تمتلئ ساحة مصر بالمواهب والفلتات فى كل مجالات الحياة، والوسط الرياضى أحد هذه المواقع الوطنية الذى يزخر بأصحاب الجهد الإنسانى البديع، خاصة من جمعوا بين التوفيق والنجاح التعليمى، والرياضى، هوالأستاذ الدكتور محسن المهدى سعيد الذى يمتلك فوق كاهله تاريخا رياضيا مدججا ويسير بالتوازى والقوة فى سلك التدريس الجامعى، والعمل التطوعى لخدمة تراب هذا الوطن. فهو كلاعب وبطل رياضى صاحب سجل بطولى وأداء فنى رائع فى العديد من الرياضات الفردية والجماعية، فى البدايات تم انحسارها فى رمى الجلة وكرة اليد، حيث كان المنافس الوحيد لبطل مصر الأول فى الجلة ناجى أسعد لسنوات، ولكن عشقه كرة اليد، حيث كان أحد أفراد الرعيل الثانى للعبة الذى حمل نشرها فى القارة السمراء والوطن العربى.. وكان الهضبة جوكر الفريق وفرس الرهان لجيل السبعينيات الذى طالما هتفت له الجماهير فى المدرجات: «ادى له القاضية.. يا هضبة.. فى الحتة الفاضية.. يا هضبة».. محسن المهدى سعيد إحدى أوراق الرياضة المصرية الذى فضل أن يعيش فى الظل، ولكن ليس بعيدا عن القصة.. نجح فى مشواره التعليمى وحصل على الماجستير والدكتوراة من كلية الهندسة جامعة القاهرة، ووصل لأعلى المناصب التعليمية، ولكن هذا لم يأخذ من عطائه التطوعى للرياضة، هذا المجال الرحب المعطاء.. الذى يحمل له كثيرا من الحب والأفكار والطموح والذكريات المشحونة.. عفوا إذا طالت المقدمة للتعريف بالرجل، ولكن الطموح فى رؤيته.. وفكره سيعوضنا. البداية • عن رياضة الستينيات والسبعينيات.. والآن؟! - لكلٍ مذاق حسب الجو المحيط والمناخ الهادئ الوقور الممتلئ بروح الهواية.. الخالصة التى مكنتنا من ممارسة العديد من الألعاب الفردية والجماعية، مثال: التحقت فى الثانوية بكلية فيكتوريا بالمعادى، مع أشقائى مارست أكثر من 6 ألعاب، فى جميعها كنت أحرز الذهب على مستوى مدارس مصر التى كانت تنظم دورة المدارس، لا تتصور أنها كانت أوليمبياد مصغرة، منافسة، ترتيب، تنظيم دقيق، مشاركة فعالة، صحافة تهتم، كانت المدارس هى البذرة الأولى للنبوغ والاكتشاف. قارن ذلك بما حدث للمدارس من ضيق للملاعب وضياع حصة التربية الرياضية، إذن من أين تأتى المواهب الرياضية سوى بالمصادفة؟! إذن جيلنا نتاج الموهبة والعرق والإعداد الصح وحب الرياضة، فى الجيل الحالى وليد الاحتراف والبحث عن الشهرة والمادة على حساب الأداء. • مزيد من الإيضاح..؟ - الأجيال السابقة لم تتربح ماديا من الرياضة التى كانت ترى فى ممارستها أو ارتداء فانلة المنتخب أو النادى شرفا وتكريما، عكس الملايين التى نسمع عنها الآن. مثلا: لم أتقاض طوال عشر سنوات لعب باسم مصر ونادى الجزيرة أى مقابل مادى سوى عشرين جنيها فى حياتى، وجاءت من الاتحاد الرياضى للقوات المسلحة، وهى مكافأة 6 شهور، حيث كنت جنديا فى سلاح الإشارة، وقدت فريق السلاح لإحراز بطولة القوات المسلحة لأول مرة سنة 1976 وكان قرار المكافأة. • ورأيك فى نادى الجزيرة؟ - أزمة الرياضة فى الجزيرة هى نفسها فى المعادى وهليوبوليس وسموحة والأندية الكبيرة الحجم والمساحة والتاريخ، فقد اتخذت الجمعيات العمومية قرارا صعبا بإلغاء العضويات الرياضية والاكتفاء بأعضاء النادى.. فتوارت البطولات وأصبحت الممارسة سيدة الموقف، خاصة فى الألعاب الجماعية، اللهم إلا بعض الفلتات والصدف.. وهذا عيب خطير جدا، ولكن رغبة الأعضاء والديمقراطية هكذا! • وكرة اليد المصرية؟ - مع حضور بول تيدمان بداية التسعينيات ووجود د. حسن مصطفى حدثت طفرة رهيبة، وتصادف مجموعة من المواهب، ومد إعلامى وجماهير ودعم مادى غير مسبوق ولا ملحوق فحدثت الانتصارات على كل الأصعدة.. ثم حدثت ردة، مع انشغال د. حسن مصطفى بالاتحاد الدولى.. ولكن الآن جيل الأحمر لديه إمكانيات ومواهب أفرزها اتساع القاعدة.. تحاول العودة بكل قوة وسيحدث. • رأيك فى د. حسن مصطفى صديق الملاعب والمشوار؟ - كثيرون هاجموه، اختلفت معهم قائلا: ضعوا معايير لما يتحقق من نتائج مع المتاح، ورغم ميوله الديكتاتورية، لكنه نجح فى زرع النواة الأساسية داخل اللعبة فى جميع النواحى الإدارية والفنية. • ألم تفكر فى خوض معركة رئاسة الاتحاد؟ - إطلاقاً لانشغالى بالنواحى العلمية والمشروعات القومية التى أتولاها على مدار سنوات سواء فى التعليم العالى والخطط الاستراتيجية لتطويره أو اليونسكو أو البنك الدولى.. والأهم كلية الهندسة جامعة القاهرة بيتى الأول. • وعضوية اللجنة البارالمبية؟ - فى 2007 تم اختيارى بترشيح من د. نبيل سالم لعضوية مجلس إدارة اللجنة البارالمبية «اتحاد المعاقين»، وكان شرفا ونقلة فى تاريخى وعملى مع هؤلاء الأفذاذ وأصحاب الإرادة الفولاذية والعزيمة اللامحدودة للأبطال.. وترأست بعثة بكين 2008 التى واصلت تفوقها بإحراز دستة ميداليات من الذهب والفضة والبرونز، كان «مشرفا» للغاية واحتلت البعثة المصرية المرتبة 29 ضمن 148 دولة. • مكافآت ميدالياتهم؟ - لابد من مساواتهم مع الأسوياء كما يفعل العديد من الدول فى منح مكافآت لمتحدى الإعاقة قد تفوق نظراءهم الأسوياء. • تجربة احترافك فى كرة اليد؟ - إن هذا التساوى سيفجر طاقات أكثر لدى متحدى الإعاقة. فى تصفيات أوليمبياد ميونيخ 1972 لعبنا مباريات رائعة، وتفوقنا على أنفسنا، ولكن لم نتأهل فى رحلة نظمها نادى الجزيرة للفريق الحاصل على بطولة مصر بقيادة العبد لله، سافرنا لألمانيا لأداء عدة مباريات مكافأة الدورى فريق «مونشن آيست» بقيادة فنية للرومانى «هانز موزر» طلبنى أنضم للنادى.. وقد كان ومكثت شهرا للتدريب قبل بداية الموسم ومعايشة وتعليم لغة فى معهد جوتة، وفيزا وأصبحت ضمن الأعمدة الرئيسية للفريق.. ولكن للأسف جاءت أحداث الفدائيين الفلسطينيين فى أوليمبياد ميونيخ فحدثت هجمة على العرب ومنع تواجدهم وخدوا العاطل مع الباطل.. عفوا وعدت أدراجى لنادى الجزيرة وضاعت فرصة الاحتراف.. وإن استدعتنى مصر للطيران بعد شهور للعب باسمها فى عدة مباريات ودية فى تشيكوسلوفاكيا وتكرر العرض، ولكن لم أقبل. • والهضبة..؟ - منى جمال عبدالناصر صديقة شقيقتى شاهدتنى فى أحد التدريبات وقالت لها: دا ما شاء الله فى الملعب زى الهضبة.. والصديق محمد على حسن وعليها! • وهل ترى نفسك فى الأجيال الحالية؟ - أحمد الأحمر.. نفس الأداء باليد اليسرى مع الفارق البدنى الذى يأتى فى صالحى، ومن قبله شريف مؤمن. • كيف..؟ - لأن جيلنا كانت تغلب عليه القوة البدنية الهائلة، قد تتأخر الفنيات، ولكن الضخ البدنى أقوى. والآن التكتيك الفنى له دور قوى، وبالمناسبة أنا متابع جيد لكرة اليد المصرية التى أعشقها، وهذا الجيل سوف يدخل زمرة الكبار مرة أخرى ويعيد أمجاد التسعينيات. بس بالصبر على مروان رجب الذى أرى امتلاكه لمجموعة هائلة من الإمكانيات القيادية والتطور الفنى وهو الأصلح للمرحلة المقبلة. • وألعاب القوى؟ - حصلت على عدة بطولات للناشئين والمدارس فى الجلة، وتدربت مع ناجى أسعد وكنت منافسا له، واختارنى الخبير الألمانى شولتز لنسير معا، وناجى حيث حقق رمية 15.50 متر، وكانت أعلى رمية لى 14.10 متر، وكانت تدريبات قاسية أياما وليالى نرمى يوميا الجلة ال 16 كيلو 100 رمية، وغير ذلك برنامج طويل وضعه لى شولتز مازلت أحتفظ به سرت عليه أياما، ولكن مللت وتفرغت لكرة اليد التى كانت ذراعى اليسرى «مرزبة» وكم من عارضات تحطمت.. وبالمناسبة أقول إن الدأب والصبر والنفس الطويل سلاح أى رياضى للبطولة، وهو ما رأيته يتحقق مع ناجى أسعد واحد من أفضل الرياضيين فى تاريخ مصر، بعد أن وصل برمياته إلى 20.71 متر، من أعلى 8 أرقام فى العالم. • والآن..؟ - طبعا حزين جدا على حادث المنشطات للاعب الرمح إيهاب عبدالرحمن.. وهو الأمر الذى لا يجب تركه دون محاسبة، وإن كنت أشد على يد الفلتة مصطفى عمرو الذى حقق إنجازا محترما منذ أيام فى الجلة وأرى أنه مستقبل وسعيد كونه أحد أبناء نادى الجزيرة، وهو يصدق كلامى السابق عن صعود الفلتات بين الحين والآخر. • والميداليات المصرية فى الأوليمبياد الأخيرة؟ - ضئيلة جدا بالنسبة للممنوح للرياضة من دعم فنى ومادى حتى إن كانت هناك دعاوى بانحسار وضعف الدعم المادى، لكن هذا لا يؤخذ شماعة لتعليق الإخفاق عليه. • والحل..؟ - الرعاية والرُعاة.. وهذا لابد أن يكون توجهات الدولة بمنح مزايا للرعاة، كما يحدث فى العديد من تجارب الدول الأخرى، على أن تكون هناك ضوابط والتزامات وعقود «مش جدعنة» إنه توجه وسياسة دولة! • على هامش الحوار • مدربون أصحاب فضل: كابتن مصطفى سعد الأب الروحى لكرة اليد المصرية. • ك. حنفى عليان مدرب نادى الجزيرة، ك. كمال عبدالحميد مدرب منتخب مصر بالسبعينيات. • لعبت باك رايت.. وونج رايت علشان أشول.. وارتديت طوال حياتى رقم 10. • جيلى: طه الشافعى، خليل زكى، أحمدين، عرفان، محسن نور، خالد خطاب، نور قاسم، طلعت شتا، حسن مصطفى، عمرو، حسن صقر، حسين لبيب. • دولى من عام 65 منتخب الناشئين حتى عام 79، كابتن مصر ونادى الجزيرة.