بسام راضي ينقل تهنئة الرئيس السيسي للجالية القبطية في إيطاليا بعيد الميلاد    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه لرئاسة حزب الوفد    تعرف على تطورات سعر الذهب.. عيار 18 يسجل 5104 جنيهات    التضخم في منطقة اليورو يتباطأ إلى 2% خلال ديسمبر 2025    تحالفات مشبوهة وأجندات خارجية.. كيف استُخدمت مظاهرات إخوان تل أبيب ضد مصر؟    وزير الخارجية السعودي يصل إلى واشنطن في زيارة رسمية    صالة حسن مصطفى تستضيف قمتى الأهلى والزمالك بدورى محترفى اليد    مصدر بالزمالك: معتمد جمال الاختيار الأنسب لتدريب الفريق والجميع يدعمه في مهمته    القبض على شخصين لاتهامهما بإصابة شابين بطعنات نافذة بكفر شكر    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    السياحة والآثار تنفي شائعات ترميم سقف مسجد الأمير عثمان بجرجا وتؤكد الالتزام بالمعايير الأثرية    دور العرض المصرية تستقبل كولونيا اليوم.. و15 يناير فى العالم العربى    الصحة: استهداف خفض الولادات القيصرية إلى 40% بحلول 2027    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    إيران تدين زيارة وزير خارجية إسرائيل إلى أرض الصومال وتعتبرها انتهاكا للسيادة    تدنى الأسعار يكبد قطاع الدواجن خسائر 8 مليارات جنيه فى الربع الأخير من 2025    ننشر الأسماء.. وزارة التضامن تغلق 80 دار رعاية مخالفة وغير مرخصة في 18 شهرًا    نجم الجزائر يعتذر لمشجع الكونغو الديمقراطية    عاجل.. سلامة الغذاء تسحب عبوات لبن نستلة من الأسواق    طريقة عمل أرز بالسبانخ والليمون، طبق نباتي غني بالحديد ومثالي للصحة    إذا تأهل الريال.. مبابي يقترب من اللحاق بنهائي السوبر الإسباني    كنوز تعبر القارات: المتحف المصري بالقاهرة ورسالة التراث إلى العالم    "القاهرة الإخبارية": استمرار القصف الإسرائيلي على الأحياء الشرقية لقطاع غزة واستشهاد طفلة    مشاورات مصرية عمانية في القاهرة    احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق فى القدس.. ونتنياهو يدعو لضبط النفس    ضبط 2.5 طن نشا مجهولة المصدر بمصنع بشبين القناطر بمحافظة القليوبية    1000 رحلة يوميا و1.2 مليون راكب.. السكة الحديد تكشف أرقام التشغيل على مستوى الجمهورية    محافظ أسيوط: طفرة نوعية في خدمات الاتصالات خلال 2025    هزة أرضية بقوة 5.3 فى الفلبين.. وماليزيا تؤكد عدم وجود تهديد تسونامى    فرقة «نور الحياة» تحيي حفلًا ببيت الغناء العربي الجمعة    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    أمم أفريقيا 2025| زين الدين بلعيد: الجزائر يتطلع للمنافسة على اللقب..والتركيز مطلوب أمام نيجيريا    تقرير أمريكى: إسرائيل تتجاوز العقبة الأخيرة لبدء بناء مستوطنات من شأنها تقسيم الضفة    محافظ أسوان يوزع كروت تهنئة الرئيس والهدايا على الأطفال بمختلف الكنائس    القبض على 299 متهمًا بحوزتهم نصف طن مخدرات بالمحافظات    تموين المنوفية: ضبط 8000 لتر سولار مدعم محظور تداوله بالسادات    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    لقاء الخميسى: لا يوجد ما يستدعى القتال.. السلام يعم المنزل    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    المصري يستأنف تدريباته لمواجهة كهرباء الإسماعيلية في كأس عاصمة مصر    محافظ قنا يشارك أقباط دشنا احتفالات الميلاد    إصابة 22 عاملًا بحادث انقلاب ميكروباص عمال في البحيرة    اقتصاديات الصحة تدرج 59 دواء جديدا وتضيف 29 خدمة خلال 2025    خبر في الجول – معتمد جمال يقود الزمالك لحين التعاقد مع مدير فني أجنبي    حماية الأمن المائي المصري، بيان عاجل لوزارتي الخارجية والموارد المائية والري    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    حريق يلتهم سيارة نقل ثقيل دون إصابات على الطريق الصحراوى بالإسكندرية    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    «صحة البحيرة»: إجراءات صارمة لعودة الانضباط لمستشفى كفر الدوار العام    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    أسعار الخضراوات والفواكه بأسواق كفر الشيخ.. الطماطم ب15 جنيها    تحرك عاجل من الصحة ضد 32 مركزا لعلاج الإدمان في 4 محافظات    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. سمير غطاس يكتب: ملف التسوية فى الشرق الأوسط .. سوريا أولاً.. التوريث والتسوية (1)
نشر في المصري اليوم يوم 27 - 08 - 2009

بعد أن أغلقت مصر ومن بعدها الأردن ملفاتهما للتسوية السياسية مع إسرائيل، لم يعد هناك من يركض على مضمار هذه التسوية سوى الخيول السورية والفلسطينية التى أنهكها هذا الركض المضنى وراء المفاوضات السرية والعلنية والمباشرة وغير المباشرة ولكن من دون أن يصل أى منهما إلى حل أو تسوية يستعيد بها أراضيه الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلى منذ هزيمة 1967 وحتى الآن.
كانت إسرائيل - كعادتها - قد استغلت انعدام التنسيق والتوافق بين المسارين السورى والفلسطينى لتلعب على التنافس القائم بينهما وتذهب بكل واحد منهما على حدة إلى مشارف خط النهاية فى المفاوضات ثم ترتد به من جديد إلى المربع الأول ونقطة الصفر فى هذه اللعبة التى تعود فتبدأ ولكن لا تنتهى أبدا.
كانت المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية هى التى تستأثر بالتغطية الإعلامية الواسعة، ولم تكن فى العادة تسلم من حملات الاتهام والتشكيك والتجريح، بينما أحيطت المفاوضات السورية – الإسرائيلية، بالمقابل، بأجواء من التكتم والسرية رغم أنها لم تنقطع تقريبا منذ أن بدأت أولى جولاتها سراً فى العاصمة الأمريكية واشنطن فى يونيو 1994، وربما لهذا ينبغى إلقاء المزيد من الأضواء على أسرار وخبايا ملف هذه المفاوضات السورية – الإسرائيلية، لأنها مرشحة أكثر لأن تحتل الصدارة، ربما حتى على حساب المسار الفلسطينى، إذا ما جرى استئناف عملية التسوية العتيدة فى الشرق الأوسط..
كان ستة من رؤساء الوزارة فى إسرائيل قد تعاقبوا واحدا بعد الآخر على المشاركة فى المفاوضات التى جرت سرا مع سوريا، ابتداء بإسحق رابين ومرورا بشيمون بيريز وبنيامين نتنياهو ثم باراك وشارون ووصولاً إلى إيهود أولمرت الذى تميز، خلافا لأقرانة السابقين، بإخراج المفاوضات السورية – الإسرائيلية من الكواليس إلى النور ومن السر إلى العلانية.
ويبدو أنه لهذا السبب تزعزعت بعدها مكانة أولمرت واهتز كرسى الحكم من تحته، قبل أن يجرى القذف به إلى خارج مقر ملوك إسرائيل أو مكتب رئيس الوزراء الواقع فى 3 شارع كابلان فى مدينة القدس.
وخلافاً للانطباع السائد فى الشارع العربى فإن عام 2008 الماضى شهد تطورات بالغة الأهمية والخطورة على مسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية التى احتضن جولاتها الوسيط التركى، وقد وصلت الأمور فى هذه المفاوضات إلى الحد الذى دعا الرئيس السورى بشار الأسد إلى القول صراحة لصحيفة «لاريبوبيلكا» الإيطالية فى 18/3/2009 إن سوريا وإسرائيل كانتا قريبتين كالشعرة من إبرام اتفاق سلام. وقد أكد الأسد الابن فى تصريحه هذا على ما كان أولمرت نفسه قد سبقه وقاله علناً فى 19/12/2008 فى المؤتمر السنوى لمعهد بحوث الأمن القومى هناك، أولمرت قال وقتها: إن اتفاق السلام مع سوريا هو أمر قابل للتحقق، وهناك إمكانية حقيقية وواقعية للتوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا قريبا جدا.
لكن يبدو أن هذه التصريحات الوردية جاءت متأخرة، وتعثرت مرة أخرى ولادة هذا الاتفاق العتيد ولم يخرج الجنين إلى النور رغم الحبل به منذ أكثر من 15سنة، لأن أولمرت نفسه كان على حافة الخروج من موقعه كرئيس لوزراء إسرائيل، فى الوقت الذى كان فيه الرئيس السورى يلح على ضرورة إشراك أمريكا فى عقد هذا الاتفاق بينما كان الرئيس بوش، غير المتحمس له، يستعد هو الآخر لمغادرة البيت الأبيض غير مأسوف عليه.
وهكذا ضاعت الفرصة التى قال الرئيس الأسد إنها كانت على بعد شعرة، وقد تكرر هذا السيناريو، على نحو مشابه، فى تجارب تفاوضية سورية – إسرائيلية سابقة، وبالنتيجة تبقى هضبة الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلى لأكثر من أربعين عاما.
لقد كان صحيحا، ولايزال، القول بأنه ليست لإسرائيل مصلحة فى التوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا تنزل بموجبه عن هضبة الجولان التى احتلتها عام 67، لأنها تعتبرها زخراً استراتيجياً على المستوى الأمنى نظرا لطبيعتها الطبوغرافية المتحكمة من أعلى فى مناطق حيوية من إسرائيل، فضلا عن أهميتها القصوى كمصدر أساسى للمياه التى يتزايد الطلب عليها والحاجة الماسة لها.
وهذا الأمر يعنى بوضوح أن إسرائيل لن تنزل عن هضبة الجولان سوى فى حالتين: الحالة الأولى هى إجبارها على ذلك بالقوة، بالمعنى الشامل للقوة الذى هو أكثر اتساعا وشمولا من مفهومنا المحدود للقوة بمعناها العسكرى وحده، بينما يمكن أيضا استعادة هضبة الجولان فى إطار صفقة كبرى متوازنة قد تضطر إسرائيل لها إذا كانت ستضمن الحصول مقابلها على مرابح استراتيجية تعوضها النزول عن هضبة الجولان المحتل وتحفظ لها فى الوقت نفسه القدر الأكبر من شروط الأمن والأمان.
 وكل هذا يبدو بديهيا ومفهوما، لكن ما هو غير مفهوم ولا مبرر له هو استمرار هذا التناقض الصارخ بين الخطاب السورى الثورجى الذى لا يمل من امتشاق شعارات المقاومة ويتهم الآخرين ويتهجم عليهم، بينما يسود الصمت المطبق والهدوء التام والشامل هضبة الجولان المحتلة منذ 1974 وحتى الآن، وتمنع السلطات السورية بكل ما لديها من سطوة وقوة أى طرف كان من محاولة الاقتراب من الجولان المحتل والتفكير فى القيام بأى عمليات عسكرية أو غير عسكرية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلى هناك بما فى ذلك منع إلقاء الحجارة أو حتى التظاهر والمقاومة السلمية، وهذا المنع يسرى على الجميع بلا أى استثناء من الجيش العربى السورى نفسه إلى أى جماعة سورية أو أى جماعة أخرى من حلفاء سوريا المتواجدين على أراضيها أو إلى جوارها بما فى ذلك الحرس الثورى وفيلق القدس الإيرانى وحزب الله وحماس والجهاد وجماعة جبريل وأبوموسى وباقى الأبوات.
وربما لذلك تفاخر إسرائيل بأن جبهة الجولان المحتلة هى الأكثر هدوءاً وأمنا، وأن السلطات السورية سمحت العام الماضى بتصدير التفاح من إنتاج المستوطنات اليهودية فى الجولان عبر أراضيها، وإن كانت سوريا قد تقدمت بشكوى شديدة اللهجة للأمم المتحدة لأنها سمحت باستيراد نبيذ تنتجه نفس المستوطنات فى الجولان المحتلة.
وإذا بقيت سوريا تحافظ على منع الجميع من ممارسة الحق فى مقاومة الاحتلال، فإنه لم يعد أمامها سوى خيار التفاوض الذى يبدو أنه أحرز تقدما ملموسا فى نهاية العام الماضى بشهادة الرئيس بشار الأسد الذى أكد أن اتفاق سوريا مع إسرائيل كان على بعد شعرة وليس أكثر، وقد يكون هذا الأمر واحدا من الأسباب المهمة التى تدفع الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس أوباما للميل لما يسمى بخيار سوريا أولاً، وهناك العديد من المؤشرات التى تدعم هذا التوجه الأمريكى الجديد ليس آخرها قرار أوباما بإعادة السفير الأمريكى إلى دمشق، والتحسن الملحوظ والمطرد فى العلاقات السورية – السعودية التى تحمل المياه إلى نفس الطاحونة.
والحقيقة أن تفضيل أوباما لخيار سوريا أولاً جاء منسجما مع تأثره القوى بتوصيات لجنة بيكر – هيملتون وخاصة البنود من 8-17 التى أوصت بالانفتاح والحوار مع سوريا، فضلا عن تأثره بتقرير لريتشارد هاس أحد كبار الاستراتيجيين الأمريكيين الذى نشره فى الدورية الشهيرة «فورين آفيرز» ودعا فيه أوباما لاعتماد خيار سوريا أولاً. ويتطابق هذا الخيار مع المصلحة الأمريكية المباشرة، التى تميل أكثر له للأسباب التالية:
1- لأن صفقة سوريا أولاً ستشترط فصل أو عزل سوريا عن إيران، وهو مطلب إسرائيلى ويضعف موقف إيران فى حوارها مع أمريكا.
2- لأن صفقة سوريا أولاً ستتضمن التزاما سوريا بإغلاق حدودها مع العراق ومنع تهريب الأفراد والأسلحة لتأمين الانسحاب الأمريكى ودعم استقرار الوضع الأمنى فى العراق.
3- كما تسعى أمريكا من وراء صفقة سوريا أولاً إلى التزام سوريا بوقف إمداد حزب الله فى لبنان بالأسلحة.
4- ومن شأن خيار سوريا أولاً أن يخفف أو يضعف الدعم الذى تقدمه للفصائل الفلسطينية المقيمة فى دمشق.
5- ولأن خيار سوريا أولاً أقل صعوبة وتعقيدا من فلسطين أولاً، إذ لا توجد به قضايا أيديولوجية ودينية معقدة مثل ملفات القدس واللاجئين.
6- ولأن الطرفين «السورى والإسرائيلى» أعلنا على لسان الأسد وأولمرت أنهما كانا على بعد شعرة من إبرام اتفاق سلام بينهما بما يعنى جاهزية الطرفين، مع بعض الحوافز والضغوط الأمريكية، لإتمام الصفقة. ويخطئ من يعتقد أن المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل التى احتضنتها تركيا فى 2008، كانت الأولى من نوعها فى هذا المجال، إذ يحتفظ الطرفان بسجل طويل من المفاوضات السرية التى رعتها أمريكا مباشرة.
كانت أمريكا افتتحت هذه المفاوضات السرية فيما بات يعرف باسم «قناة السفراء» التى جمعت فى 29/7/1994 ايتمار رابينوفيتش السفير الإسرائيلى فى واشنطن بنظيره السورى وليد المعلم وزير الخارجية السورى الحالى الذى كان سفيرا لبلاده فى واشنطن آنذاك، وبعد شهور قليلة تطور الأمر وترقى إلى مفاوضات سرية بين رؤساء الأركان فى البلدين، وفى 21/12/1994 رتبت واشنطن لقاء سريا بين إيهود باراك واللواء حكمت الشهابى، وأشرف الرئيس الأمريكى بيل كلينتون بنفسه على رعاية هذا اللقاء.
لكن الشروط التى طرحها باراك استفزت الرئيس السورى الراحل الأسد الأب الذى رفضها وأوقف هذه القناة لكنه أبقى على عمل قناة السفراء، وكلف كلينتون السفيرين: مارتن إيندك، الذى يعود الآن لتسلم نفس الملف، ودينس روس، برعاية هذه المفاوضات وقد توصل الطرفان بهذه الرعاية الأمريكية إلى مذكرة تفاهم، ما أسهم فى عودة الروح لقناة رؤساء الأركان، وفى 26/6/1995 اجتمع اللواء الشهابى رئيس الأركان السورى باللواء آمنون شاحاك رئيس الأركان الإسرائيلى، وجرى هذا الاجتماع فى قاعدة بورت - ماكنير وتحت الإشراف المباشر لوزير الخارجية وارن كريستوفر، ونجحت أمريكا فى ذلك الوقت فى الحصول من رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحق رابين على ما بات يسمى «وديعة رابين» التى تعهد فيها بالانسحاب الكامل من هضبة الجولان إذا ما لبت سوريا احتياجات إسرائيل الأمنية.
لكن إنهاء الصفقة تعطل بسبب الخلاف على الترتيبات الأمنية التى اشترطتها إسرائيل فى الاتفاق، ولكن بعد فترة من تعليق المفاوضات وصل فجأة إلى إسرائيل السفيران مارتن إيندك ودينس روس وأبلغا رابين باستعداد الرئيس الأسد لإنهاء الصفقة، لكن رابين طلب إرجاء الأمر إلى يناير 1996، بعد أن يتمكن من الحصول على موافقة الكنيست على موازنة الدولة، لأنه - حسب القانون الإسرائيلى - تسقط الحكومة هناك إذا لم يصادق النواب على الميزانية، لكن رصاصات المتطرف اليمينى يجال عمير كانت أسبق، واغتالت رابين فى 24/11/1995 بعد حملة تحريض يمينية متطرفة صورت رابين وهو يعتمر الكوفية الفلسطينية لياسر عرفات.
لكن ملف التسوية السورية – الإسرائيلية لم يدفن مع رابين، وعاد شيمون بيريز فاستأنفه مع سوريا فى يناير 1996، لكنه - كعادته - مال أكثر للتوصل إلى اتفاقات اقتصادية مشتركة بين البلدين ما دفع سوريا إلى وقف المفاوضات معه، وبعد فوز نتنياهو على بيريز وترؤسه الحكومة هناك فى يونيو 1996 اعتمدت إسرائيل تكتيكا مزدوجا، ففى ظل الخطاب السياسى المتشدد لنتنياهو استؤنفت الاتصالات السرية مع سوريا بواسطة صديق نتنياهو الملياردير الأمريكى رون لاودر وآخرين.
لكن الاتصالات أجهضت بسبب خسارة نتنياهو الانتخابات أمام باراك، الذى أعطى دفعة قوية جديدة للمفاوضات السرية باجتماعه فى واشنطن بوزير الخارجية السورى فاروق الشرع، وشعر كلينتون، الذى كان متلهفا على نيل جائزة نوبل للسلام، بأنه قريب من التوصل إلى اتفاق للتسوية بين سوريا وإسرائيل، ومن أجل حسم هذا الاتفاق رتب لقاء مع الرئيس الأسد الأب فى جنيف فى 26/3/2000.
لكن اللقاء فشل والصفقة تعطلت، بسبب ما سمته المصادر الإسرائيلية الربط مابين ملف التسوية مع إسرائيل وملف التوريث فى سوريا، بعد أن طلب الأسد الأب، الذى عانى من مرض عضال، دعماً أمريكيا لأول عملية توريث فى النظام الجمهورى العربى لنقل السلطة إلى ولى العهد الدكتور بشار، الذى كان قد حل مكان الوريث الأصلى شقيقه المرحوم بشار الذى قضى فى حادث أليم على طريق مطار دمشق وبعد وفاة الرئيس الأسد الأب جرى على عجل تعديل الدستور ليتناسب مع سن الوريث ووسط إجراءات غاية فى الشفافية والديمقراطية جرى تنصيب الرئيس الجديد بشار الأسد فى 10/7/2000.
ونظرا لاهتمام الرئيس الجديد بقضايا أهم وأكبر من تحرير الجولان المحتل، تعاقبت السنوات التالية من دون تسجيل أى تقدم فى المفاوضات إلى أن عاودت عجلة المفاوضات دورانها من جديد فى العام الماضى 2008، والتى انتهت إلى الوقوف على بعد شعرة من الاتفاق على التسوية، حسب تصريحات زعيمى البلدين.
كان الطريق إلى استئناف المفاوضات السورية – الإسرائيلية فى تركيا العام الماضى قد مر بعدد من المحطات المهمة التى تستوجب التأمل والتحليل، ففى أكتوبر 2002 بلغ الصلف الإسرائيلى مداه حين قام الطيران الإسرائيلى الحربى بالتحليق فوق قصر الرئاسة السورى فى قلب دمشق، وعاد فكرر فعلتة ولكن بالتحليق فوق منزل الرئيس السورى فى مسقط رأسه، وفى يوليو 2006 شنت إسرائيل حربها العدوانية على لبنان والتزمت سوريا الصمت طوال فترة الحرب، لكن الرئيس السورى بشار الأسد فاجأ الجميع وألقى خطابا ناريا يوم 15/8/2006 واتهم فية القادة العرب بأنهم «أنصاف رجال»، وبعد أقل من عام جدد الرئيس السورى لنفسه ولاية ثانية تنتهى فى 2014 بعد إعلان وزارة الداخلية السورية فوزه فى الاستفتاء كمرشح وحيد للرئاسة بنسبة 99%من أصوات الشعب السورى الشقيق.
ولكن هذا لم يكن كافيا لردع إسرائيل عن الاستمرار فى عربدتها، فقامت فى 6/9/2007 بقصف جوى لمنشأة فى العمق السورى فى دير الزور بدعوى أنها منشأة نووية، ولكن الرئيس السورى أدار ظهره تماما لخطابه الشهير بعد الحرب على لبنان وقال ل«بى بى سى»: «إذا رددنا على إسرائيل عسكريا فسنعمل بحسب برنامج إسرائيل، لدينا وسائل أخرى خاصة كالرد السياسى»، ولم يتأخر رد الرئيس السورى كثيرا على العدوان الإسرائيلى فأعلن عن مشاركة سوريا فى اجتماع أنابوليس فى 27/11/2007، ومنع اجتماعا دعت إليه حماس فى دمشق للتنديد بمشاركة أبومازن فى أنابوليس نفسها، لكن حتى هذا الرد البليغ لم يردع إسرائيل عن عربدتها فقامت فى 12/2/2008 باغتيال عماد مغنية فى قلب دمشق.
 ثم انعقدت القمة العربية فى قلب دمشق نفسها فى 29/3/2008 وهاجم الرئيس بشار الأسد بقوة تعلق العرب بالمبادرة العربية للسلام، وبعد أقل من شهر واحد فقط كشف الرئيس الأسد الابن النقاب علناً فى 24/4/2008 عن المفاوضات التى تجريها سوريا وإسرائيل فى تركيا، وتحدث الأسد فى تصريحه هذا عن تسلمه رسالة من أولمرت عبر أردوغان تعهد فيها رئيس الوزراء الصهيونى بالالتزام بوديعة رابين، ولم يكن من قبيل المصادفة فى شىء أن تعلن الشرطة فى إسرائيل فى اليوم التالى عن مباشرة التحقيق مع أولمرت بشأن فضيحة فساد مالى داخلى وليس بسبب وديعة رابين.
 ولكن أولمرت الذى أزيح عن رئاسة حزب كاديما وواصل كأى إوزة عرجاء رئاسته للحكومة أبدى مزيدا من الجلد على مواصلة المفاوضات مع سوريا حتى الأيام الأخيرة فى ولايته حتى أعلن الطرفان عن أنهما كانا على بعد شعرة واحدة فقط من تحقيق التسوية، كانت سوريا هى من طالب فى نهاية مفاوضاتها مع إسرائيل بضرورة الانتقال إلى المفاوضات المباشرة ولكنها اشترطت ضرورة مشاركة أمريكا فى رعاية هذه المفاوضات المباشرة، وعندما سأل الرئيس الأسد فى قناة الجزيرة (نعم فى قناة الجزيرة) يوم 14/7/2008 عن تصوره للعلاقة المستقبلية مع إسرائيل بعد التسوية قال: «علاقات طبيعية مثل تلك التى تكون بين دولتين توجد سفارات وعلاقات واتفاقات»، وتشير كل التقديرات التى تتابع سير المفاوضات السورية – الإسرائيلية إلى أنها حبلى بجنين يشبه الخالق الناطق اتفاقية كامب ديفيد ولكن بتأخير لا يزيد على 30 سنة فقط..
 وكان بعض المعلقين فى إسرائيل غمزوا من قناة تركيا التى احتضنت المفاوضات الأخيرة بالإشارة إلى إقليم الإسكندرونة السورى الذى تنازلت عنه سوريا لتركيا ولم يمنعها ذلك من إقامة علاقات حميمة بينهما، وليس من المستبعد أن تعيد إسرائيل فى عهد نتنياهو تشغيل هذه الأسطوانة، كجزء من سياسته لصد رغبة أوباما فى إحياء خيار سوريا أولاً، ويبدو أن هذا ما حدث بالفعل مؤخرا عندما كشف النقاب فى إسرائيل عن الخطة التى حملها فردريك هوف مساعد جورج ميتشل عند زيارته الأخيرة لإسرائيل فى 15/7، والتى حملت عنوان «رسم خريطة السلام بين سوريا وإسرائيل».
ولم يتأخر نتنياهو عن الرد بإعادة طرح قانون تحصين الجولان الذى يقضى بضرورة عرض أى اتفاق حول الانسحاب من الجولان على استفتاء شعبى لإقراره، وهو ما يضع أوباما نفسه وخطته «سوريا أولاً» محل حرج شديد، وربما لهذا يتوجب علينا أن نرفع هذا الحرج عن الرئيس أوباما، ونهون الأمر عليه فقد انتظرت الجولان أكثر من أربعين عاما تحت الاحتلال الإسرائيلى، وما دام ذلك لم يحرجنا للآن، فليس على الرئيس الصديق أوباما من حرج.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.