السيسي يرحب بالانطباعات الإيجابية عن برامج الأكاديمية العسكرية ويعلن قبول دفعة جديدة بالطب العسكري    السيسي يشارك في حفل إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية    الكنيسة الإنجيلية بالإسكندرية تنظم حفل إفطار رمضاني بعنوان «المحبة معًا»    محافظ الدقهلية يفتتح مدرسة الشهيد صلاح الجميعي الإعدادية بنات بالمطرية بعد إحلالها وتجديدها بتكلفة 25 مليون جنيه    سعر النفط الأمريكي يتجاوز 80 دولارًا لأول مرة منذ يناير 2025    عمر مهنا: مصر تمتلك فرصا متنوعة لتعزيز مكانتها لجذب الاستثمار    سعر النفط الأمريكى يتجاوز 80 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ يناير 2025    إطلاق التيار الكهربائي بمشروع بيت الوطن بمدينة 6 أكتوبر    محافظ الوادى الجديد تفتتح منفذ السلع الغذائية التابع للوحدة المحلية لمركز الفرافرة    الحرس الثوري: الموجة 20 من عملية "الوعد الصادق 4" استهدفت أهدافًا أمريكية وإسرائيلية    وزير خارجية إيران لترامب: خطتك لتحقيق نصر سريع فشلت وخطتك البديلة ستفشل    حزب الله يعلن استهداف تجمع لقوات الاحتلال بالصواريخ    تمرد معسكر ماجا ضد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بسبب حرب إيران.. تفاصيل    تشكيل حرس الحدود لمباراة بيراميدز في الدوري الممتاز    ضبط المتهمين بترويع المواطنين بالأسلحة النارية في الإسماعيلية    تصل لحد الضباب، شبورة كثيفة على هذه الطرق غدا    الحلقة الأولى من "حكاية نرجس"، ريهام عبد الغفور تنفصل عن زوجها    مسلسل بيبو الحلقة 1.. الحاج حلمى يطرد بيبو من مجزر الدجاج بسبب الرقص    كريم فهمي: أبيع عرقسوس ولا أشجع الزمالك    حكاية نور اللبنانية مع زوجها الراحل يوسف أنطاكي.. نظرة حب صنعت بيتا هادئا    صحة بني سويف تدرب 40 ممرضة على تقنيات العناية المركزة والرعاية الأساسية    تغذية المرأة بعد الأربعين، نصائح للحفاظ على صحتك وطاقتك أثناء الصيام    مستشار الرئيس للصحة: توحيد البروتوكولات العلاجية يرفع كفاءة الخدمات الطبية    علي جمعة يوضح حدود "اللهو" في الفن والموسيقى: ليس كل ما يلهي عن ذكر الله حرامًا    مايا دياب: لا أمانع خوض ابنتي تجربة "المساكنة"    "الشيوخ": تصريحات رئيس الوزراء تؤكد جاهزية الدولة لمواجهة التحديات وحماية المواطنين    الحرب الإيرانية تعطل إمدادات منظمة الصحة العالمية    الشيوخ يواصل مناقشة التعديلات على قانون المستشفيات الجامعية    مدبولي: حدائق تلال الفسطاط.. علامة حضارية جديدة في العاصمة    "الشعب الجمهوري" ينظم صالونًا سياسيًا بعنوان "دور الأحزاب في تأهيل كوادر المجالس المحلية"    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 5مارس 2026    جامعة العاصمة تنظم حفل إفطار جماعي لطلابها باستاد الجامعة    فايننشال تايمز: ارتفاع سعر وقود الطائرات إلى أعلى مستوى بسبب حرب إيران    لجان متابعة لضبط أسواق الأعلاف.. "الزراعة" تشن حملات تفتيش مفاجئة على مصانع ومخازن الأعلاف في 10 محافظات.. التحفظ على 89 طن أعلاف.. وإحالة المخالفات للنيابة العامة    أول حلقتين من «بابا وماما جيران».. تألق جماعي قوي وطلاق مفاجئ يشعل الأحداث    برشلونة يقترب من استعادة خدمات ليفاندوفسكي    إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. قرآن المغرب بصوت الشيخ عبد الناصر حرك    هل يجوز الإفطار لمن سافر من سوهاج إلى القاهرة؟ أمين الفتوى يجيب    شكوك حول جاهزية أسينسيو قبل مباراة ريال مدريد وسيلتا فيجو    القبض على طالب لاتهامه بالتعدي على سائق بسبب أولوية المرور بالهرم    مصطفى عزام: لا مفاوضات لنقل مباراة مصر والسعودية حتى الآن    الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف في رمضان.. منع المطويات والتصوير وقصر الدروس على الأئمة    في أول ظهور.. زوج المتهمة بإنهاء حياة رضيعتها حرقًا بالشرقية: كانت مريضة ولم تكن في وعيها    اتحاد السلة يعلن جدول مباريات ربع نهائي كأس مصر للسيدات    ألمانيا تخصص 200 مليون يورو إضافية لمساعدة أوكرانيا    الأرصاد تكشف حالة الطقس خلال الأسبوع الثالث من شهر رمضان    السقا: الزمالك يشبه الاتحاد السكندري.. ونسعى لبناء فريق جديد    النائب العام يستضيف أطفال مستشفى 57357 على مائدة إفطار رمضانية ويؤكد دعم النيابة للمبادرات الإنسانية    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لتشغيل وتطوير مطار العلمين الدولي    فيفا يغرّم الزمالك 160 ألف دولار بسبب مستحقات المدرب السابق يانيك فيريرا    معرض فيصل للكتاب يستضيف ندوة رمضان اختبار للقلوب    أمن الشرقية: جهود لضبط سائق النقل المتسبب في وفاة طفل وإصابة 9 تلاميذ بطريق بلبيس- العاشر    سي إن إن: قاذفات إيرانية كانت على بُعد دقيقتين من قصف قاعدة أمريكية قبل أن تسقطها طائرات قطرية    وزارة النقل تعلن خريطة حجز تذاكر السكك الحديدية: 7 طرق للتيسير على الركاب    منيو فطار 15 رمضان.. طريقة عمل شاورما الدجاج بالخبز العربي في المنزل بخطوات سهلة    خلافات عيد الزواج تشعل أولى حلقات «بابا وماما جيران»    مصدر أمني ينفي إضراب نزيلة بمركز إصلاح وتأهيل عن الطعام    قائمة بيراميدز - غياب مصطفى فتحي أمام حرس الحدود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاحتلال لأهل الجولان.. والحرية فقط لبعض التفاح


تحقيق - مني أبو عيسى
تصوير - جون بيركنز
اليوم تنقضى 37 عاما على حرب أكتوبر التى خاضتها كل من مصر وسوريا فى مواجهة إسرائيل.. ولكن مصر تمكنت باستثمار نتيجة الحرب من ارضها التى احتلت فى 1967 فى حين لم تزل الأراضى السورية فى الجولان قيد الاحتلال ..هنا تحقيق خاص اجرته الزميلة منى ابو عيسى مابين الجولان واسرائيل ..يشير الى الحالة التى يعيش فيها اهل الجولان تحت الاحتلال ..وفى المعنى كثير مما يشير الى واقع السياسة السورية ونتائجها. أحد الابحاث التى اجريت مؤخرا بواسطة علماء اسرائيليين متخصصين فى الفحص الجيولوجى والتى نشرت فى احدى المجلات العلمية المتخصصة فى البناء اثبتت من خلال الاقمار الصناعية ان اراضى الجولان المتصارع عليها سياسيا شهدت على مدار ملايين من السنوات تحركا بطيئا نحو اسرائيل باتجاه الجليل.
ومع ذلك فإن سوريا الى اليوم متمسكة بحقها فى مرتفعات الجولان التى تحتل منطقة يصل اتساعها افقيا الى (1250 كم) ناهيك عن كونها ثرية بالمياه والتفاح.
مازال دروز الجولان المشتتون بين سوريا واسرائيل والحروب الدائرة بينهما يبنون المنازل ، يتزوجون، يزرعون التفاح الاخضر ، يحملون الاعلام السورية ويعملون باسرائيل.
الدروز هم طائفة دينية تفرعت عن الاسلام وتتسم بخصوصيتها الصوفية التى اكتسبوها على مدار الف سنة منذ تفرعهم عن الاسلام ، ولكنهم الان متقوقعون او ينحصر وجودهم فى اسرائيل ولبنان وسوريا.
البداية
كنت ممن حصلوا على فرصة التواجد فى احدى المنتديات المتعلقة بطب الاسنان بفندق كبير ب"تل ابيب".المجسمات الكبيرة للاسنان بلاستيكية كانت تراقبنى من بعيد.الساحة كانت اشبه ببلاط راقص يحفل بعدد من اطباء الاسنان يرتدون الملابس الرسمية ويتبادلون الادوار فى عقد الصفقات مع بائعى المستلزمات الطبية بينما يتناولون مشهيات ذات النجوم الخمس وفى خلفياتهم نوافذ طويلة يطل منها البحر المتوسط.
من بين هؤلاء الاطباء قابلت " مجدى ابراهيم" طبيب اسنان من الجولان دعانى إلى العشاء فى منزله مع عائلته.
اذا عدنا الى عام (1967) سنكتشف ان عدد السوريين الذين كانوا متواجدين بهضبة الجولان كان حوالى (140 الفًا) ، حيث كان يعيش هذا العدد الكبير نسبيا بمدينتين و(164) قرية قبل ان يتم اقتلاعهم من بيوتهم اثناء وبعد حرب (1967) واعادة تسكينهم جبريا فى معسكرات اللاجئين حول دمشق ، اليوم يصل عددهم الى ما يقرب من نصف مليون مواطن. عقب العدوان الاسرائيلى تم تدمير المدينتين وما يقرب من 64 قرية، بينما ظل حوالى سبعة الاف منهم فى القرى الست المتبقية .
اليوم يعيش فى هذه القرى 20 الف مواطن، حيث تتركز الغالبية الدرزية فى خمس قرى هى : مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنيا والغجر .
المفارقة ان عدد هؤلاء الدروز هو نفسه عدد الاسرائيليين الذين يعيشون فى 33 مستوطنة اسرائيلية..
فن ما بعد الحرب
" كوني من الجولان المحتل لم أفهم تماما معنى الاحتلال إلا بعد أن أمضيت سنوات من الإقامة في دمشق خلال هذه الفترة بدأت أحس وأفهم كل العوامل والظروف التي ساهمت في تشكيل رؤيتي ومزاجي أي أنني بدأت أستمد عناصر ومكونات عملي الفني من إدراك وجودي تحت الاحتلال وبدأت أعي أي حرمان ونقص في الامتداد الطبيعي أعيشه (ويعيشه كل سكان الجولان) حيث إني أفتقد إلى اقل مقومات هذه البيئة الطبيعية التي يعيشها كل إنسان عربي من احتكاك مع دائرة فنيه واسعة وإمكانية التواصل مع شريحة أوسع من الثقافة العربية طبعا وجب التذكير أننا في الجولان نعيش (20 الف) مواطن عربي معزولين عن العالم العربي وعن كوننا سوريين"..هكذا قالت "راندا مداح" الفنانة القادمة من مجدل شمس التى تعمل فى مجال النحت، كان هذا خلال زيارتى لمركز " فاتح مدرس" الثقافى والفنى حيث كان النقاش دائرا حول ميلاد الفن فى ظلال الحرب.
فى 1981 اعلنت اسرائيل سيطرتها الرسمية على هضبة الجولان. حاولت وقتها الحكومة الاسرائيلية ان تفرض الجنسية الاسرائيلية على دروز الجولان الذين فى المقابل قاوموها .
على العكس من دروز الجليل الذين حصلوا على الجنسية الاسرائيلية فى اعقاب 1948 وخدموا فى الجيش الاسرائيلى فإن دروز الجولان اعلنوا بوضوح استياءهم من هذا الامر، رغم انهم بشكل او بآخر اصبحوا جزءا من الاقتصاد الاسرائيلى ويتم السماح لهم بالسفر بحرية تامة حيث يتم حكمهم بمقتضيات القانون الاسرائيلى.
حرصت على حضور جلسة من الفنانين الذين كانوا يتحدثون حول تمثال عار سبب مضايقات لبعض مشايخ الدروز . احد مؤسسى المركز ويدعى "وائل ترابى " قال لى " لقد وجد الفن طريقه الى الجولان لاول مرة فى 1982 من خلال مفهوم حب الوطن، حيث كان الناس يرون الفنانين كأبطال الحرب . بمضى السنوات بدأ الفنانون الشباب ينظرون الى العالم الذى يقع خارج حدود الجولان وبدأ عملهم يحطم الحواجز التقليدية للدروز.
وائل درس الفن فى "سان بتسبرج" خلال التسعينيات . هو من الجيل الثانى من الفنانين فى مجدل شمس .
أما راندا فهى من الجيل الثالث الذى درس الفن فى دمشق.
اكبرهم هو حسن خاطر الذى تحتل تماثيله البرونزية ميادين قريتين منذ الثمانينيات. احدهم ل "سلطان باشا الاطرش" قائد المقاومة المعادية للوجود الفرنسى فى 1925.
عمل "حسن" البطولى كان البداية الحقيقية لاهتمام الدروز بالفن.
الفنانون يشعرون بانفصالهم عن التجمعات الفنية العربية وعن العالم العربى نفسه ، فى الوقت الذي يعجزون فيه عن رؤية انفسهم داخل اسرائيل.
معظم فنانى الجولان يرفضون التعامل مع الدوائر الفنية الاسرائيلية و"الاسرائيليون يشعرون بعدم الارتياح بسبب الانتقادات السياسية".. .
راندا واصلت حديثها مؤكدة ان الخيار الوحيد المتاح هو الحركة الفنية الفلسطينية الوليدة.
بالرغم من كونهم سوريين يحملون بطاقات سفر Laissez-passe كنوع من التعويض عن جواز السفر الاسرائيلى الا ان هؤلاء الفنانين الشباب يتم رفضهم من قبل الدول العربية التى لديها مواقف ضد اسرائيل. وينتهى بهم الامر وهم يبحثون عن فرص فى فلسطين الممزقة بصراعاتها او فى الاردن او حتى فى مصر التى يغلف علاقتها باسرائيل سلام هادئ وبارد.
زيجتان وجنازة
عندما احتلت اسرائيل الجولان تم انتزاع دروز الجولان من اقربائهم فى سوريا. وما بين 1967 و1979 سمحت اسرائيل بتجمعات عائلية فى مخيمات بمنطقة حيادية منزوعة السلاح بين الدولتين ويتم حكمها من قبل قوات الامم المتحدة .
التجمعات التى شهدت لم شمل العائلات كان يتم تنظيمها بواسطة الصليب الاحمر بينما كانت تتم مراقبتها من قبل الامن الاسرائيلى.
فى 1979 تم ايقاف هذه اللقاءات بسبب حركات المقاومة التى تبناها دروز الجولان ضد السلطة الاسرائيلية.
بعد مؤتمر السلام الذى عقد فى مدريد عام 1991 سمحت اسرائيل للاجيال الجديدة من طلبة الجولان ليسافروا ويواصلوا دراستهم فى دمشق. ايضا سمحت الحكومة الاسرائيلية ل 500 مواطن بالسفر للحج فى سوريا كل عام. وكان يسمح للنساء بزيارة عائلاتهم فى سوريا لمدة ايام فى حالات خاصة جدا ، بعد ذلك جاءت البداية لقصص زيجات الجولان.
"غالبا ما كان يتقابل الناس اثناء دراستهم فى دمشق ليتزوجوا بعد ذلك" هكذا قال لى اسد صفدى الذى يعمل بمكتب الصليب الاحمر بالجولان.
..المعروف ان الزيجات تتم باحدى نقاط التفتيش بالقنيطرة ، حيث تجد مجموعة مختارة من اقرباء العريس والعروس واقفين على الجانب الآخر يحتفلون بالفرح والدموع. قبل ان تودع العروس عائلتها وبيتها لانها هى فقط المسموح لها بعبور الحدود.
هكذا تمت زيجات " رويدة ووليدة حمد" . لقد قابلتهما فى جنازة والدهما بقرية مصده. لم يكن متاح امام الشقيقتين سوى عشرة ايام لقضائها فى سوريا مع ابيهما الذى على وشك مفارقة الحياة بعد صراع مع السرطان. كانت المرة الاولى منذ عشر سنوات التى يحصلن فيها على فرصة رؤية منزلهما .
على بعد سبعة كيلو مترات وفى قرية "الحضرة" كانت تمضى جنازة والدهما بدونهما .
"اذا ذهبت الى الارض المجاورة لمنزلنا استطيع ان أرى قريتى " ..وليدة هى التى قالت هذا قبل ان تضيف "رويدة ":" لا احد يهتم بوضعنا ، لا احد يعبأ بحقيقة افتراقنا عن عائلاتنا ، الذين نراهم فقط فى حالات خاصة كهذه ، حين نضطر لتقديم صورة لجسم والدنا المتآكل ليتم السماح لنا بالسفر...
رويدة قابلت زوجها منذ عشر سنوات بينما كانت تدرس فى دمشق اما "وليدة " فقابلت زوجها فى الاردن منذ ثمان سنوات .
الجدير بالذكر ان حركات مرور دروز الجولان يتم ترتيبها بواسطة وزارة الداخلية الاسرائيلية والتى بالتالى تبحث الامر مع جهاز الامن، اما دور الصليب الاحمر فيكون التوسط بين هذه الاجهزة وبين الحكومة السورية .
أسد كان قد قال لى ان "الكنيست كان قد مرر قانونا فى 2005 بشأن لم شمل العائلات ، والتى لكى تتم تتطلب العبور من سوريا الى اسرائيل ، والتى بدورها يجب ان تتسلم ملف امنى عن الزائر والجانب السورى بالطبع لن يقدم شيئا كهذا .نتيجة لهذا الوضع أصبح عدد الزيجات بين دروز سوريا والجولان اقل .. اخر زيجة تمت كانت فى عام 2008 .
المعروف ووفقا للصليب الاحمر ان عدد الزيجات التى تمت منذ 1993 كان ما يقرب من السبعين. قبل ان تظهر التكنولوجيا الحديثة وبعد ان كانت تغلق المخيمات، اعتادت العائلات التى تفرق شملها ان تتجمع يوميا فوق تلتين فى منطقة وقف اطلاق النار، حيث كانت تستخدم مكبرات الصوت كطريقة للتواصل بينهم على مسافة 200 متر .
لقد سمعت احد مكبرات الصوت يكسر سكون الليل ليعلن وفاة رجل اصيب بازمة قلبية لمجرد رؤيته لامه بعد سنوات من الفراق. وبالرغم من ان الازمات القلبية ليست امرا شائعا الا انها مازلت ذكرى حزينة من بقايا الحرب.
بقايا الحرب والتفاح
السحب تجرى بين الجبال ، تعبر سوريا لتصل الى قرى الجولان غير عابئة بالحواجز والحدود. مازالت تشكل مرتفعات الجولان المهمة استراتيجيًا نقطة خلاف رئيسية بين اسرائيل وسوريا ، حيث يصر السوريون على استعادتها كشرط لاقامة سلام مع اسرائيل التى يصر قادتها على رفض اى محاولة للتخلى عنها.
الجولان تساهم فى مد اسرائيل بثلاثين بالمائة من المياه التى تحتاجها ، بالاضافة الى 422 مليون دولار امريكى تجنيها من السياحة والزراعة سنويا.
بالنسبة للمجتمع الجولانى فان التفاح مازال هوالمصدر الاساسى للدخل ." دروز الجولان كانوا من اوائل السوريين الذين زرعوا التفاح فى 1946".. قال لى هذه المعلومة سليمان مقط ، وهو يسترجع ذكرياته عن اليوم الذى وصلت فيه القوات الاسرائيلية الجولان عام 1967 فى تمام الثالثة والنصف بعد الظهر، ابن سليمان "بشير" كان قد اطلق سراحه مؤخرا من السجن ، بينما مازال ابنه الاخر "صدقى" فى السجن لتهم تتعلق بالامن.
التقيت ايضا ب "سميح ايوبى" وهو رجل فى الخمسين من عمره أخذ يتحدث بفخر عن انتصارات وبطولة دروز الجولان وعن رغبتهم فى عودة الجولان الى سوريا.
هو ايضا كان قد القى به فى السجن لعمله مع الجهاز السورى السرى خلال الثمانينات ، وحتى الان غير مسموح له بالسفر الى الاردن لمقابلة اخيه، ومع ذلك هو موافق على انه " هناك مكاسب اقتصادية من الاحتلال ومن انفتاح المجتمع " وان كان لا يستمتع بهذه الحقيقة. سامح يعتقد ان المقاومة هى السبيل لاعادة الجولان الى سوريا.
" الاحتلال بشكل او باخر ساهم فى جعل المجتمع اكثر انفتاحا ...ففى مناطق درزية اخرى لا يتمتع المجتمع بنفس الروح الليبرالية التى تجدينها هنا".. هكذا اخبرنى "نبيه حلبى " وهو رجل اعمال من الجولان فى منتصف العمر ، يملك افكارًا ولكن ليست لديه ادوات.
هو ايضا كان واحدا من الشباب الذين ساهموا فى المقاومة العسكرية والسياسية فى الثمانينيات ، وقضى اربع سنوات من عمره فى السجون الاسرائيلية أما حاليا فهو رجل وسيط بين مقاولين إسرائيليين وعمال من الفلسطينيين .
وبالرغم من كونه يساريا الا انه يرى فرصه الحقيقية فى سوق رأسمالى .
على العكس من "سميح" فان رجال الاعمال مثل "نبيه" يفضلون العمل و البيزنس على القتال .
احذر المتفجرات
"حقول الغام" كلمة تجدها دائما على لافتات صفراء براقة فى مناطق متفرقة بمرتفعات الجولان، وجزء كبير من البحر اما انه يحمل باحشائه الغامًا ثقيلة او على الاقل ليس امنا فى ظل هذه الشكوك حول امكانية زحف الالغام الى الشاطىء فى حالة وجود امطار غزيرة.
لا توجد خرائط او معلومات واضحة و متاحة عن الالغام او نوعها.ناهيك عن انها خطر على الحياة فبالرغم من كونها عديمة الفائدة عندما وضعت ما بين 1967 و1973 لمواجهة الدبابات التى عبرت الجولان الا انها مميتة فى مواجهة الافراد.
د.جميل ابو جبل المحامى الناشط بالمركز العربى لحقوق الانسان بالجولان "المرصد" قال لى ان اسرائيل تحتفظ بالمعلومات فى ملفات مختلفة و بتصنيفات متنوعة لاسباب امنية . جميل اضاف ايضا انه " نتيجة للاجراءات المشددة من قبل الجانب الاسرائيلى فان البحث عن معلومات متعلقة بالالغام يبدو امرا غاية فى الصعوبة .
هناك بحث ميدانى اجرى بواسطة "الحق"- احدى منظمات المجتمع المدنى الفلسطينية اظهر ان هناك 76 حقل الغام فى مرتفعات الجولان، بعضها قريب من او داخل بعض القرى العامرة بالسكان. منذ حرب 1967 تسببت الالغام فى مقتل ما يقرب من 16 شخصًا واصابة 45 اخرين باشكال مختلفة من العجز.
ووفقا للقانون الدولى فإن على قوى الاحتلال ان تقوم باخلاء المنطقة من الالغام التى تعرض حياة المدنيين للخطر.
" لا نعرف لماذا ترفض الحكومة الاسرائيلية تطهير المنطقة ، هم فقط يقولون ان ذلك لدواع امنية ." هذه هى كلمات د. جميل الذى اكد ان المدنيين يرون حقول الالغام على انها وسيلة غير مباشرة للتحكم بهم.
د. جميل اضاف ايضا ان بعض المنظمات الدولية معنية بهذا الامر للغاية وان كان السكان يحاولون التأقلم مع الالغام لكى تسير عجلة الحياة.
الغريب انه بالرغم من كل هذا فان تجارة التفاح استمرت بين الدولتين بالرغم من الصراع المستمر لاكثر من 40 عامًا.
منذ عام 2005 والصليب الاحمر يحاول تسهيل تصدير التفاح من الجولان الى سوريا . حيث يتم بيع ما يقرب من خمس الاف الى 10 الاف طن سنويا.
سوريا تبيع الكيلو بدولار واحد. و للعلم فان ما يقرب من 35 الف طن من التفاح تم تصديرها على مدى الاربع سنوات الماضية الى سوريا.
المعروف ان دروز الجولان يبيعون تفاحهم الى سوريا و اسرائيل " نبيع فقط لسوريا لاننا نثق فى قدرة الحكومة السورية على البيع و لكننا لا نثق فى الدول الاخرى." هذا ما قاله اسعد الصفدى من الصليب الاحمر قبل ان يشرح ان الصعوبة فى تصدير التفاح الى الدول الاخرى هى ان معظمهم فى حالة حرب مع اسرائيل.
" هذه الدول سوف تسأل بالطبع عن بيانات الدولة المصدرة و بالرغم من ان المصدرين هنا هم دروز الجولان الا ان الشهادة تحمل اسم اسرائيل "، وفقا لاسعد لا توجد دولة من الدول المجاورة لسوريا على استعداد لتحمل مسئولية استيراد تفاح الجولان، و "دروز الجولان" ليس لديهم رأس المال الكافى ولا البنية اللازمة لكى يصدروا منتجاتهم الى دول اجنبية.
فى الوقت الذى تنشغل فيه اسرائيل بحربها وصراعاتها مع سوريا يظل دروز الجولان فى انتظار معجزة لكى تحدث ، ويحاولون بناء مستقبل لم يأت بعد على الجولان الخاضعة للسيطرة الاسرائيلية.
الشباب يفتقد ايام الجامعة فى دمشق فى الوقت الذى يعمل فيه باسرائيل ويحصل على مقابل مادى يصل الى اربعة اضعاف ما يمكن ان يحصل عليه فى سوريا. بل ويحلمون بالخروج الى العالم الكبير وباليوم الذى يستطيعون فيه رؤيته .
"التفاح" مصدر للربح ولكنه مقيد وعاجز بسبب السياسة ، مثله مثل اى وجه آخر للحياة فى ظل استمرار الصراع العربى الاسرائيلى.
مازال الاباء الدرزيين يتحدثون عن ايام الإضرابات والمجد فى الثمانينيات .يتذكرون سلطان باشا ويرفعون الإعلام السورية جنبا الى جنب الإعلام الدرزية. هذه هى الحياة الى ان تتحقق معجزة السلام فى يوم ما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.