الدكتورة جيهان زكى هى أستاذ للآثار بجامعة حلوان وجامعة السربون، كانت المسئولة عن ملف آثار النوبة باليونسكو، حصلت على لقب فارس من فرنسا، وعلى وسام الوردة البرونزية من إيطاليا، وهى أول سيدة تتولى منصب رئيسة الأكاديمية المصرية للفنون بروما. فى هذا الحوار نتعرف معها على: تاريخ الأكاديمية، ودورها، ومشكلاتها، والتحديات التى تواجهها، نتعرف أيضا عن حقيقة الدور الذى تلعبه وزارة الثقافة للمثقفين بالخارج وللثقافة المصرية، كيف يتم اختيار المرشحين لجائزة الإبداع بالأكاديمية ولماذا الملف المصرى الخاص ببينالى فينيسيا ممتلئ دائما بالمشكلات... حوار لا يخلو من إحساس وطنى رفيع وثقافى متميز فإلى نصه. ■ بداية حدثينا عن الأكاديمية المصرية للفنون بروما وما الدور الذى تلعبه للثقافة المصرية؟ - أكاديمية الفنون بروما صرح فنى وثقافى يجب على كل مصرى الافتخار به، هو صرح متخصص فى مجال بعينه مجال الإبداع الفني، وأسمح لى أن أوضح جزء من تاريخ الأكاديمية التى أنشئت سنة 1929 بناء على طلب موجه من الفنانين راغب عياد ويوسف كامل، وكانا فى بعثة فى إيطاليا لتعلم الفن. والحقيقة أنهما جاهدا ليتحملا مصروفات وأعباء المعيشة فى إيطاليا، وكانا يقضيان مثل غيرهما من الفنانين العالميين وقتا طويلا فى منطقة تسمى فالى جوليا، وكانت تضم عدد من الأتيليهات ثم قررت الحكومة الايطالية تحويل الأتيليهات إلى نظام أكاديميات للفنون، فكل دولة أوروبية حازت على أكاديميتها للفنون فى روما، وقدم فنانونا راغب عياد ويوسف كامل طلب للسفارة المصرية سنة 1926، كتبا رسالة باللغة العربية الرائعة وبمستوى بلاغى راق ورفيع بالمناسبة هذا الخطاب موجود على الموقع الالكترونى للأكاديمية وبالفعل استجابت الحكومة المصرية لطلب الفنانين وتم عام 1930 تعيين أول رئيس للأكاديمية المصرية للفنون بروما وكان هو لواز باشا ألمظ. ■ عظيم هذا عن التاريخ لكن ماذا عن الدور الذى تلعبه الأكاديمية؟ - أنشئت الأكاديمية كما هو واضح من اسمها، لتقدم الفن المصرى للمجتمع الأوربي، وخدمة طلاب الفن المصريين بروما، وهى تسمح للفنانين المصريين بالاندماج مع المجتمعات الأوروبية والتفاعل الفنى معها، وذلك هو الذى ينمى قدراتهم، كما يؤكد خصوصيتهم. لكن دور الأكاديمية لم يعد مقتصرا على الفن التشكيلى كما كانت البداية الأولى، بل امتد الأمر ليشمل كل مناحى الثقافة المصرية. ■ من وجهة نظرك وقد مرت الأكاديمية بعصور مختلفة من الملكية وست حقب سياسية للجمهورية المصرية، أى الحقب كانت الأزهى؟ - عندما توليت منصب رئيس الأكاديمية بدأت أتعرف على التحديات التى كانت تواجه الأكاديمية فى أوقات سياسية عصيبة، مثلا الحرب العالمية الثانية وكانت الأكاديمية قائمة على استقبال الفنانين والمبدعين المصريين وأتاحت سبل الراحة وفتحت آفاقا جديدة، وفرت الأكاديمية كل هذا رغم ظروف الحرب العالمية وكل كبار الفنانين كانت لهم وقفة أو محطة بالأكاديمية. أيضًا اذكر الفترة من سنة 1952 حتى 1979 وكان الأستاذ صلاح كامل هو مدير الأكاديمية، وقد مرت عليه فترات مختلفة مثلا العدوان الثلاثى وانقطاع العلاقات بين مصر وأوروبا، فى هذه الفترة أنشئت وزارة الثقافة وتحولت إدارة الأكاديمية من وزارة التعليم لوزارة الثقافة تحت رئاسة ثروت عكاشة، الذى بفضل دبلوماسيته وثقافته المتفردة استطاع إن يرجع الأكاديمية المصرية للفنون بروما لمكانها الأصلى حدائق بورجيزيه - وكانت الأكاديمية وقت إنشائها، خصصت لها مساحة بحدائق بورجيزيه، ولكن تمت إقامتها مؤقتا فى مكان آخر - بفضل المجهودات التى قام بها الأستاذ ثروت عكاشة تم نقلها للمكان المطلوب فى عهد عبد الناصر وأقيم تمثال لأمير الشعراء احمد شوقي، تمثال على بعد أمتار من جنوب الأكاديمية عمله الفنان السيجيني، وطبعا أن تضع تمثالا لشاعر مصرى فى حدائق بورجيزيه ليس بالأمر السهل. هؤلاء القيادات أرفع لهم القبعة على قيادة هذه المنظومة الثقافية بهذا التفوق فى المجال الدولي. ■ حديثك حول دور وزير الثقافة فى مساندة إدارة الأكاديمية حتى فى أحلك الظروف يدفعنا للسؤال حول وزارة الثقافة الآن ما الذى تقدمه لتقومى بالدور المنوط بك فى ظل البيروقراطية اللى تخضع لها الدولة؟ - اعمل فى الحكومة فى عدة وزارات منذ 28 عاما، ونلت مناصب رفيعة منها الإدارى مثل رئاسة صندوق آثار النوبة ومناصب أخرى مرتبطة أكثر بالعلاقات الدولية مثل إدارة المجلس الأعلى للآثار. إنما أكاديمية الفنون بروما وضعها مختلف فى طبيعة العمل لأنها تعتبر مؤسسة ذات طبع خاص إدارى ودبلوماسى أيضا، توليت رئاسة المكان فى مرحلة زمنية شديدة الخصوصية بعد ثورة 25 يناير بسنة تقريبا. لن استخدم كلمة بيروقراطية لكن الهزة الإدارية والمؤسساتية التى تشهدها مصر بعد الثورة طالت وزارة الثقافة ومؤسسات أخرى أيضا تتعامل مع وزارة الثقافة ومع الأكاديمية، فبالتالى أنا أدير حتى الآن تحت مسمى إدارة الأزمة. ■ ما ملامح هذه الأزمة؟ - تغيرات وزارية متكررة، نمط أنشطة لم تكن موجودة قبل عام 2011 أصبح موجودا الآن، فالأكاديمية تعتبر مرآة تعكس النشاط والحراك الثقافى المصرى للغرب كله وليس فقط المجتمع الايطالى وحده، ولا ننسى أن ايطاليا كانت هى رئيس المجموعة الأوروبية، لقد وصلتنى طلبات كثيرة جدا من فنانين أوروبيين للعرض فى الأكاديمية وللاحتكاك بفنانين مصريين، وبالتالى اختلف الدولاب الإدارى والدولاب الدبلوماسى لهذا المكان تماما ما قبل 2011 وما بعد 2011. وزارة الثقافة تعضد على قدر ما تستطيع مجهود الأكاديمية المصرية بروما، ونحن متفهمون تماما أن هناك عقبات إدارية من نمط إدارى نتعرض له كأى هيئة فى الوزارة، لكن من الممكن أن يكون وقعها على هيئة فى الخارج مثلنا مؤثر جدا وخطير فنحن نتعامل مثلا مع جهات أجنبية لها أطر معينة، فمثلا الموظفين العاملين بالأكاديمية يعاملون حسب قوانين العمل الايطالية، مكانى مكان دبلوماسى يتبع السفارة المصرية، فقوانين وزارة الخارجية تطبق علينا. لهذا إدارة الأكاديمية يتعين عليها الحذر التام والرؤية الدبلوماسية الواعية لنقل الرسالة التى تريد الدولة المصرية أن تنقلها للخارج. ■ فى تصورك ما أهم الانجازات التى انجزتها كرئيس للأكاديمية؟ - الأكاديمية صرح مصرى عالمى يتكلم بلسان المصريين والعرب والأفارقة ويكفى انه الصرح العربى الإفريقى الوحيد ضمن 17 أكاديمية أجنبية. أسماء مديرو الأكاديمية من قبل منى بدون استثناء أسماء رنانة معروفة فى الداخل والخارج. لم يسعدنى الحظ مثلا أن أقابل الأستاذ صلاح كامل، لكننى أتخيل صعوبة وشدة وطأة الأكاديمية أيام حرب 1948، عدوان 1956.. ما الخطاب وما الجمل رفيعة المعنى التى توائم بين مصلحة الدولة وبين مرارة ما بداخله. أنظر فى الورق القديم أجد بعد اغتيال أنور السادات كم خطابات التعزية التى وصلت لمدير الأكاديمية تشهد بان الشخص الذى يدير المؤسسة له دور دبلوماسى تفرضه عليه الوظيفة. أظن أن الإضافة التى قدمتها فى ضوء الواقع السياسى المصرى الحالى أننى لم أكتف بالعمل فى خدمة الفنون التشكيلية فقط، بل وجدت أن دورى الوطنى يحتم على فى هذه الظروف المرتبكة 2012 - 2013 - 2014 فى ظل وضع سياسى متوتر فى ظل وضع إقليمى متدهور، شعرت أنه من واجبى فتح طاقة نور عن طريق الفن والثقافة، ففعلت دور الصالونات الثقافية، سعيدة أيضا أننى فتحت باب الأكاديمية لأطفال المجتمع الايطالى من عمر 5 سنوات ل 12 سنة، أعطى لهم ورش عمل عن الحضارة الفرعونية من خلال معرض مستنسخات توت عنخ آمون. أيضا تكلمنا معهم عن أعلام الأدب العربى وأعلام الفنانين المصريين.. فعرفوا من هو طه حسين ونجيب محفوظ واحمد شوقى وهكذا. ■ حصولك على جائزتين بقيمة دولية مثل وسام فارس من فرنسا، والوردة البرونزية من ايطاليا، هل هذه الجوائز لها علاقة بعملك بالأكاديمية؟ - بالنسبة للجائزة الأولى فلا، فوسام فارس حصلت عليه فى 2009 وكان له علاقة أكثر بعملى فى مجال المؤسسات الدولية مثل منظمة اليونسكو والمؤسسات المتعلقة بالآثار، كان تميزى فى التعاون الدولى الثقافي. أما الوردة البرونزية حصلت عليها اثر عملى بأكاديمية الفنون بروما تقديرا للعمل على نشر ثقافة احترام الاختلاف وقبول الآخر، علينا أن نمد يدنا للآخر وعليه أيضا أن يقترب ليعرفنا على حقيقتنا، لقد كان شعار الأكاديمية العام الماضى «يد تصافح وفكر يقبل الآخر»، الغرب أيضا يجب ألا يتقوقع على فكرة أن الإرهاب يملأ مصر كما يروج بعض الإعلام للأمر، سيكتشف الغربى جزء من حقيقة حياة مصر المستقرة النابضة بالفن والثقافة بأكاديمية الفنون بروما، بما إنها ارض مصرية فى قلب العاصمة الايطالية روما. ■ منحة الإبداع هى جائزة دولة دائما ما يدور حولها تساؤلات عن اختيار المرشحين لها. حدثينا عنها وهل لك دور فى اختيار الفنانين الذين يحصلون على منحة الإبداع؟ - جائزة الدولة للإبداع توقفت لمدة عشر سنين من 2004 ل2014، ولقد سعيت جاهدة فى وقت صعب جدا وهناك أزمة فى المؤسسات وزارة المالية ووزارة الثقافة، لكن ربنا وفقنى فعلا وحصلت على التمويل اللازم بما يعرف بجائزة الدولة للإبداع وهى عبارة عن تكريم من الدولة المصرية للمتميزين من شباب الفنانين. والجائزة اسمها جائزة الدولة بمعنى أنها متاحة لكل المصريين، وهى عبارة عن منحة لعام أو لعام ونصف فى ايطاليا ليتشبع بالفن فى واحدة من أهم عواصم الفن. القناة الشرعية لهذه الجائزة هى المجلس الأعلى للثقافة وهو ارفع هيئة فى مصر من كبار وأعلام الفنانين فى لجان المجلس، لجنة الفنون التشكيلية، لجنة العمارة، وغيرها.. يقوم رئيس الأكاديمية بالعرض على السيد وزير الثقافة بالأنماط التى يحتاجها فى جائزة الدولة للإبداع - بحسب استشعاره لمردود الاختيار على الدولة المصرية من ناحية، ومن ناحية ثانية توفر السبل فى ايطاليا - فى عام 2014 طلبت أفرع جديدة مثل الكوميكس، والأزياء، والفيديو آرت، وهنا يتوقف دور رئيس الأكاديمية ليبدأ مرة أخرى عند وصول الطلبة لايطاليا. ■ ماذا عن بينالى فينيسيا كيف تفسرين ما يحيط به من مشاكل كبيرة جدا؟ - عندنا جناح رائع، الجناح العربى والمصرى الوحيد داخل منطقة جاردينيا وهى عبارة عن حدائق خصصت لبينالى فينيسيا فى أواخر القرن ال19، هذا المهرجان الدولى للفنون التشكيلية دوراته كلها ناجحة ومتألقة، الفنانون من كل أنحاء العالم يعتبرون مجرد المشاركة فيه وسام على صدرهم. تم شراء الجناح المصرى 21 متر مربع داخل منطقة جاردينيا قلب البينالي، يجدد كل عام والحكومة المصرية تتولاه بالصرف والتهيئة، بالمناسبة هذا دور أكاديمية الفنون بروما. تم شراء هذا الجناح قبل ثورة 1952 ومن يومها لم تفوتنا دورة، رغم كل التحديات حتى فى عام 67 شاركنا. ■ اختيار الفنانين يرجع للجنة.. وأى لجنة تتعرض للنقد، من اللجنة؟ ما عملها؟ دورة تغييرها الزمنية؟ ما هو السياق الذى تتحرك فيه؟ ما هى طبيعة علاقتها بالتشكيليين؟ - بمنتهى البساطة يجب أن تكون هناك استمارة معايير. يتم اختيار الفنان بناءا على معيار معين.. من خلال ما يشبه كراسة الشروط، والتى يجب أن يوافق عليها كبار الفنانين والمسئولين عن قطاع الفن التشكيلى فى الوزارة واللجان المتخصصة فى الشأن نفسه، سيصبح الأمر سهلا مثل الرياضيات 1+1=2، دور الأكاديمية انه يستقبل النتيجة ويستقبل الفنان الذى تم اختياره من قبل المؤسسة المصرية، ويهيئ له جو العمل ويوفر طلباته واحتياجاته، عليه مسؤولية الافتتاح وتسهيل التغطية الإعلامية، وتوسيع رقعة الاستفادة والاستنارة من هذا الحدث الدولي، وعليه أيضا متابعة ست شهور البينالى حتى نهايته، والاستعداد للدورة التى تليه.