على الرغم من أن معظم حكومات الدول الإسلامية تقلل ساعات العمل الرسمية فى شهر رمضان وتؤخر بداية الحضور، فإن غالبية الموظفين والعاملين ينتابهم كسل وخمول وبلادة، ويعطلون مصالح البلاد والعباد، بحجة أنهم صائمون، وكأن الصيام يدعوهم إلى الكسل وترك العمل، وهذا افتراء الصيام منه براء، فما عرف السلف الكرام النشاط. فيما أفتى عدد من علماء الأزهر الشريف بعدم جواز تقليص عدد ساعات العمل بسبب الصيام وطالبوا بضرورة إلغاء هذه العادة التى تتم كل عام فى رمضان فمن جانبها أكدت الدكتورة سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر : إن الإهمال وعدم الاتقان فى العمل والنوم فى النهار والذهاب الى العمل متأخراً وتقليص ساعات العمل كل هذه أمور سلبية تنتشر فى مصر بين المسلمين، وينبغى على الدولة إلغاء نظام الكسل الذى تساعد مواطنيها عليه فى مسألة تقليل عدد ساعات العمل». حجة باطلة تؤكد الدراسات التطبيقية المتخصصة أنه عندما يأتى شهر رمضان يبدأ بعض الموظفين الذين لا يفهمون الحكمة من مشروعية الصيام بالتزويغ من المكاتب مبكرا قبل انتهاء مواعيد العمل، والسيدات العاملات يهرعن إلى المنازل لمواجهة العمل الشاق فى المطبخ، فيحدث من جراء ذلك تعطيل مصالح الناس وأعمالهم ولديهم الحجة الباطلة أن رمضان مجرد ثلاثين يوما فلا ضرر من تأجيل العمل فى هذه الأيام إلى بقية السنة التى تمتد أحد عشر شهرا. وتشير الدراسات إلى أن هناك فئة أخرى من الموظفين تتوجه إلى العمل ولكنهم يقضون الوقت فى قراءة القرآن بدعوى التعبد واستغلال فضائل الشهر الكريم ولأنه شهر عبادة، وهذا يعد خروجا أيضا عن طبيعة وحكمة الصيام، لأن ذلك اقتطاع من وقت العمل، فيمكن لهؤلاء التعبد والصلاة وقراءة القرآن فى بقية اليوم ليلا أو نهارا. كما تشير الدراسات إلى أن إنتاجية الموظف أو العامل فى رمضان تنخفض إلى النصف تقريبا، بسبب عادات السهر وتقليص وقت العمل، مما يؤدى إلى ركود فى القطاعات الإنتاجية والتجارية والاقتصادية بل ينخفض مؤشر الإنتاجية فى بعض الأوقات والمصالح إلى ما دون الصفر. لكن خبراء الفسيولوجيا (التغيرات النفسية) لهم رأى آخر، إذ يؤكدون بالدلائل الموثقة علميا وبحثيا أن الصوم فى حد ذاته لا يؤثر فى “جودة” النوم ولا يسبب زيادة النعاس والكسل فى النهار، وإنما السبب فى ذلك هو قيام الأشخاص بتغيير نمط حياتهم فى شهر الصيام فيرتبط عندهم بالسهر خلال الليل وتأخر وقت النوم وعدم تنظيم مواعيده. العمل عبادة فيما توضح دار الإفتاء المصرية أنه لا يجوز شرعا التعلل بالصيام وشهر رمضان والقيام بإجازات هروبا من العمل بحجة العبادة، مشيرة إلى أن هذا التصرف ضد فلسفة رمضان وحكمته، فتحمل المشاق ومقاومة الكسل، والتعود على الانضباط كلها دروس يجب أن نستفيد. منها فلا معنى للتفرقة بين العمل والعبادة تبرر الحصول على إجازة للتفرغ للعبادة، فالعمل عبادة وهو على قدم المساواة مع الصلاة والصيام، والفرار من تكاليف العمل، هروب من عبادة إسلامية مهمة وليس فى ذلك ريب أو اختلاف، فالعمل مع الصيام يزيد الثواب ويرفع الأجر عند الله ويعلى من قيمة العمل. أضافت الفتوى إنه وإذا قضى المسلم ليل رمضان فى الطاعة والعبادة والقيام فهذا شيء محمود، وإحياء هذه الليالى يجب أن يكون بالأمور المباحة الحلال، فالسهر فى هذه الأمور جائز شرعا ومطلوب، لكن ذلك لا يعطى المسلم رخصة فى التقصير فى عمله، ففى رمضان يجب أن يكون أكثر تميزا فى كل سلوكياته حتى يجنى ثمرة صيامه وقربه إلى الله،وعلى المسلم أن يضاعف إنتاجه فى رمضان ليوفى هذا الشهر الكريم حقه، ولا نلصق به التهم والظواهر السلبية زورا وبهتانا. ويؤكد د. أيمن مهدى الأستاذ بجامعة الأزهر أن شهر رمضان يأتى مرة فى العام، فيعطى الروح مطالبها، لذا فإن المسلم الصائم حقا يشعر بالسعادة مما يؤهله لأداء أى عمل على أحسن وجه.. ففى رمضان يجد فى نفسه نشاطا وحيوية، بالإضافة إلى خلاء المعدة لأنه إذا امتلأت البطن نامت الفطنة، فواجب المسلم الهمة والنشاط وخاصة أنه يعلم أن أعمال الخير تتضاعف فى رمضان، فيثيب الله سبحانه وتعالى على النافلة ثواب الفريضة، وعلى الفريضة سبعين فريضة. أضاف: أن إتقان العمل والالتزام بقواعده من مواعيد الحضور والانصراف ودقة الأداء واجب يمليه الشرع ويأمر به، أما الادعاء بأن الصوم يدعو إلى التراخى والكسل فهو وهم ردده الناس حتى أصبح من السلوكيات المعتادة، رغم أنه يتنافى مع قواعد العقل وأدلة الشرع، فالإسلام يأمرنا باحترام العمل وتقديره والأمانة فى أدائه.