الأشجار تموت واقفة.. لأنها تعودت على الشموخ منذ غرسها وحتى نهايتها.. كذلك عبد الله كمال فى حياته وفى مماته.. فلم أر منه انكسارًا بالرغم من كثرة الرياح العاتية التى هبت عليه والتى كان أعنفها فى 25 يناير.. فلم أجد منه إلا ثباتاً على ما كان يري، إنه الحق.. حق لم يلونه أو يغيره أو يساوم عليه فى سوق النخاسة السياسية. عرفته شريف لم يقبل يومًا أن يبيع نفسه وفضل أن يشترى سيارته بالتقسيط لأنه كان يعلم جيدًا أن من يبيع قلمه فقد باع شرفه. شرف تعلمه فى قريته وظل وحافظ عليه طيلة حياته إنسانًا وصحفيًا ومعلمًا. «عبد الله كمال» مات، كانت تلك الصدمة التى تلقيتها بعد دقائق من صعود روحه لبارئها.. فلم أتمالك نفسى ومر شريط ذكرياتى معه منذ أن التحقت بروزاليوسف قبل 7 سنوات وأشادته أحيانًا بمهنيتى وملاحظاته المتكررة بأننى ( لا أسمع الكلام.. وأنت لم أتعلم منه شيئًا) ولكنه كان دائماً لطيفًا فى صدام معي. وقفت أمام المستشفى الذى يرقد به جثمانه ووجدت من هاجموه وهاجمهم ومن أحبوه وأحبهم.. الجميع عيونهم دامعة مع فراقه من احترام مبادئه.. وبعد قليل كان موكب الجنازة. يتحرك فى طريقه إلى مسقط رأسه.. الطريق الذى سار فيه كثيرًا حيًا وكان لزامًا عليه أن يسير فيه مجبرًا راحلًا عن الحياة. وسط الظلام أودعنا جثمانه بمقابر أسرته وهنا انتبهت وتذكرت لقائى معه قبل عدة أشهر فى مقهاه المفضل (فيينا) بشارع قصر العينى ولأحدثه عما علمته من مصادرى أن تحقيقاً سيجرى معه خلال أيام حول ثروته.. هنا انفجر عبد الله كمال قائلًا (هيحاكمونى ليه.. أنا مش حرامى..).. تذكرت هذا عندما وقفت أمام منزله الريفى البسيط.. منزل لا يتناسب مع من شغل مصر يومًا بكتاباته ومن كان بيده أن يأخذ ما شاء وان يكون ثروة كيفما شاء وأدرت بصرى لأرى سيارته التى اشتراها بالتقسيط لأجيب عن سؤاله الاستفهام لاستاذ عبد الله أنت شريف بعد أن حولتك الثورة من رئيس تحرير روزاليوسف وعضو مجلس الشورى إلى (سابق) وأحالك الموت إلى (راحل) ولكنك ستبقي.. وأقسم لك أنى تعلمت منك الكثير وداعاً.. استاذى العزيز عبد الله كمال.