بعد انسحاب الإمارات، العراق يكشف موقفه من البقاء في منظمة أوبك    مياه سوهاج تعيد تشغيل محطة ناصر النقالي بعد احتواء بقعة سولار بنهر النيل    مصر تبحث مع شركات تركية وأمريكية فرص الاستثمار في قطاع التعدين    الليلة، تعديل مؤقت في مسار قطاري نجع حمادي وأسوان    نتنياهو: أصدرت تعليمات بتدمير منظومة المسيرات التابعة لحزب الله    الشرق الأوسط يدخل حالة «اللاسلم واللاحرب»    الصليب الأحمر: سلمنا إيران أكثر من 170 طنا مواد إغاثية خلال أبريل    الدوري المصري، تعادل سلبي بين غزل المحلة والمقاولون العرب في الشوط الأول    أسبوع حاسم ينتظر مانشستر سيتي في إنجلترا    دون خسائر بشرية، التفاصيل الكاملة لحريق مخلفات الصرف الصحي بالمنيا    تخفيف عقوبة شاب وفتاة متهمين بالاتجار في المخدرات بالعمرانية إلى 6 سنوات    إقيال جماهيري كثيف على عروض مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    حبس عامل قتل زميله بسبب خلافات مالية بينهما فى المنوفية    محافظ كفر الشيخ: ضبط 2973 عبوة أدوية بيطرية منتهية الصلاحية ببيلا    مشاجرة بين الفنانة هالة سرور وزوج شقيقتها بالشيخ زايد    خبير شؤون إيرانية: تحركات طهران بباكستان لاحتواء التوتر ورسائلها تعكس جاهزية للتصعيد    هيئة الدواء تسحب دواء للوقاية من حدوث عدم توافق فصائل الدم.. تفاصيل    محافظ الغربية ورئيس جامعة طنطا يفتتحان المعرض الفني لطلاب مركز الفنون التشكيلية    فوز طلاب هندسة كفر الشيخ بجائزة أفضل تطبيق صناعي على مستوى العالم    نار الميراث تحرق صلة الرحم بالقليوبية.. سائق يهاجم منزل شقيقه ويهدد بحرق أسرته    وزارة الزراعة تحذر من تداول لقاحات مجهولة المصدر للتحصين ضد الحمى القلاعية    تصعيد عسكري جنوب لبنان.. تفجير نفق ضخم واعتراض مسيّرات    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    حكم السخرية من السلام عليكم.. أمين الفتوى يوضح    الصين: ندعو إسرائيل إلى الالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار بغزة    الأرصاد الجوية: ارتفاع في درجات الحرارة غدا الأربعاء    تعاون جديد بين هيئة الاستعلامات والمجلس المصري للسياسة الخارجية    «تضامن النواب»: الطفل المتضرر الأكبر من الطلاق وغياب التوثيق يفاقم الأزمة    «رجال طائرة الأهلي» يستعدون لدور ال16 في بطولة إفريقيا بدون راحة    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون مع مركز السياسات الاقتصادية بمعهد التخطيط    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    صحيفة: ترامب وتشارلز أبناء عم.. ودونالد: لطالما أردت العيش فى قصر باكنجهام    تأجيل محاكمة 71 متهما في "خلية التجمع" إلى 21 يونيو    رئيس جامعة المنوفية يتفقد مستشفى الطلبة للاطمئنان على جودة الخدمات الطبية    محمد فراج: الأطفال بعد الطلاق يعانون في صمت.. والمشرف الاجتماعي هو الحصن الحقيقي داخل المدارس    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    مجلس جامعة بني سويف يستهل جلسته بتقديم التهنئة بعيد العمال    مصطفى عزام يستقبل بعثة منتخب اليابان للناشئين    فى ذكرى ميلاده.. نور الشريف أيقونة الدراما المصرية وصائد الجوائز    بدر عبد العاطى يفتتح غرفة حفظ الوثائق المؤمنة بمقر وزارة الخارجية    وكيل شباب جنوب سيناء يهنئ بطل السباحة البارالمبية بشار محمد لفوزه ببطولة الجمهورية    شهادة ادخار جديدة بالبنوك لمدة 3 سنوات وبأعلى فائدة شهرية.. اعرف التفاصيل    طب قصر العينى جامعة القاهرة يُطلق الملتقى العلمى المصرى الفرنسى لأمراض الكبد    موندو ديبورتيفو: بعد فقدان فرصة أبطال أوروبا مع تشيلسي.. كوكوريا يفتح الباب أمام برشلونة    الشكوك تحاصر مشاركة زيدان الصغير في المونديال    رئيسة وزراء اليابان: نقدر دور مصر بقيادة السييسي في ضمان الأمن والاستقرار الإقليميين    قصر ثقافة أبو تيج بأسيوط يحتفي بذكرى تحرير سيناء ويكرم المبدعين    السجن 3 سنوات لفتاة بتهمة حيازة المخدرات بالسلام    المسلماني: النيل الثقافية تقيم مؤتمر ماسبيرو للموسيقى برئاسة جمال بخيت يونيو القادم    ماركا: إصابات مبابي في ريال مدريد تصيبه بالإحباط بعد اقترابه من معادلة سجله مع سان جيرمان    التأمين الصحي: 577 ألف منتفع بنسبة تغطية 71.3%... وتقديم آلاف الخدمات الطبية بالمحافظة    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام 2026 لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية    الرئيس السيسي: ضرورة ربط المناطق الكثيفة سكانياً بوسائل نقل صديقة للبيئة    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خمسة أيام في بيت قس أمريكي
نشر في روزاليوسف اليومية يوم 08 - 11 - 2010

خمسة أيام في بيت قس أمريكي.. تجربة غنية عشتها مؤخرا مليئة بالعديد من المشاعر الانسانية التي لا تنسي وكثير من المعاني العميقة التي تدعو للتأمل رغم قصر المدة، فبالنسبة لي لم يكن "جون" الأمريكي المتغطرس العدائي بل كان أبا حنونا استقبلني بتحية الاسلام قائلا "السلام عليكم" ليستضيفني بكرم في بيته الكبير الواقع جنوب مدينة منيابوليس بولاية مينسوتا ويضمني لأسرته التي تشمل زوجته وثلاثة أبناء لبضعة أيام في تقليد متعارف عليه في الولايات المتحدة وهو الأسر المضيفة أو Host Family.
"جون".. قس أمريكي ينتمي للكنيسة الأسقفية Episcopal في العقد الخامس من العمر، يدرس لطلبته من سن 16-18 عاما بعض المواد الدراسية مثل ديانات العالم والدراسات الإنجيلية والأخلاقيات وعلم اللاهوت في مدرسة "بريك" المسيحية التي يرأس فيها قسم العلوم الدينية، لكنه رغم تدينه لم يكن متطرفا أو كارها ل"الآخر" بل وجدته صديقا مرحا مع أبنائه وزوجته وطلابه وخاصة عندما يركب دراجته كما انه لم يبد لي قسا لأنني غالبا أراه مرتديا الجينز وليس عباءة القس فضلا عن تحدثه الي في بعض الأحيان باللغة العربية (إلي جانب معرفته الفرنسية والاسبانية وبعض العبرية واليونانية واللاتينية والألمانية والهولندية والايطالية) مما جعلني أشعر أنني أقيم مع عائلة قريبة مني، فان كنا علي دينين مختلفين الا أن كلانا يدرك أهمية العقيدة والايمان في الحياة كما أن الترابط الأسري قاسم مشترك أيضا بين عائلتي وعائلته.
جون أظهر أيضا شغفا كبيرا بالاسلام الذي يدرسه لطلابه ضمن مادة "ديانات العالم" World Religions والذي دفعه لتعلم اللغة العربية لكي يفهم القرآن الكريم والأحاديث النبوية وأيضا لكي يطلب أطباقه المفضلة في المطاعم الشرق أوسطية لأنه عاشق للأكلات الشرقية ومنها ال"ورق عنب".
مفهوم الحلال
دراسة "جون" للاسلام جعلته يعرف مفهوم "الحلال" و"الحرام" ولهذا فإنني عندما انتقلت الي منزله وجدت في انتظاري بعض اللحوم الحلال التي لم تعن أنها خالية من لحوم الخنزير فقط بل أيضا من أي لحوم لم تذبح وفق الشريعة الاسلامية والتي اشتراها جون وزوجته "لينيل" خصيصا لي مع ورق العنب وحتي بعض السلطات الشرقية مثل الحمص من شركة "هولي لاند" الغذائية الاسلامية الشهيرة. للوهلة الأولي، انبهرت بمعرفة جون العميقة بما يعنيه مفهوم "الحلال" وذلك لأن كثيرا من المسلمين أنفسهم يعرفون "الحلال" علي أنه كل ما هو ليس بلحم خنزير وينسون "الميتة" وهي اللحوم التي تباع في الغرب لأن الدجاج مثلا يضرب أو يصعق بالكهرباء فيموت ودماؤه داخله.
لم يكن من السهل العثور علي "أكل حلال" جنوب منيابوليس لأن أغلب قاطني هذه المنطقة من الأمريكيين البيض المنتمين للطبقة فوق المتوسطة ويندر وجود مسلمين بينهم وبالطبع لن يبحث هؤلاء عن "الحلال"، مما جعلني أقول لجون انه بإمكاني أكل "الكوشر" أو الأكل الحلال لدي اليهود الذين يذبحون الحيوانات أيضا ولكن وفق الطقوس اليهودية بعكس المسيحيين أو بعكس الطريقة الشائعة في قتل الحيوانات بالصعق بالكهرباء أو الضرب التي تتم في أمريكا..
وبالطبع لم يخل الحديث من التندر حول التقارب العقائدي بين المسلمين واليهود في هذه المسألة واختلافهم مع المسيحيين رغم أن الواقع في الشرق الأوسط يقول ان المسلمين واليهود هم الأكثر عداء.
كانت بداية معرفتي بالأسرة الأمريكية في شهر رمضان حيث أبدوا تفهما لم أتوقعه أو أنتظره منهم، فكانوا يؤخرون عشاءهم الذي يتناولونه عادة عند السادسة أو السابعة مساء لوقت المغرب (في الثامنة والنصف) حتي أستطيع أن آكل معهم، وطوال فترة الانتظار كنت أشعر بلهفة الأبناء علي الطعام اذ كانوا دائمي الحركة يتناولون بعض الزيتون والخضروات وبعض المشروبات في انتظار العشاء، سألونني عدة مرات ان كنت لا أشعر بالارتياح لأنهم يأكلون أمامي فكنت أرد مبتسمة "بل ان ذلك يشعرني بالقوة"، وحين جاء موعد الافطار أكلنا سويا من اللحوم الحلال ودعا جون الله في صلاة قصيرة قبل الطعام أن يجازي المسلمين خيرا عن صيامهم وتضحياتهم.
سألت بعد ذلك عن مكان يمكنني أن أصلي فيه، فسألتني لينيل ان كنت أحتاج أولا للذهاب الي الحمام للاغتسال (الوضوء) وهو ما يظهر أن معرفة الاسلام لا تقتصر علي جون وحده في هذا المنزل، وحتي الأبناء أيضا علي صلة بشكل أو بآخر بالسياسة وبالمسلمين؛ "ويل" الابن الأكبر، 22 عاما، يدرس العلاقات الدولية في احدي الجامعات بولاية فيرمونت ويريد أن يصبح مدرسا للتاريخ، "جاكسون" الابن الأوسط الذي يدرس العربية ويقضي حاليا فصلا دراسيا كاملا في المغرب لإصقال لغته وهو يريد أن يصبح مدرس لغات و"كارتر" الابن الأصغر في المرحلة الثانوية ويريد أن يصبح ممثلا.
إسرائيل "تابو"
هذا التفهم بدأ أيضا عندما تحدثنا في أمور سياسية، فالعائلة بأكملها تناصر الفلسطينيين وتري أنه لا ذنب لهم فيما فعله النازيون في اليهود وبالتالي لا يجب أن يتعرضوا لهذه المعاناة مؤكدين أنهم كانوا سيتعاطفون مع اليهود لو كانوا هم مكان الفلسطينيين أي أن موقفهم ليس نابعا من كراهية لليهود خاصة أن الأبناء الثلاثة درسوا بمدرسة يهودية.
الاعلام الأمريكي في نظرهم منحاز بدرجة كبيرة لاسرائيل وحتي لليمين بشكل عام بما فيه جريدة "نيويورك تايمز" التي قاطعتها العائلة وألغت اشتراكها فيها بعد 20 عاما لترويجها لأكاذيب حرب العراق. وبالرغم من أن لينيل ناشطة سياسية تنتمي للحزب الديمقراطي وأنشأت منذ أكثر من عام حركة لاصلاح التعليم، فانها قالت لي بصراحة إنها لا تستطيع انتقاد اسرائيل علنا والا طالتها اتهامات بشعة.
صلاة مشتركة
بعد انقضاء رمضان، أخذ جون علي عاتقه في أحد الأيام مسئولية اعداد طعام العشاء. قدمت له بعض المساعدة البسيطة وناولته أشياء في المطبخ وأعددت مائدة الطعام، لكنه كان مصمما علي أن يعد الطعام بنفسه فهو يحب الوقوف في المطبخ ويهوي طهي الطعام وهو بذلك يساعد زوجته في أعمال المنزل. تأملت جون وهو يطهو بعض الأرز الأبيض ويلف ورق العنب باللحم مستمعا الي الراديو، ثم اجتمعت الأسرة علي المائدة وتلا جون صلاة قصيرة قبل الطعام اشتركنا فيها معه موجها دعائه الي الله (الرب) دون أن يقل "يسوع" أو "المسيح" داعيا بالخير طالبا العون من الله للفقراء والمحتاجين وشاكرا فضل الله الذي أنعم علينا بهذا الطعام.
تعجبت لأن الصلاة لم تتوجه الي السيد المسيح أو حتي تذكره، فسألت جون لاحقا ان كانت صلواته عادة لا تتوجه الي السيد المسيح، فقال ان معظم الصلوات التي تتل في مدرسته المسيحية تتوجه لله (الرب أو الاله) كما يعرفه المسيحيون (الثالوث المقدس)، وهي تتلي كذلك بحيث يشعر الطلاب غير المسيحيين في المدرسة من المسلمين واليهود وغيرهم أنهم يستطيعون مشاركة أصدقائهم المسيحيين صلواتهم، ومع ذلك فإنهم أحيانا ما يتوجهون بصلواتهم الي السيد المسيح نفسه أو الي الله (الرب) عبر السيد المسيح وهذا كله يقع ضمن الاختلافات بين الطوائف المسيحية المختلفة.
وأضاف جون: ربما لا يشعر الطلاب المسلمون أنهم يؤدون صلاة حقيقية لأنهم لا يركعون أو يسجدون كما أنهم لا يصلون وهم باتجاه القبلة، الا انهم يقدرون أننا من حين لآخر أننا نتلو صلاة اسلامية أو حتي نقرأ سورة "الفاتحة" وهي دعاء مشترك بين كل البشر لأن يهديهم الله الي الطريق الصحيح (الصراط المستقيم).
المرجعية الدينية
في أحد حواراتنا، تحدثت أنا وجون عن مفهوم المرجعية في الاسلام والمسيحية، بالنسبة لجون الذي ينتمي للكنيسة الأسقفية وهي إحدي كنائس البروتستانت، فإنهم لا يعتقدون في مرجعية "البابا" الذي لا يوجد نظير له في الاسلام أيضا فلا أجد له هذه السلطة المطلقة علي المؤمنين دون القدرة علي محاسبته. سألني جون: هل تلجئين لأحد في تفسير القرآن الكريم؟ أم أنك تحاولين فهمه بنفسك؟ فقلت إنني أجد القرآن الكريم واضحا في معظم آياته وإذا ما اختلط علي المعني فانني أرجع الي بعض التفاسير لكنني لا أحدد نفسي في تفسير هذا العالم أو ذاك فكلها اجتهادات علمية وأوضحت أن هناك بعض التفاسير تجمع اجتهادات العلماء لتعطيك رؤية جامعة لما قيل عن هذه الآية ثم يكون الأمر متروكا لك أي أنك تحكم عقلك وقلبك في اتباع التفسير الأقرب من وجهة نظرك، فرد مبتسما: هذا ما نفعله نحن أيضا، كل منا يقرأ الانجيل ويفسره بالشكل الذي يراه، لكنه اذا ما اختلف في تفسيره عن الشائع أو السائد، فإنه بإمكانه أن يؤسس كنيسة أخري وهكذا تجدين كنائس بروتستانتية كثيرة.
تعدد الزوجات
جون يعقد الكثير من الزيجات بحكم منصبه حتي بين المثليين لكنه يحرص علي التحدث مع الزوجين قبل اتمام الزيجة علي مدي عدة جلسات لكي يتأكد بنفسه من جديتهما وتفهم كل منهما لمسئولياته وحتي لا تظهر أي مشكلة لاحقا يطلبان علي أساسها الطلاق الذي تسمح به الكنيسة الأسقفية وان كانت لا تشجع عليه، حتي انه يعرف أمورا شخصية كثيرة تشمل ماديات وغيرها فلما سألته لماذا يقبلان الزوجان بإطلاعك علي هذه الأمور؟ قال: مثلما تطلعون أنتم أسركم، هنا لا تعرف العائلات هذه الأمور الدقيقة والشخصية للغاية لكن القس هو الذي يعرفها.
تطرقنا بعد ذلك لمسألة تعدد الزوجات التي قال جون إنها لا يمكن أن تتفق مع المجتمع الأمريكي لأن القانون يعاقب عليها، فقلت انني شخصيا أعتبر أن تعدد الزوجات مباح بشروط ضيقة للغاية وهي واضحة لمن يقرأ القرآن بتدبر وليس كما يحدث الآن في بلادنا الاسلامية.. فالقرآن الكريم يقول في سورة النساء: «وَآَتُوا الْيتَامَي أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَي أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيتَامَي فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَي وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَي أَلا تَعُولُوا (3)» وهو كما يظهر دون شك أن الزواج الثاني مرتبط بشرط الاقساط في اليتامي ولا يهدف للمتعة كما يحلو للبعض أن يدعي ظلما علي الاسلام.
تحمس جون كثيرا لهذا التفسير وقضي ليلته يبحث في هذا المعني ووجده لدي أحد العلماء المسلمين الذين يثق في تفسيرهم فأرسل لي موقعه الذي يحمل هذا التفسير وأبدي سعادته لرؤية تصور مغاير لما هو شائع عن عدم المساواة بين الرجال والنساء في الاسلام في هذا الخصوص.
الإخوان والأقباط
أبدي جون ولينيل فضولا كبيرا عن جماعة الاخوان المسلمين وأفكارها وما تريد أن تفعله اذا ما وصلت لحكم مصر واذا ما كانت متفتحة كما تقول قياداتها فما الذي ستفعله خلافا للانفتاح الذي تعيش عليه مصر الآن وهل يحظي الاخوان فعلا بشعبية كبيرة في الشارع وغيرها من الأسئلة مدركين أن الاخوان يقدمون أنفسهم كبديل عن الحكم الفاسد ولهذا قد يصوت الشعب لهم نكاية في الحكومة الفاسدة وليس اعجابا بأفكارهم، وأعرب جون عن خوفه من تلاشي مسيحيي الشرق الذين يهاجرون بأعداد كبيرة الي الخارج في العراق ولبنان طبقا للعديد من الدراسات، وقلت له ان ذلك في اعتقادي غير ممكن فالأمر ليس بهذا السوء، لكنه ظل قلقا وقال انه يخشي أن تصبح مصر كذلك أيضا في يوم من الأيام...
ومع الأسف، فإن الهجوم الذي استهدف مؤخرا احدي الكنائس في العراق والتهديد الذي أطلقه تنظيم القاعدة ضد أقباط مصر سيعززان مخاوف جون رغم أمله في أن يزور مصر صاحبة "الحضارة القديمة" و"الدولة المهمة" حسب تعبيره لكي يزور كنائس قبطية ودير سانت كاترين ويصلي فيها.
لكن يظل المهم أن جون لمعرفته بالاسلام يستطيع أن يفرق بين أفعال أناس يقولون إنهم ينتمون لدين ما ويرتكبون أفعالا مشينة باسمه وبين مبادئ الدين نفسه الذي لا يجب أن يوصم لأن هؤلاء ينتمون اليه، وهو ما خطر ببالي عندما رأيت كتابا علي مكتب جون بجوار كرسي القراءة الذي يجلس عليه في المساء، يتناول طبيعة التحالف بين المسلمين المتطرفين وبين اليمين الديني في أمريكا وكيف أن كلاهما يعمل لنفس الهدف لكنهما علي الجانبين المتعارضين..
حوار الأديان
من الجانب الآخر، ينشط جون في الحوار بين الأديان ويتحدث الي أئمة مسلمين ويزور مساجد أمريكية مثل مسجد النور الذي يرتاده النائب الديمقراطي المسلم كيث اليسون حتي إنه حصل علي جائزة من إحدي المنظمات الاسلامية "اسلاميك ريسورس جروب" في مينسوتا لدوره في حوار الأديان.
في شكل بسيط من أشكال التسامح الديني رغم دلالته الكبيرة، قرأ جون بعض آيات القرآن الكريم في احتفال أقامته كنيسته "سانت جون" في 11 سبتمبر الماضي لاحياء ذكري ضحايا هجمات سبتمبر وتحية لجنود مينسوتا الذين سقطوا في حربي العراق وأفغانستان. ونشرت أكبر الصحف المحلية في مينسوتا وأكثرها انتشارا وهي جريدة "ستار تريبيون" الخبر قائلة إن جون قرأ بعض آيات القرآن الكريم في دلالة الاحترام للمسلمين الذين يتعرضون لهجمات متزايدة في أمريكا، وبالطبع فإن التوقيت وطبيعة المناسبة والموقف لهما دلالات كبيرة أيضا.
وحتي داخل كنيسته التي زرتها وتعرفت فيها علي "ماريان" وهي القس التي تقود الكنيسة، أنهي جون منذ حوالي أسبوعين سلسلة دروس في التاريخ المسيحي استمرت أربعة أشهر كان يعطيها كل أحد مع زوجته علي شكل المناظرة والحوار لجعل العرض شيقا حول طبيعة الاختلافات بين الطوائف المسيحية المختلفة انتقدها بعض الكاثوليك من الحضور بدعوي أنها "غير جادة بالدرجة الكافية".
تأثير جون لم يقتصر علي طلابه المسيحيين والمسلمين فقط بل إن أحد الحاخامات طلب منه مؤخرا أن يساعد صبيا يهوديا ويقنعه ألا يترك دينه بعد أن انفصل أبويه.
ميلاد جديد
لكن أكثر المواقف تأثيرا في جون نفسه كان التغيير الذي استطاع أن يحدثه في حياة طالبة مسلمة درست معه مادة بعنوان "بوذا ويسوع ومحمد"، الفتاة الايرانية كانت مسلمة لكنها لم تكن تؤدي أيا من الفرائض، الا أنها عند عودتها لايران بعد انتهاء العام الدراسي اتجهت للدين وباتت تصلي الفروض علي أوقاتها وسط تعجب صديقاتها اللاتي كن يرين أن الدين هو طريقة للسيطرة علي العقول، أما الفتاة نفسها فقالت عن تجربتها في أمريكا انها تعلمت الكثير عن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم وعن القرآن الكريم من جون ووجدت أن حرية التعبير عن الدين التي لمستها في الولايات المتحدة والاختيار الحر ومعرفة هذا الدين وتعلمه بحثا عن الله الخالق هو أمر هادف.
والد الفتاة نفسها أبدي اندهاشه للتغير الذي طرأ علي ابنته بسبب مدرسها، فقال لجون انه يري انه من المضحك أن يكون قسًا أمريكيا هو السبب في أن تعود ابنته للاسلام مجددا، بينما يقول جون "أنا سعيد للغاية أنها وجدت الله وهو الهدف من الدين".
تحديات للمسلمين
سألت جون عن التحديات التي يراها تحيط بالمسلمين اليوم في أمريكا، فقال: بينما يجب علي المسلمين الحفاظ علي ايمانهم بالله من خلال القرآن والعادات التي تدعم حياتهم الروحية، فإنهم أيضا في حاجة لأن يكونوا أمريكيين بما يعني المساواة بين الجنسين والتسامح مع الديانات الأخري والمشاركة في الديمقراطية. ويتعين علي المسلمين أيضا أن يتعاملوا مع الآراء المسبقة التي يكونها عنهم أناس جهلاء وهم كثر في هذا البلد (قاصدا أمريكا). وضرب مثالا علي هؤلاء بمن عارضوا بناء المركز الاسلامي في نيويورك قائلا إن جماعات الكراهية هي التي قادت هذه المعارضة.
في صباح أحد الأيام، ذهبت مع لينيل للتسوق، توقفت هي للحظة عند قسم اللحوم لتشتري بعضا من لحم الخنزير، وحين كان البائع يهم لوضع اللحم في الشنطة التي أحملها، رفضت لينيل وطلبت منه أن يأتي بشنطة أخري قائلة إنها لا تريد أن تجبرني علي حمل شيء أرفضه دينيا، وبرغم اعجابي بموقفها قلت للبائع أن يضعه في الشنطة التي أحملها وحكيت لجون عندما عدنا للمنزل فضحك وقالت لينيل انني أردت أن أبين أنني متحررة أو واسعة الأفق، فقلت لها مازحة بل أنت المنغلقة!
نداء للأزهر
في مدرسة جون.. بريك.. احدي المدرسات التي تدرس للتلاميذ في سن الرابعة عشرة عاما مادة عن الحكم الاسلامي، تبحث حاليا عن رواية أو فيلم أو مقالة تصور الحكم الاسلامي وفق مبادئ القرآن الكريم تتناسب مع سن تلاميذها خاصة أنها تدرس وجهتي النظر وكان من السهل عليها أن تجد وجهة نظر سلبية في الحكم الاسلامي تمثلت في النظام الايراني الحالي من خلال رواية للأطفال عن فتاة ايرانية تحكي عن حياتها قبل وبعد الثورة، بينما تبحث المدرسة حاليا عن رأي ايجابي لتحدث بعض التوازن، فطلب مني جون أن أساعدها وأنا أحاول منذ فترة لكنني لم أتوصل إلي شيء محدد، وهو ما جعلني أفكر: كيف يمكن أن تتسني لنا فرصة ترشيح مواد يتم تدريسها لأطفال أمريكيين في مدارس مسيحية ثم نفشل في ايجاد الشيء المطلوب؟ ربما أنا لست أفضل من يعلم هذه الأمور لكن لمن أتوجه؟ أين دور الأزهر في ذلك؟ أين دور قسم المطبوعات الأجنبية؟ أم انهم الأفضل في منع ومصادرة الكتب التي تتعارض مع الاسلام لكنهم لا يملكون القدرة علي التفاعل مع مثل هذه الاحتياجات؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.