التعليم والمالية تطلقان منهج «الثقافة المالية» لطلاب الثانوي    20 معلومة عن مونوريل شرق النيل    «الأرصاد»: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة اليوم.. والعظمى 29 درجة    رئيس مياه الفيوم: قرب الانتهاء من ربط المرحلة الثالثة بمحطة العزب الجديدة ضمن «حياة كريمة»    قصر ثقافة أسيوط يحتفل بعيد تحرير سيناء    دراسة علمية تحذر من خطورة المكملات الغذائية للأطفال    دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية    جامعة أسيوط تطلق قافلة تنموية شاملة لقرية بني محمد بمركز أبنوب    «آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979    مقتل 29 شخصا في هجوم لمسلحي «داعش» على قرية شمال شرقي نيجيريا    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الثلاثاء 28 أبريل في الأسواق    أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية    مدرب بيراميدز: كنا الأحق بالفوز أمام الزمالك.. ولا مجال لإهدار النقاط في سباق اللقب    لاعب الزمالك السابق: صراع الدوري مشتعل حتى النهاية.. والحسم في الجولة الأخيرة    خيري بشارة يسلم تكريم منى ربيع وحسن جاد بافتتاح الإسكندرية للفيلم القصير    ترامب يرفض المقترح الإيراني لإعادة فتح مضيق هرمز    أنا بتعلم منك.. ياسر علي ماهر يكشف تفاصيل مكالمة من عادل إمام بعد فيلم «كابتن مصر»    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة- الإسكندرية».. الثلاثاء 28 آبريل    حقيقة فيديو شرطي سيناء المسرب وقرار عاجل من الداخلية بإنهاء خدمته    بعد الفوز على الأهلي.. تعرف على فرصة بيراميدز للتتويج بلقب الدوري    في خطوات بسيطة، طريقة عمل اليخني اللحم بالخضار    3 نتائج مذهلة، الكشف عن تمرين بسيط لهذه العضلة يساعد في ضبط سكر الدم لساعات    الصور الأولى لزوجين بالشرقية قُتلا طعنًا داخل منزلهما    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 28 أبريل في القاهرة والمحافظات    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    جمال عريف ل صاحبة السعادة: أكبر مصنع صلصة بالصعيد ونصدر ل23 دولة    غرفة المنشآت الفندقية: لا يجوز منع المرأة من الإقامة بمفردها.. والحكم بحبس مدير فندق رادع لكل الفنادق    مصر أولاً    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الستر والعولمة «تجربة قرية مصرية»
نشر في صباح الخير يوم 18 - 10 - 2011

«الدين والتصور الشعبى للكون» ..كتاب جديد فى مجاله فهو يدرس العوامل التى تعزز الشعور الخاص بالهوية من خلال دراسة الممارسات والمعتقدات الدينية والكونية فى المجتمع القروى المصرى ، وبالتالى يناقش اتجاهاته نحو العولمة وما تثيره من قضايا.
«الدين والتصور الشعبى للكون» هو الكتاب الذى ألفه وترجمه إلى العربية السيد الأسود، وصدر عن المركز القومى للترجمة، وقد انشغل السيد الأسود بقضية مهمة وهى محاولة تيسير فهم حقيقى للتفاعل بين الدين والتراث المحلى والعولمة، وهذا الكتاب ثمرة من ثمرات هذا الجهد.
* الريف المصرى والحداثة
اختار المؤلف فى دراسته العلمية قرية الحدين والتى تقع بمحافظة البحيرة غرب الدلتا بمصر، حيث تقدر المسافة بين القرية ومدينة كوم حمادة بحوالى تسعة كيلومترات وتقع الحدين على مسافة حوالى 140 كيلو مترا شمال غرب القاهرة.
وينطلق الباحث من رؤية مؤداها «أن الناس عندما يعبرون عن وجهة نظر أو عن تصوراتهم الشعبية للكون فإن رؤيتهم تتضمن افتراضات حول طبيعة المجتمع والكون وبالتالى تسهم هذه الرؤى فى تكوين مواقفهم كأفراد وجماعات تجاه الكون وقضاياه»
التصورات الشعبية للكون أو رؤى العالم فى القرية المصرية قد أثرت تأثيرا كبيرا على الشعراء والروائيين بصفة خاصة، فقدم عبدالرحمن الشرقاوى، ويوسف إدريس، وعبدالحكيم قاسم صورا عبقرية لحياة الريف المصرى وتم تصوير العالم من منظور الفلاحين كما فى رواية «الأرض» لعبدالرحمن الشرقاوى، و«أيام الإنسان السبعة» لعبدالحكيم قاسم، والكثير من أعمال يوسف إدريس.
وتأتى هذه الدراسة لقرية الحدين كنموذج لدراسة التصورات الشعبية للكون، والممارسات الدينية والمعتقدات التى تؤثر فى رؤية الكون وقضاياه لتؤكد أن الريف المصرى قد طور نموذجا للحداثة خاصا به، وأن التصورات والممارسات الشعبية التى تعتمد العالم المنظور أو المحسوس والعالم غير المنظور أى التجربة الروحية تعزز إمكانية تحقيق تجربة دينية وثقافية متكاملة.
وتفند الدراسة النموذج الغربى السائد عن الحداثة من خلال توضيح أن القرويين المصريين لديهم نموذج خاص بهم عن الحداثة العلمانية التى لا ترفض أو تنكر التوجهات الدينية. ومن الجدير بالذكر أن السيد الأسود فى دراسته يرى أن : «كلمة «فلاح» ليست محصورة فى التعريف المهنى الذى يشير إلى العامل المستقل الذى يعمل فى أرضه أو ذلك الذى يعمل فى أرض الغير، بل تستخدم على أنها تصور شمولى أو موحد يعكس القيم الاجتماعية ورؤى العالم المشتركة بين هؤلاء الذين ولدوا ويعيشون فى المجتمع القروى، ومع الأخذ فى الاعتبار أن معظم المصريين بما فيهم أغلبية هؤلاء الذين يعيشون فى البيئة الحضرية لديهم جذور فى المجتمع القروى».
* ثورات الفلاحين
ويناقش الكتاب بعض الاتجاهات للباحثين الغربيين الذين ينظرون لنموذج المركزية الأوروبية المهيمن والذى يرى أن الغرب أو أوروبا أو المركز يمكن تعريفه فقط من خلال مقابلته للمجتمعات غير الأوروبية الهامشية التى توصف بأنها مجتمعات سابقة على التحضر أو غير متقدمة، وادعت بعض هذه الدراسات أن الفلاحين المصريين يتسمون باللامبالاة والسلبية السياسية وهو ادعاء يعكس تحيزا للنموذج الأوروبى المهيمن ويفتقر إلى دليل حقيقى وجوهرى.. فالشواهد التاريخية قد أظهرت بوضوح أن الفلاحين كانوا منخرطين فى ثورات مثل تلك التى وقعت فى 1882، و1919 المناهضة للاستعمار وبطش الدولة.
وعلى صعيد آخر هناك دراسات غربية معاصرة تؤكد أن الحضارة نتاج لكثير من الثقافات المختلفة وليس لانتصار الغرب أو أوروبا المعاصرة، بل ترى أن الانشغال بالمعايير الغربية أو رؤية الغرب فى مقابل الآخرين، تعرقل الفهم الموضوعى للمجتمعات التقليدية أو غير الغربية، ويشير السيد الأسود إلى ما قاله الباحث جاك جودى :
«لقد فشلنا فى أن نعطى اعترافا كاملا لإنجازات المجتمعات الأخرى المتأدبة بسبب الانشغال بتفرد الغرب، هذا النوع من التفكير يكون متأصلا فى التقسيم: نحن / هم الذى يكون ثنائيا وعنصريا.. نحن نتكلم فى حدود من البدائى والمتقدم كما لو كانت العقول البشرية ذاتها تختلف فى بنائها مثل الآلات ذات التصميم التقليدى».
* التراث فى المجتمعات التقليدية
ومن النقاط المهمة التى يناقشها الكتاب هو كيفية النظر إلى التراث فى المجتمعات التقليدية فتؤكد بعض الدراسات الغربية أنه لا يمكن النظر إلى التراث على أنه نوع من الرواسب المرتبطة بالمجتمعات السابقة على التحضر أو الحداثة بسبب حقيقة أنها موجودة تاريخيا فى كل الثقافات الحديثة وغير الحديثة على حد سواء.
* الجانب السلبى من العولمة
ويلقى الكتاب الضوء على أنماط تفكير القرويين المصريين فيؤكد أن : الفلاحين المصريين ليسوا منسحبين من أنشطة الحياة الدنيا، ولا هم منغمسون بصورة غير رشيدة فى الحياة الآخرة، كما أنهم لا يرفضون التحديث أو التحضر، لكنهم يرفضون التوجه أو النظرة العلمانية التى تنكر المعانى والمفاهيم الدينية.
وعلى المستوى المحلى قوبلت التقنية الحديثة، ومشروعات التنمية بالترحاب الشديد وتم تطبيقها دون اعتراض من الناس أو قادة الدين، وانتشرت الوسائل الحديثة فى التعليم والاتصال والمواصلات، والمشروعات متضمنة المدارس، وشبكات الهاتف والكهرباء، والتلفاز والطرق المعبدة.
وطبقا لرؤية الفلاحين الذين يدفعون أولادهم دفعا نحو التنافس للحصول على تعليم أفضل لا يوجد تناقض بين العلم أو التقنية الحديثة والإيمان الدينى غير المقيد بأنماط التفكير العلمانى والأمر هنا ليس هو رفض التغيير الذى تعتبره العلمانية الغربية دليلا على اللا عقلانية التقليدية ويؤكد السيد الأسود أن : «الأمر يتعلق بملاءمة الحديث والمعاصر للبيئة أو الجماعة المحلية، وفى هذا السياق يصبح من الواضح لماذا يرفض الفلاحون أنماطا معينة من السلوك العلمانى الغربى خاصة تلك الأنماط المرتبطة بالمغالاة فى الاهتمام بالجوانب المادية، والاستخدام المفرط لمفهوم الحرية والعلاقات الجنسية غير المنضبطة»
بل يرى القرويون أن مشكلة العلمانية تتمثل فى أنها ركزت ليس على الحياة فى شمولها، بل على جوانب مجزأة ومنفصلة فهى تركز على «هذه الحياة» دون «الحياة الأخرى» وعلى العقل الرشيد دون الإله، وعلى الجسد دون الروح، وعلى الكون دون قيم، وفى هذا السياق تحول العالم كما يراه القرويون ليصبح عالما دون روح خاليا من المعنى والنعمة أو البركة بمعنى أنه عندما يتحرك العالم بعيدا عن جوانبه الروحية والأخلاقية ويحصر نفسه فى الأهداف المادية فإن النتيجة المحتومة هى فناء الكون.
* التصور الكونى للرزق
ويشير الكتاب إلى أن نوعا من الحداثة العلمانية قد طورها الفلاحون فى حياتهم العامة وبخاصة الحياة الاقتصادية فهم يعملون فى أنشطتهم الدنيوية والاقتصادية بجد واجتهاد من أجل تحقيق أعلى دخل وأقصى منفعة ترفع من أوضاعهم الاجتماعية، لكن هذه الأنشطة تكون مبررة من خلال التصور الكونى للرزق الذى ينتمى إلى عالم الغيب الذى لا يعلمه إلا الله، والقوة الكونية الخاضعة والمسيرة بمشيئة الله الرزاق الحليم الستار وتنعكس على سبيل المثال فى عظمة السماء وقوة البركة والأشياء أو الأماكن المقدسة والأوقات المباركة، والبشر، وخاصة الأنبياء والأولياء والصالحين وهذه القوة الكونية الكامنة تعزز الاعتقاد بأن الرأسمال الكونى يكون جوهريا وأساسيا فى بناء الكون، فالتأكيد على الاعتقاد بأن الرزق يكون محكوما بالقوة الإلهية يبدو فى قول الفلاحين :
«إجرى جرى الوحوش غير رزقك لن تحوش»، وهذا القول لا يتضمن توجها قدريا صرفا، بل يشير إلى قوة إلهية مطلقة تحكم الكون بمنطق الرحمة الذى يتعدى الفهم البشرى.
* الرأسمال الرمزى
ويؤكد المؤلف أن أنشطة الفلاحين الاقتصادية لا تنفصل على رأسمالهم الرمزى، والذى يشير إلى مبادئهم الاجتماعية والأخلاقية والدينية فقبل أن يبدأ الفلاحون عملهم اليومى أو يدخلوا فى أى نوع من التجارة يحرصون على قول : «صلاة النبى رأسمالى ومكسبى»، والعمل الجاد يعتبر من القيم المحورية التى تضاعف الرأسمال الرمزى والاقتصادى أو المركز الاجتماعى والدخل، ولكن نتيجة عمل الفرد مازالت تعتمد على مشيئة الله .
بل إن الحياة الاقتصادية للفلاحين المصريين تكون موجهة ليس بواسطة الخير المحدود أو اللا محدود بل بواسطة «الستر» والذى يتضمن معانى كثيرة متعددة مثل تلك التى تشير إلى كل ما يمكن أن يكون غير منظور أو محجوب أو مستور، والرأسمال الكونى للستر يستند إلى رؤية يتحدد فيها وبصورة قاطعة التمييز بين الحلال أو ما يتحقق بصورة أخلاقية ومشروعة والحرام أو ما يتحقق بصورة مشكوك فيها وغير شرعية.
فالشخص الثرى أو الفقير الذى يعيش قانعا ويحجم عن أن يسأل الناس حاجة أو دعما ماليا يعتبر شخصا مستورا اجتماعيا واقتصاديا، لكن الشخص الثرى الذى يتصف بالجشع لا يعتبر مستورا، لأن سلوكه يظهر ضعفه وتبعيته.
ومن هنا يمكن فهم الرأسمال الكونى من خلال رؤية كونية شمولية تستند إلى المنظور الدينى والتراث المحلى وهذه الرؤية بالفعل تحرر الفرد والمجتمع من ضغوط الاتجاهات المتزايدة نحو المادية والنزعة الفردية والتى تبقى على التوازن بين الأقوياء أو الأثرياء والفقراء الذين يظهرون قدرا كبيرا من الاعتداد بالنفس والاستقامة، فإذا سئل فرد عن حالته المادية يتوقع منه أن يجيب قائلا : «مستورة والحمد لله»، بل إن القناعة تظهر فى كلمات وحكمة القرويين المصريين فعندما يسألون عن أحوالهم المعيشية تكون إجاباتهم كالتالى : «إذا كان بالبيت خبز أو عيش فقط فإن سكانه يجب أن يشعروا بالستر»، أو : «إذا كان فى البيت عيش يبقى المٍش شبرقة»أو «من كان عنده العيش وبلّه عنده الخير كله».
ويتحدث السيد الأسود عن مناقشة له مع أحد الفقراء من القرويين فى «قرية الحدين» حول اتساع الهوة بين الغنى والفقير الناجم عن الجشع والتنافس على امتلاك الأشياء المادية فقال : «إللى يستره الرب ما يفضحه العبد».
* إيمان المصريين
والكون أو العالم فى التفكير القروى المصرى قد صور على أنه يتألف من جزءين مختلفين، لكن متكاملين غير منفصلين كما يذكر الكتاب أحدهما ظاهر يمكن معرفته، والآخر باطنى أو غيبى، ولا يمكن معرفته وتصور المنظور أو الظاهر يرتبط بالطبيعة، ولكن تصور الباطنى أو الغيبى يرتبط بالثقافة وتمثل الجوانب غير المنظورة من العالم مغزى أعظم من الجوانب الخارجية المنظورة، فيشير الغيب إلى ما هو مستتر وخفى مثل أحداث المستقبل غير المعروفة، وكذلك المعرفة الصوفية أو العلم اللدنى الذى يهبه الله لمن يشاء عن طريق البصيرة والإلهام، والميزة فى هذه الرؤية أنها تجعل غير المنظور يسمح بوجود تصور «الممكن» أو «الجائز» لأن هناك دائما مكانا للغيبى أو غير المنظور وهذا يفسر الخاصية الفريدة لرؤى العالم عند الفلاحين من حيث كونها مرنة ومنفتحة كما يفسر ميلهم نحو اليقظة والاستعداد لوقوع أى حادثة ممكنة أوغير ممكنة بل أن قوة تصور الغيبى المتخيل تتزايد وإن ما يجعل تصور الغيب تصورا محوريا هو أنه مؤسس دينيا، حيث أنه يشير إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهذا يفسر إيمان المصريين القوى بمشيئة الله وإرادته فهى التى خلقت ليس فقط الكائنات والقوى المنظورة أو غير المنظورة، بل أيضا الأحداث المحجوبة والمجهولة التى تستعصى على الفهم البشرى.
* الكون والفرد
التوازى بين العالم والفرد يظهر بصورة واضحة فى معتقدات القروييين المصريين فهم يظهرون اهتماما بالفرد داخل سياق الحياة فى جوانبها الظاهرة والخفية، ومجال الباطنى أو غير المنظور للكون والفرد هو المهيمن على تصوراتهم فثمانية عناصر من مكونات الشخصية التسعة مكونات باطنة أو غير مرئية، الجسد فقط هو المرئى، وهذه الجوانب غير المرئية لا تعتبر مظاهر غير عقلانية لعقلية سابقة على المنطق أو سابقة على التحضر كما يدعى بعض المفكرين بل تؤلف عوامل خلاقة فى نسق من التصورات الكونية المتخيلة التى تشكلها الثقافة والخبرات الشعبية للأفراد والجماعات فبدون العالم الباطنى أو الغيبى يفقد الظاهر معناه.
ويقول السيد الأسود فى كتابه : «إذا كان العالم الباطن غير المنظور يتألف من ثلاثة عوالم : عالم الروح، وعالم الملائكة، وعالم الجن والعفاريت فإن هذه المكونات غير المنظورة تكون مشابهة لمكونات الفرد غير المرئية : الروح، والملائكة «الملكان المستقران على كتف الإنسان»، والعفريت الذى يظهر ويصبح مشهودا بعد الموت «فى المعتقد الشعبى» هذا التوازى المتماثل يكون وحدة الكون أو العالم والفرد.
* تصورات البركة
يؤول الفلاحون كل الحظوظ والكوارث بأنها ناجمة عن القوى الخفية والغامضة، ورغم أنهم يعرفون جيدا العوامل والأسباب الطبيعية لمثل هذه الأحداث فهم يعرفون مثلا أن انتقاء الحبوب الجيدة ومراعاة الأوقات المناسبة للزراعة والرى، والعمل الجاد المستمر فى تنقية الحشائش الضارة ينجم عنها جميعا محصول جيد ويؤلف ذلك النمط من التفكير القائم على التجربة والمعرفة العملية، لكن إذا زاد المحصول أو قل عن توقعات الفلاحين بصورة ملحوظة فإنهم فى الحال يفكرون فى حدود من تصورات البركة أو الحسد .
ويؤكد المؤلف أن الأبعاد الخفية والمستترة من الكون والمجتمع والفرد تظهر ليس فى تصورات مجردة بل من خلال مظاهر خارجية ورموز جسدية .
* العيش والملح
ومن أبسط أشكال التبادل الرمزى الذى يشير إلى العلاقة الاجتماعية الجيدة هو تعبير الفلاحين القائل :«عيش وملح»، حيث يعد التبادل الرمزى بمثابة حدث عام وخاص يؤسس الروابط الاجتماعية وييسر التواصل بين الأفراد، ويعمق التضامن والاتحاد، فتبادل الهدايا فى الأعياد والطقوس وتبادل الهبات فى مناسبات دينية ودنيوية، وباطنية يعزز الصلات الاجتماعية، فالمناسبات الدينية مثل عيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوى والإسراء والمعراج، وشعائر معينة مثل الذِكر يحدث فيها التبادل الرمزى للهدايا والهبات.
وكذلك فى مناسبات دنيوية خاصة بشعائر الميلاد والزواج والموت، ومناسبات باطنية أو سحرية مثل طقس الزار وكلها تحدث فى واقع الحياة اليومية .
* الروحى والعلمانى
بل إن معتقدات القرويين الخاصة بالعالم الآخر تؤثر فى نظرتهم إلى العالم وإلى الكون فكما يقول المؤلف : الحياة فى هذا العالم تسمى «دار الدنيا»، أما دار الآخر فهى توصف بأنها دار الحق، وبين الدارين يوجد عالم القبر الذى يعد تحولا أو حالة انتقالية بينهما تجعل للموت دورا كبيرا فى بناء أو تصور القرويين للكون أو العالم، فالموت هو انتقال من هذه الدار «دار الدنيا» إلى الدار الآخرة التى تنتمى إلى عالم الغيب وهو عالم مجهول ولا يمكن معرفته، والروح كقوة غيبية لها دور مهم فى تخيل القرويين للكون وفى تفكيرهم الدينى.
ويمثل العالم الآخر فى المعتقد والخيال الشعبى بأنه العالم الذى لن يوجد به شىء مستتر أو خفى أو غير منظور فكل المخلوقات التى تنتمى إلى المجالات غير المنظورة ستظهر فى يوم الدين وفى يوم الحساب.
ويؤكد الكتاب أن قوة التصورات الشعبية للكون لا تكمن فقط فى اتساقها مع تعاليم الإسلام بل فى الثنائية المحورية «الظاهر / الباطن» التى يتم من خلالها التأكيد على الإلهى أو الروحى ولا يستبدل بما هو علمانى مطلق ويرى الفساد الاجتماعى والكونى على أنه علامة على نهاية هذا العالم الذى سوف يستبدل به عالم أبدى وإلهى خالص لا يقاسى فيه الصالحون الذين قاسوا الكثير فى حياتهم.
ويختتم المؤلف كتابه بالتأكيد على أهمية دور الفلاحين فى تشكيل رؤى العالم الخاصة بهم وفى الحفاظ على هويتهم فى عالم متغير تسعى قوى العولمة العالمية أن تهيمن عليه، على المستوى المحلى، القرويون المصريون اتبعوا طريقا وسطا بين الروحية والعلمانية أى أنهم تبنوا فى آن واحد كلا من رؤى العالم الدنيوية أو العلمانية ورؤى العالم الدينية .
لقد أبدعت هذه القرية المصرية «الحدين» نوعا محليا خاصا بها من الحداثة العلمانية من خلال رأسمالها الرمزى والأخلاقى : الستر والصبر والإيمان، وبسواعد أبنائها الذين يؤمنون بأن العمل عبادة، ومن خلال رؤية كونية للكون قائمة على رؤية دينية للعالم تحرر كلا من الفرد والمجتمع من الاتجاه الطاغى والمتزايد نحو المادية والفردية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.