حين نتحدث عن إصلاح التعليم، فإننا نتحدث عن قيام وطن وتقدم أمة، فالأوطان تُبنى بالمجتمع الواعى المدرك لدوره فى منظومة الدولة، وهذا المجتمع لا يكون كذلك إلا بالتعليم الصحيح، الذى يواكب حركة العصر ومتغيراته التى طرأت، من هنا صارت الحاجة ماسة وملحة لإصلاح منظومة التعليم فى مصر، بل إننا بطرق هذا الباب نكون قد وضعنا أنفسنا على بداية رسم الطريق المؤدى لمستقبل واعد لوطننا.. من هنا علينا اعتبار مشروع إصلاح منظومة التعليم، مشروعا وطنيا تلتف حوله وتتضافر نحوه الجهود من الدولة والمجتمع، و بالتالى فإن الأمر يتطلب قرارا سياسيا، وإرادة قوية للتطبيق، والتزاماً مالياً من قبل الدولة، يضع فى اعتباره أن الإنفاق على العملية التعليمية، يأتى فى أولويات الأمن القومى للبلاد.. ويبدأ الأمر بتبنى الدولة حرية البحث العلمى ودعم العلماء ماديا وأدبيا، وإيجاد البيئة الحاضنة التى تمكنهم من الإبداع وخلق الحلول المناسبة، للنهوض بالعملية التعليمية، من خلال نشر الفكر العلمى المتطور. وعلينا أن ندرك أن التصدر لمشروع إصلاح التعليم، كما يتطلب مالاً يتطلب وقتا كافيا كى تنضج ثماره، وفى ذلك يقول عضو المجلس الاستشارى لعلماء مصر د. فاروق الباز:(إنه يرى أن إصلاح التربية والتعليم فى مصر يحتاج فترة لا تقل عن 10 سنوات، مشيرًا إلى أن إصلاح المنظومة التعليمية يبدأ من الروضة)، والتجربة اليابانية فى إصلاح التعليم خير مثال، ذلك أن اليابان أسست مجلسا أعلى للقيام بإعداد مشروع لإصلاح منظومتها التعليمية سنة 1968، واشتغل المجلس أربع سنوات ليقدم مشروعا متكاملا سنة 1972. كما يلزم الأمر الاستعانة بتجارب الآخرين فى هذا المضمار، مع الحفاظ على جوهر الهوية والثوابت الدينية لدينا، ليبقى للباحثين والمتخصصين اقتباس ما تم تجريبه لدى مراكز بحثية متخصصة، قدمت مشاريع تربوية وتعليمية اعتمدتها دول فتقدمت، مثل المعهد الوطنى للبحوث التربوية فى اليابان والمكتب الوطنى للتربية فى السويد وأكاديمية العلوم التربوية فى الاتحاد السوفيتى وفى ألمانيا.. وهى مؤسسات تعتمد على الجمع بين النظرى (بمعنى الاعتماد على البحوث) والتطبيق (من طرف الحكومة)، وهذا ما يتطلب تعاونا منهجيا مثمرا بين الباحثين وهيئة التدريس من جهة والسلطة التنفيذية من جهة ثانية. وتبدأ خطوات الإصلاح كالتالى: - إصلاح حال المعلم: وذلك بالارتقاء بمستواه العلمى والمادى وإعداده وتأهيله للتعامل مع التقنيات التربوية الحديثة وأن تجعل الدولة المعلم فى أسمى وأعلى مكانة، فالمعلم له دوره المهم والبارز فى العملية التعليمية، والطالب ينظر إلى معلمه نظرة اقتداء واهتداء، ويتخذ منه القدوة والنموذج الأعلى، ويقلده فى أقواله وأفعاله فالتربية بالقدوة من أنجح الوسائل المؤثِّرة. - إصلاح حال الطالب: والارتقاء بمستواه، عبر دفعه للتعامل مع تكنولوجيا المعلومات، واستثمار تقنيات العصر ووسائله الحديثة. - إعادة النظر فى المناهج الدراسية: بما يتناسب مع التطورات العلمية الهائلة التى طرأت على عالمنا الحالى، فنحن نعيش اليوم عصر الأقمار الصناعية، وعصر الكمبيوتر والإنترنت، والاتصالات وأجهزة الاستقبال التى حولت العالم إلى قرية صغيرة، يصعب بل يستحيل العيش بمعزل عنها. - استدعاء دور الإدارة المدرسية: حين يعود دور المدرسة فى متابعة الطالب وإحاطته بالرعاية، وكأن المدرسة هى أسرته الثانية، عبر التواصل الفعال بين البيت والمدرسة، كما تقوم المدرسة بتشجيع الأنشطة الرياضية والإبداعية لدى الطلاب، واكتشاف مواهبهم وميولهم وتقديم التقارير بذلك، والاهتمام بالجانب الترفيهى عبر الرحلات المدرسية التى تصب فى بناء نفسية سوية لدى الطالب، والاهتمام بالمكتبة المدرسية ورصد الجوائز والمشجعات لتحفيز الطالب على القراءة خارج مقرراته الدراسية، لتشيع فى العملية التعليمية روح الثقافة عبر المطالعة الحرة. - ويبقى لنا التحذير الهام: وهو ما نراه اليوم فى منظومة التعليم الخاص، أو ما يعرف بالمدارس الاستثمارية التى تحولت لوسيلة لجنى المال الطائل، وما فيها من آثار سلبية، قد أتت من باب تهميش بعض المواد، مثل التاريخ والدين واللغة العربية، على حساب التركيز على ما هو مستورد من منظومة التعليم الغربى، وروح ثقافته التى لا تتناسب معنا، وما فى ذلك من خطورة على فقدان الهوية والانتماء الوطنى لدى النشء، وقد رأينا ملامح لبعض خريجى تلك المدارس، حين صار الانتماء الخارجى لهم، يفوق انتماءهم للداخل. نعم بإصلاح منظومة التعليم، يمكننا العبور نحو مستقبل آمن واعد بغد مشرق، وبالاهتمام بالتعليم تكون البداية نحو بناء وطن قوى لا تهزه الأحداث ولا المخططات المتربصة به، بالتعليم العصرى المتطور نقدم فرداً واعيًا مدركًا لدوره، فى مجتمع حصين منيع يخطو نحو الازدهار والتقدم.