اجتماع حزب الوعي لمناقشة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2026–2030    رئيس "الثروة المعدنية" يبحث مع شركات تركية وأمريكية جذب استثمارات جديدة لقطاع التعدين    بعد انسحاب الإمارات، العراق يكشف موقفه من البقاء في منظمة أوبك    مياه سوهاج تعيد تشغيل محطة ناصر النقالي بعد احتواء بقعة سولار بنهر النيل    الليلة، تعديل مؤقت في مسار قطاري نجع حمادي وأسوان    جيش الاحتلال يعلن اكتشاف نفق لحزب الله بطول كيلومترين جنوب لبنان    الشرق الأوسط يدخل حالة «اللاسلم واللاحرب»    الصليب الأحمر: سلمنا إيران أكثر من 170 طنا مواد إغاثية خلال أبريل    مسار يحقق لقب دوري الكرة النسائية للمرة الثالثة على التوالي    أزمة محتملة في تشيلسي بعد زيارة إنزو فرنانديز إلى مدريد    أسبوع حاسم ينتظر مانشستر سيتي في إنجلترا    السيطرة على حريق مخلفات الصرف الصحي بجبل الطير في المنيا    محافظة الإسماعيلية تشن حملة مكبرة "شارع منظم..رصيف آمن" لرفع الإشغالات وإعادة الانضباط    تخفيف عقوبة شاب وفتاة متهمين بالاتجار في المخدرات بالعمرانية إلى 6 سنوات    إقيال جماهيري كثيف على عروض مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    حبس عامل قتل زميله بسبب خلافات مالية بينهما فى المنوفية    مشاجرة بين الفنانة هالة سرور وزوج شقيقتها بالشيخ زايد    خبير شؤون إيرانية: تحركات طهران بباكستان لاحتواء التوتر ورسائلها تعكس جاهزية للتصعيد    هيئة الدواء تسحب دواء للوقاية من حدوث عدم توافق فصائل الدم.. تفاصيل    فوز طلاب هندسة كفر الشيخ بجائزة أفضل تطبيق صناعي على مستوى العالم    وزارة الزراعة تحذر من تداول لقاحات مجهولة المصدر للتحصين ضد الحمى القلاعية    نار الميراث تحرق صلة الرحم بالقليوبية.. سائق يهاجم منزل شقيقه ويهدد بحرق أسرته    الصين: ندعو إسرائيل إلى الالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار بغزة    تصعيد عسكري جنوب لبنان.. تفجير نفق ضخم واعتراض مسيّرات    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    حكم السخرية من السلام عليكم.. أمين الفتوى يوضح    محافظ الغربية ورئيس جامعة طنطا يفتتحان المعرض الفني لطلاب مركز الفنون التشكيلية    الأرصاد الجوية: ارتفاع في درجات الحرارة غدا الأربعاء    تعاون جديد بين هيئة الاستعلامات والمجلس المصري للسياسة الخارجية    الشوط الأول الآن ⚽ ⛹️ (0-0) بث مباشر الآن Paris Saint-Germain vs Bayern Munich.. بث مباشر مباراة بايرن ميونيخ وباريس سان جيرمان اليوم لحظة بلحظة    «رجال طائرة الأهلي» يستعدون لدور ال16 في بطولة إفريقيا بدون راحة    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون مع مركز السياسات الاقتصادية بمعهد التخطيط    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    صحيفة: ترامب وتشارلز أبناء عم.. ودونالد: لطالما أردت العيش فى قصر باكنجهام    تأجيل محاكمة 71 متهما في "خلية التجمع" إلى 21 يونيو    رئيس جامعة المنوفية يتفقد مستشفى الطلبة للاطمئنان على جودة الخدمات الطبية    محمد فراج: الأطفال بعد الطلاق يعانون في صمت.. والمشرف الاجتماعي هو الحصن الحقيقي داخل المدارس    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    مجلس جامعة بني سويف يستهل جلسته بتقديم التهنئة بعيد العمال    شهادة ادخار جديدة بالبنوك لمدة 3 سنوات وبأعلى فائدة شهرية.. اعرف التفاصيل    الشعب الجمهوري ينظم صالونا سياسيا لمناقشة مستهدفات الاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان    مصطفى عزام يستقبل بعثة منتخب اليابان للناشئين    فى ذكرى ميلاده.. نور الشريف أيقونة الدراما المصرية وصائد الجوائز    بدر عبد العاطى يفتتح غرفة حفظ الوثائق المؤمنة بمقر وزارة الخارجية    وكيل شباب جنوب سيناء يهنئ بطل السباحة البارالمبية بشار محمد لفوزه ببطولة الجمهورية    طب قصر العينى جامعة القاهرة يُطلق الملتقى العلمى المصرى الفرنسى لأمراض الكبد    السجن 3 سنوات لفتاة بتهمة حيازة المخدرات بالسلام    المسلماني: النيل الثقافية تقيم مؤتمر ماسبيرو للموسيقى برئاسة جمال بخيت يونيو القادم    ماركا: إصابات مبابي في ريال مدريد تصيبه بالإحباط بعد اقترابه من معادلة سجله مع سان جيرمان    رئيسة وزراء اليابان: نقدر دور مصر بقيادة السييسي في ضمان الأمن والاستقرار الإقليميين    قصر ثقافة أبو تيج بأسيوط يحتفي بذكرى تحرير سيناء ويكرم المبدعين    التأمين الصحي: 577 ألف منتفع بنسبة تغطية 71.3%... وتقديم آلاف الخدمات الطبية بالمحافظة    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية    الرئيس السيسي: ضرورة ربط المناطق الكثيفة سكانياً بوسائل نقل صديقة للبيئة    البابا تواضروس يصل النمسا فى ثاني محطات جولته الخارجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السيد يس.. عقل يبحث عن يقين .. ولكنك طفل يا عزيزى المفكر .. الحلقة الأولى


محاورات يكتبها- البهاء حسين
لكي تحاورالسيد يسين، لكي تجعل منه بطل كتاب، عليك أن تضع، مثله، أصابعك في شقوق العصر. إنه قادر علي أن يشغل فضولك ويلهيه . إن الفلسفة والاجتماع والأدب والسياسة والقانون هي أسماء لحالاته.
اقعد معه دقائق ولن تكف عن تبجيل ذاكرته. لقد كانت هناك معنا طرفا ًثالثا ًفي مكتبه الواسع بجريدة الأهرام. إنها تشع بطريقة يبدو معها الرجل حارسًا لأطراف اليقظة، رغم عبء السنين. كما أنه عارم لا يمكن صده إذا تدفق، لا عن اعتقاد باحتكار الحقيقة، بل فرط حيوية، وربما كان يدفن شعوراً بالوحدة في الكلام، أو قل إنه يتكلم كي لا يتيح لشخص لا يعرفه بعد فرصة توجيه الحوار. لذلك أكثر ما يثير حنقه أن تقاطعه. دعه يحك وتربص بلحظة تسهو فيها شيخوخته لتوقظها بسؤال عن النظريات التي يحب الكلام عنها بشراهة.
وقد استدرجته إلي الطفل المقيم بداخله، استدعيت ذلك الطفل، من الماضي البعيد في الإسكندرية، إلي شريط الكاسيت، بعد أن نكشت هوية السيد يسين بسؤاله عمن يكون، ماذا يعتبر نفسه.. محللاً، باحثًا، مفكرًا، عالم اجتماع، أم ماذا بالضبط ؟ فقال، دون أن ينسي طبعًا مضغ كلمة عزيزي العالقة بفمه:
- أنا أعتبر نفسي باحثا ًفي العلم الاجتماعي، وهناك فرق بين العلم الاجتماعي وعلم الاجتماع، الأول معناه العلوم الاجتماعية في كل واحد.. علم النفس، الأنثربولوجيا، التاريخ ..إلخ، وقد تعلمت هذه التفرقة الضرورية من أستاذي الراحل د. أحمد خليفة، مؤسس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، كان يقول: هناك علم اجتماعي واحد وتخصصات مختلفة. إذ لا يمكن، مثلا ً، أن تكون باحثا ًفي علم السياسة دون معرفة بعلم الاجتماع أو الاقتصاد، لأن السياسة مشروع اجتماعي وثقافي، والثقافة نفسها مشروع سياسي، ولذلك يؤدي الفصل المصطنع بين العلوم إلي قصور في فهم الظواهر الاجتماعية التي تحتاج، لكي نفهمها، إلي منهج متكامل.
تسبق كلمة مفكر اسمك، في وسائل الاعلام، ما يدل علي اعتدادك بها !
- أنا لا أرفضها ولا أعتد بها. هذا أمر متروك للناس. إنما أنا لا أطلق ألقابا ًعلي نفسي. لا يجوز .
علي كل، الباحث مفكر بالضرورة. الإنسان مفك.. وظلت بقية الكلمة ..كر، عالقة في الهواء بيني وبينه، حين قاطعني.
- لا . هناك باحثون نقلة، ينقلون أفكار الآخرين، هضموها أو لم يهضموها، وليست لهم رؤية للحياة ولا رؤية علمية شاملة. هؤلاء ليسوا مفكرين. هناك ترتيب طبقي للباحثين العلميين استقيته من دراساتي في علم اجتماع العلمsociology of science طبقة المنظرين.. الطبقة الأرستقراطية، وطبقة شراح المتون.. هذه الفئة تشرح نظريات الكبار، وهناك، أخيرًا، الذين يجترون الشروح . المفكر هناك في الطبقتين الأولي والثانية. أما الطبقة الثالثة فمستهلكون للمعرفة. ليسوا مفكرين.
ولم أشأ أن أتورط في جدل يخصه، فسألت، بديهي أن أسأل، عن الطبقة التي يضع نفسه فيها.
قال: أنا في الطبقة الأولي يا عزيزي، لأن لي نظريات خاصة، منها نظريتي عن الثورة الكونية علي سبيل المثال، ونظريتي في التحليل الثقافي وقد صدرت للتو في سلسلة كراسات استراتيجية ويسعدني أن أحضر لك نسخة منها الآن.
ثم قام إلي مكتبة فاضت منها الكتب إلي الأرض والكراسي من حوله، وبينما أقوم معه عثرت بنسختين من الأعمال الكاملة ل : يحيي الطاهرعبدالله، موضوعتين علي مكتبه، فاستأذنت في واحدة وعدت أسأل : هل تختلف طفولة المفكر عن بقية الطفولات؟
- أنا لن أقول طفولة المفكر، سأقول طفولة المثقف مختلفة.
كيف؟
- لأن المثقف، بحسب التعريف، لا بد أن يبدأ التكوين مبكرًا . ينطبق هذا علي وعلي غيري من المثقفين، في كل الأجيال . عندما تقرأ السيرة الذاتية لأعلام المثقفين تجد أنهم بدأوا في سن صغيرة . كلنا قرأنا أرسين لوبين وانتقلنا من الروايات البوليسية إلي طه حسين وأحمد أمين والعقاد وخالد محمد خالد وسيد قطب، ثم ارتقينا درجات السلم. المهم أن طفولة المثقف تأخذه تلقائياً إلي عالم القراءة والارتعاشات المبكرة .
نشأت في قلعة عسكرية، بحكم وظيفة الوالد، ما الذي يفعله مكان كهذا بمخيلة طفل. وهل ما زلت تتذكر كلمة السر التي كنتم تدخلون بها في الليل .
- كان اسم القلعة مركز تدريب سواحل الأساس في المكس بالإسكندرية .
المكس قرية صيادين في الأصل . كان والدي أركان حرب المركز ومهمته تدريب المجندين والضباط، قبل أن يوزعوا علي بقية القطر، كان بيتنا داخل هذه القلعة، وهي إحدي قلاع عرابي القديمة (عنّ لي أن أسأله، وأنا أفرغ الشريط الآن، عن سبب التسمية فهاتفته، قال، بدوره: سأسأل)، يحيط بهذه القلعة خندق عميق ولها بوابة .
وفي الصباح، إذا لم أكن في المدرسة، كنت أري والدي، راكبا حصانه، يقود طابور الصباح بالموسيقي العسكرية. ربما لذلك تجد المارشات العسكرية في دمي، أحفظها عن ظهر قلب. فقد سمعتها آلاف المرات. هذه البيئة تفرض نوعا ًمن النظام والالتزام. والدي كان ضابطًا ملتزمًا جدًا. وكانت له هيبة، حتي بالنسبة لمن هم أعلي رتبة منه . كان عسكريا ًمن الطراز التقليدي الذي يؤمن بالجدية الصارمة . كان من تلامذته الفريق سليمان عزت، قائد البحرية فيما بعد. كثير من كبار الضباط تخرجوا من مدرسته. لا أنسي أنه، في رمضان، كان يشرف بنفسه علي توزيع الطعام علي العساكر، ولا يفطر إلا إذا ضمن أن كل واحد قد أخذ نصيبه من اللحم والأرز والخضار، تلافيا ً للاختلاسات التي كانت تحدث. الاحساس بالناس والالتزام والجدية في العمل، هذه القيم وغيرها كلها تعلمتها منه. من هذه البيئة.
سألتك عن كلمة السر؟
- كانت تتغير كل يوم، ولكن قبل النزول من البيت، في الليل، إذا كنت رايح السينما مثلاً كان لا بد من حفظ الكلمة، لأن العسكري الواقف علي البوابة ببندقية لن يسمح لك بالدخول ما لم تكن تعرف كلمة السر.
يقول أحد الشعراء عن العزلة إنها الانفتاح السري العميق علي العالم، كيف تراها أنت . وما الذي تعلمته منها ؟
- العزلة كانت ضرورة بالنسبة لي. لم تكن مفروضة علي. أو كان جانب منها مفروضا ًبحكم أننا كنا بعيداً عن المدينة. لم نعش في بيئة حضرية. أنا كنت في القلعة التي أكلمك عنها يجمعني بأولاد الضباط والعساكر لعب الكرة في الخندق، واخد بالك، لكنني لم أعرف كيف هي الطفولة في حي عادي إلا بعد ذلك. ثم إنني، بطبيعتي، ميال للعزلة.. العزلة تمنحك فرصة التأمل العميق في نفسك وفي الحياة، وما زلت، حتي الآن، أمارس هذا التأمل . أستطيع أن أنعزل، حتي داخل البيت، ساعة أو ساعتين لتأمل ذاتي .
أكون في غاية السعادة وأنا أفعل ذلك . الكتب موجودة والموسيقي موجودة وأنا موجود، لا شيء ينقصني . هذا ميراث التنشئة الأولي .
وما الذي تحتاجه من وقود أو طعام لهذه العزلة غير الكتب والموسيقي ؟
- أحتاج للخصوصية . وأذكر، عندما أحيل والدي للتقاعد، أننا سكنا في حي راغب باشا، كانت الشقة واسعة فانتزعت لنفسي حجرة منها بوضع اليد أو بالعافية، لكي أمارس عزلتي . كانت في هذه الحجرة البلكونة الوحيدة بالشقة وكانت أمي، رحمها الله، تتسلل إلي حجرتي. تقول: اقعد ذاكر وأنا هاقعد في البلكونة شوية أروح عن نفسي. وكانت تحكي لي مشاكلها مع إخوتي. أقول لها احكي لي بدون تفصيلات، قولي العناوين العريضة وأنا أحل المشكلة. من صغري لا أحب التفاصيل. المهم استوليت علي هذه الحجرة وصنعت رفين للكتب، كي أختلي بنفسي، العزلة حياة.
وراح يرن في أذني قوله.. العزلة حياة، ورحت أتذكر إيثاري أنا أيضًا للعزلة. كيف أن الحياة الاجتماعية تجعل الإنسان يضمر.
بينما العزلة تصونه من أن يفقد ذاته في قطيع المجتمع، ثم استأذن يسين في ساعة يكتب فيها مقاله الأسبوعي للأهرام .
أعطاني كراسة ترجع إلي الخمسينيات، كان يكتب فيها خواطره وبعض القصص، لأتسلي بقراءتها كما قال، ووجدت هناك بذوره .. ميله قديم إلي فهم الجماعات وتفكيك سلوكها. مع نزوع فطري إلي العزلة. ضالتنا المشتركة. أسلوبه رومانتيكي يذكرك بكتابة محمد عبد الحليم عبد الله . كان يسين، ولعله ما زال، رومانسيا ًيتخفي في ثوب مفكر. وبدأت أتصفح أعمال يحيي الطاهر.
قرأت مقدمة جابر عصفور . لا يولي الرجل عناية فائقة لأسلوبه، ليس لديه الوقت، فلم أكمل مقدمته الطويلة . ولكني توقفت أمام ما كتبته أسماء ابنة يحيي .
قلت : ها هي شريكة أخري في اليتم . ولكنك محظوظة يا أسماء، فلديك صورة لأبيك . كانت عيناي قد بدأت تترقرق فيها الدموع حين وصلت إلي اللحظة التي أخرجوها فيها، هي ابنة الرابعة، من السيارة التي انقلبت بمن فيها وأودت بحياة والدها.
دون أن تعي الطفلة شيئا ًمما يحدث. ذهب يحيي للقبر وظلت هي تنتظر عودته من المستشفي، كما أخبروها. إلي أن قالت لها عطيات الأبنودي إنه لن يعود . لكني شعرت أن أسماء ما زالت تنتظر.
وفرغ يسين من الكتابة . لم يتحرك طيلة الساعة . لم يبحث عن الكلمات. لم يشطب أو يراجع، بل أعطي مريم، السكرتيرة، المقالة لتجمعها وأستأنفنا الحديث! سألته، أولاً، عمن فقد في طفولته، قال : أختي إحسان، كانت صغيرة، ولكني حزنت علي فراقها وقتا ًطويلا ً. وسألت عن تعاطف والده مع المحور أثناء الحرب العالمية الثانية .
هل كان كراهية في المحتل الإنجليزي، أو إعجابًا بروميل، وكنت قد فرغت، تقريبا ً، حين قال:
- لم يكن هناك ميل للمحور، أبدًا. كانت هناك النزعة الوطنية للاستقلال. إجلاء الإنجليز. إنما لما دخلت قوات المحور مرسي مطروح.. أي أصبحت علي أبواب القاهرة، خرجت مظاهرة تهتف .. إلي الأمام يا روميل، نكاية في الإنجليز ورغبة في التخلص منهم .
أما والدي فكان معجبًا بقائد ألماني اسمه هايدلبرج. في هذه الفترة انتقلنا إلي حي الرسوة ببورسعيد.
كم كان عمرك وقتها؟
- سنة 1944 م، يعني حوالي 11 سنة، كان والدي يقعد علي كرسي شزلونج في بيتنا الجديد ومعه جريدة الأهرام وكتاب عن هذا القائد، ويطلب مني أن أقرأ له. كان مولعا ًبالعسكرية الألمانية وما زلت أذكر المناقشات التي دارت بيننا عن حزبي العمال والمحافظين
هل كنت تعي في هذه السن ما تقرأ؟
- بالتدريج، لقد ساعدتني هذه القراءات، عن غير قصد منه، علي الوعي بالسياسة مبكرًا.
الغريب أنك تتذكر بسهولة، كأن هذه الأشياء حدثت بالأمس.
- ذاكرتي قوية جدًا. أخي اللواء فؤاد كثيرا ًما يندهش مني . كلمته للتو، قبل أن تأتي، وذكرته بواقعة حدثت سنة 44 بتفاصيلها. لا أنسي.
كلمني عن أجواء الحرب. كانت الإسكندرية قريبة جدًا، بحيث تردد فيها صدي المدافع.
- في الليل كنا نري الأضواء الكاشفة. كانت هناك غارات علي الإسكندرية. طبعاً كانت صفارة الإنذار تشتغل فنختبئ، إلي آخر الاحتياطات المعروفة. هذه الأنوار الكاشفة كانت تركز الضوء علي الطائرة . ظنًا أنهم بذلك يستطيعون إسقاطها.. تبادلنا ضحكة خاطفة قبل أن يستأنف يسين : كانت المسألة بدائية ومضحكة . فكنا نتفرج علي الأضواء لنعرف كيف سيضربون الطائرة.
وكيف انعكست هذه الأجواء علي أحاديث الناس . فيم كانوا يتكلمون؟
- كنا نتابع بدقة تحولات الحرب. ما زلت أذكر أن الحلفاء كانوا يوزعون صور قوادهم، مونتجومري وغيره . كنا علي وعي دقيق بالقواد علي الجبهتين. كان هناك اعجاب خفي بروميل. حتي بين قوات الجيش الإنجليزي. كان شخصية خارقة في الفكر العسكري والجرأة. كان الإنجليز يقاومون. ومصر كلها كانت تتابع، يوميًا، مجريات الأحداث. في الريف، علي المصطبة كان مفتي القرية أو المثقف يقعد ليقرأ الجرنال والناس تتابعه، بدقة شديدة. الوعي السياسي المصري في ذلك الوقت كان علي درجة عالية، متابعة الشئون الدولية وما يحدث في العالم. هذا غير موجود عند الشعب الأمريكي، مثلاً، إنما هي سمة، إحدي سمات الشعب المصري. متابعة الشئون الدولية، لا المحلية فحسب.. العالم فيه إيه. إحنا دولة محتلة وهناك صراع مع الإنجليز. مين معاهم ومين ضدهم. الحرب تدور من حولنا.. هل تنتصر دول المحور..إلخ، هذا كله كان مادة للحديث بين المصريين، بسطائهم وكبرائهم.
نعود إلي والدك . هل ربطتك به علاقة صداقة . بحيث تحك له أسرارك . أم كانت الوالدة هي محل هذه الأسرار؟
- أسرار إيه ؟ ده كلام غريب جدا ً. إحنا كنا 8 إخوات .. 3بنات والباقي أولاد . والدي كان نسخة من أحمد عبدالجواد سي السيد فضلاً عن أنه كان عسكريًا. عند دخوله البيت لم يكن أحد يتنفس . لا ضحك ولا تهريج ولا نطنطة. وعندما يأخذ قيلولته ، لا صوت يعلو. عندما يخرج يعود الضحك والهرج.
كأن البيت امتداد للثكنة العسكرية؟
- بالضبط . لم تربطنا به علاقة مباشرة إلا فيما يتعلق بالامتحانات وآه لو سقطت. عاني أخي الكبير ، رحمه الله، معاناة شديدة من طريقة والدي في التعامل . لم يكن يتسامح مع فكرة الرسوب الدراسي . لا تنس أن مصاريف الدراسة في الثانوي كانت مكلفة جداً في الأربعينيات .2 جنيهاً للشخص، احسب كم يكلف تعليم 8 إخوة . وكان مرتبه محدودًا.
ألم تكن هناك مصادر أخري للدخل؟
- كان عندنا قطعة أرض في إدفا بسوهاج ، يستأجرها عمي ، وكان يتأخر دائما ًفي دفع الإيجار ، فكان أخي فؤاد ، بشخصيته العملية، رغم صغر سنه ، يعرف كيف ينتزع الفلوس من عمه . يسافر إليه ويأتي بها . أنا فاشل في مثل هذه المهمات. المهم كانت علاقتنا بالوالد من خلال الأم ، التي لم تكن مثقفة ، إنما كان عندها ذكاء فطري في تفريد المعاملة مع أبنائها كل حسب شخصيته . كنا قريبين منها خوفا ًمن الأب .
مرة مثلت نوبة تشنج عصبي تهربًا من الضرب الذي كان يلحق بأخي الكبير. فكانت أمي تقول له .. سيب السيد في حاله. ده عنده العصبي . وكانت حيلة ناجحة . هو لم يضربني. إنما وقف تحسبًا للضرب. فقد كانت يده زي المرزبة. زنقني، مرة، وكاد أن يضربني، كنت صغيرًا ويبدو أن قلبه رق فلم يضربني ونجوت. نفعتني الإشاعة التي أشعتها حول نفسي. أنني حساس وعصبي.. الحيلة إياها، جعلته يعاملني معاملة خاصة. عندما أحيل إلي المعاش أصبحت بينه وبين الإخوة الكبار ألفة. هو كان دمه خفيف، عندما يكون مزاجه رائقًا. كان من الظريف أن تعيش في قلعة أبوك هو الحاكم الفعلي لها. بعد معاشه ذهبت معه نبحث عن منزل نشتريه ، فوجدنا صاحب البيت يعلق صورتين .. صورة له قبل الزواج والأخري بعد الزواج ضحكت أنا وأبي وسكنا في هذا البيت بحي راغب باشا .
إذن لم تفض بأسرار طفولتك لأحد؟
- لا ، أنا باطني.
وما الحرمانات الأخري التي تعرضت لها طفولتك ؟
- أنا لا أعتبر طفولتي محرومة . أبي كان صارما ًوقد ورثت عنه القيم التي كانت مجسدة فيه .
مثل؟
- الالتزام واحترام الذات والحفاظ علي الكبرياء والجهر بالحق . سأحكي لك موقفاً يلخص والدي .. سنة 43 و44 حدثت دراما عائلية . قدم والدي شكوي ضد قائده يتهمه فيها بالرشوة والفساد . لكن القائد كان مسنودًا من رئيس المصلحة ، فحاكموا والدي في مجلس عسكري بتهمة العيب في القائد وعزلوه من رتبته وصدر قرار بنقله إلي دمياط . طبعا ًولدنا وعشنا في هذه القلعة وكان من الصعب التأقلم مع مكان آخر غيرها، لكننا، في النهاية ، انتقلنا إلي عزبة البرج . هذه الحادثة كان لها تأثير فارق علي وعلي أخي اللواء فؤاد يس .
كل منا تأثر بها بطريقته. أن تقول كلمة الحق ، مهما تكن عواقبه. أن تحترم ذاتك وتتحمل تبعة شجاعتك. كان ذلك كله الدرس الأساسي الذي تعلمته . بالنسبة لفؤاد، وهذا شيء غريب جدًا، فؤاد خريج الكلية الحربية وقد خدم مع الوالد، لكن العلاقة بينهما كانت غريبة .. والدي هو القائد طبعًا وفؤاد ضابط صغير تحت رئاسته، ملازم ثان متشرب بروحه العسكرية تمامًا وبعدين قرر فؤاد أن يخطب إنسانة فاضلة لكن أبي اعترض. لم يكن يري أن الوقت مناسب. من هنا حدث الخلاف. وقد انعكس علي العمل بينهما ، فأراد أبي أن يصفي الحساب معه عسكريا.
في طابور التمام يفترض أن يعطي الضابط (فؤاد) التمام لقائد المعسكر (والدي)، فأعطي فؤاد التمام ولف بظهره، فصاح الوالد فيه .. بتلف كده ليه. كل اللي انت تعلمته غلط يا حضرة الظابط . كانت تصفية حسابات. وفي فترة الاستراحة عاد الاثنان إلي المنزل، قال له فؤاد: إنت مش من حقك تعاملني بالشكل ده! أنا كنت أراقب الموقف طبعًا من بعيد. إنما لما رحنا عزبة البرج ، اضطر أبي أن يؤجر لنا شقة في مدينة دمياط علشان المدارس . كنت أنا وأختي ثريا ، الله يرحمها ، ورشاد وفؤاد. وأبي وبقية الإخوة كانوا في عزبة البرج ، في قلعة عسكرية أيضًا. كنت، كل أسبوع، أحضر الخزين من دمياط وأسافر إلي العزبة. كانت المسافة بينهما 15 كم ، أيامها عرفت عبد الرؤوف الريدي.
سفير مصر السابق في أمريكا؟
- نعم ، كان من عزبة البرج ، والطريق بين العزبة ودمياط لم يكن مرصوفا ً. وعند نزول المطر كانت المواصلات تنقطع تماما ً. وفي يوم ماطر كان علي إحضار التموين والعودة به إلي المنزل . تشاورت أنا والأولاد الذين كانوا معي فيما نفعل وانتهي بنا الأمر إلي أننا قررنا أن نركب عربية كارو ومعنا الزيت والسكر والمطر نازل علينا . نزلنا عند مدخل دمياط . كنا نسكن حي الشرباصي هناك .
مشيت أكثر من 5 كم إلي أن فتحت أختي الباب ، فاندهشت .. كيف استطعت ، في سن وظروف كهذه ، أن أمشي كل هذه المسافة . هذا أثر من التنشئة الصارمة التي أخذنا بها أبي .
هل استمرت علاقتك بالريدي؟
- عرفت الريدي عابرًا، في فترة الطفولة التي أحدثك عنها. لكني عرفته بعد ذلك . وهو دائماً يتذكر أنني ابن الكومندان . من المفارقات أن أخي فؤاد تولي مسئولية هذا المعسكر نفسه فيما بعد. كانت ثورة يوليو 1952 قد قامت وكان هناك اضطراب ، ولأمر ما حدث صراع بين فؤاد ودفعته وبين قائد السواحل. في هذا الوقت أرسل مجلس قيادة الثورة أمرا ًعسكريا ًبرفت أي ضباط مشاغبين ، ووجدها القائد فرصة لتصفية فؤاد وزملائه الذين فوجئوا بقرار إعفائهم من الخدمة بدون معاش أو مكافأة. كانت لفؤاد أسرة.. زوجه وأولاد، فكيف يدبر عيشه. من حسن حظه أن أحد أساتذته في الكلية الحربية.. حمدي عاشور وقد أصبح محافظًا للإسكندرية ، استطاع أن يستصدر قرارًا من جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة بإعادتهم إلي الخدمة، علي أن يخدموا في السجون ، فأصبح فؤاد ضابط سجن أبو زعبل . وقتها كنت في الإخوان المسلمين بالإسكندرية . وصدر قرار باعتقال مجموعة من الإخوان بينهم اسمي . فسارع أحد الزملاء وأبلغني ونصحني بالهروب إلي القاهرة. وقد كان.. هربت . خمن إلي أين!
لا تقل إلي أبو زعبل ، وضحكنا قبل أن يؤمن يسن علي كلامي؟
- هذا ما حدث . كان فؤاد يسكن في فيلا داخل المعتقل ، فاختبأت عنده ثلاثة شهور عدت بعدها إلي الجامعة لاستكمال دراستي . أردتك أن تعرف أن الدراما الأسرية تكرر نفسها . فؤاد يس كرر ما فعله أبوه قبله بثلاثين عامًا.. الاصطدام بالرئيس وتحمل النتائج . هكذا تأثرنا جميعا ًبأبي.
الحلقة الثانية يوم الجمعة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.