من أبرز الأسباب التى تدعو الشعوب للقيام بثوراتها عبر التاريخ هو ضيق هذه الشعوب بظلم الأنظمة الحاكمة والتى تحكمها بالحديد والنار وبكل صنوف القمع والاستبداد... ولذلك ليس غريبا أن تكون من أولويات المطالب التى يتقدم بها الثوار هى الدعوة للتحرر من القهر أملا فى مستقبل جديد مغاير يحقق لهم العدل والمساواة... وجاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير تكرارا طبيعيا لدوافع اندلاع شرارتها شأنها فى ذلك شأن ما تزدحم به قائمة التاريخ الثورى فى العالم من ثورات.. ولكنها كثورة متميزة قام بها شباب مصر الواعد قد أضافت بعدا جديدا قد يظنه البعض مبالغة فى الرفاهية أو إسرافا فى الترف وهو المطالبة بتطهير الإعلام، ولا غرابة فى ذلك حيث أصبحت الدنيا كغرفة واحدة بعد ما شهد ميدان الاتصالات من طفرات مذهلة فى السنوات الأخيرة... وقد اكتسب الشباب من هذا الانفتاح الإعلامى خبرات جديدة لم نعهدها فى أجيالنا السابقة.. حيث أصبح الإعلام نافذة على قدر كبير من الأهمية يطل من خلالها هؤلاء الشباب على معظم المستجدات على الساحة العالمية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وغير ذلك من المجالات التى تساهم فى صنع النموذج المستحدث لحياة شعوب القرن الواحد والعشرين فى كل دول العالم. وإن المتابع لما آلت إليه أوضاع الإعلام المصرى يجد أنه أصبح من الضرورة بمكان أن يقف الجميع وقفة جادة حيال هذا الإعلام الذى أصبح تقليديا فى وقت تتسارع فيه المستجدات بما يحتم ضرورة التطوير الجذرى والسريع حتى يلاحق التطورات المتسارعة على مستوى العالم. ولنا فى منطقة الشرق الأوسط المثل الصاروخ الذى يشى بما نعاينه فيه من تخلف وتدهور بعد أن أصبحت باقة قنوات الجزيرة تبرز بشكل لافت تفوقا ملحوظا يجعل المقارنة غير واردة مع قنواتنا التى تكاثر عددها بينما تضاءلت الحرفية والمهنية ولم نخرج بعد من الإطار التقليدى الذى ترسخت قواعده منذ إنشاء التليفزيون المصرى فى أوائل ستينيات القرن الماضى.. وأعتقد أن صديقنا العزيز وزير الإعلام صلاح عبد المقصود قد وضع نصب عينيه منذ تولى مسئولياته أن مهمته الأولى هى تطوير الأداء الإعلامى على اختلاف نوعياته وقد تأكد ذلك فى تصريحاته التى أدلى بها مؤخرا حين قال إنه آخر وزراء الإعلام، حيث تستبدل الوزارة بالمجلس الأعلى للإعلام ليتحرر الإعلام المصرى من قيوده التى كانت تفرضها الحكومات المتعاقبة عليها.. ??? أما الإذاعة المصرية وهى الإذاعة العربية الأم فإن الوضع يبدو معكوسا، حيث تفردت بقيم إذاعية وتميز كان له السبق على مستوى العالم العربى ولم يكن ذلك نتيجة لتنافس بين الإذاعات العربية التى لم تكن قد انطلق بثها بعد، حيث كانت الساحة العربية متاحة لإذاعة القاهرة منفردة ودون منافس، وهنا جاءت الريادة ومن ثم كان الانبهار بكل ما تنتجه الإذاعة المصرية، أما اليوم فقد تبدلت الأوضاع ولا نبالغ إذا قلنا إن إذاعتنا الرائدة حين إنشائها فى مايو سنة 1934 ورغم بدائية الإمكانات التقنية إذا ما قيست بما تحقق من طفرات فى هذا المجال فقد أنتجت نماذج إذاعية رائعة أصبحت من التراث الإذاعى الذى يحمل لدينا كل أطياف الذكريات الجميلة التى عشناها فى صبانا وشبابنا المبكر.. والأمثلة كثيرة نوجز نوعياتها فى الأوبريتات الغنائية مثل «عوف الأصيل» و«عذراء الربيع» و«خوفو» و«على بابا» وأصبح مبدعو هذه الروائع رموزا مازلنا نذكرهم بكل الإجلال والتوقير ومنهم عثمان أباظة وعبد الوهاب يوسف وأنور المشرى وبابا شارو وغيرهم ممن صنعوا أمجاد الإذاعة المصرية... وهذه كلمة حق وإنصاف يجب أن تذكر فى هذا المجال ولكنها فى ذات الوقت نستخدمها كمعطيات نستند إليها لتوضيح ما آلت إليه الإذاعة المصرية هذه الأيام حيث تضاءل دورها بعد ظهور إذاعات استطاعت عن جدارة أن تسحب البساط من تحت أقدام إذاعتنا العريقة، فضلا عن أنها أكتسبت لدى المستمع مصداقية وحيادية افتقدتها إذاعتنا فى نصف القرن الأخير كنتيجة طبيعية لتسلط الأنظمة الحاكمة آنذاك.. وإذا كنا قد أسهبنا قليلا فى استعراض الأوضاع المتردية التى اعترضت مسيرة الإذاعة والتليفزيون فى بلادنا رغم ما لهما من ريادة وأسبقية فى انطلاقتهما.. فإنه مازال يحدونا الأمل فى صحوة جديدة لتواصل المستقبل المنشود مع التاريخ الزاخر بالأمجاد الإعلامية عبر قرابة الثمانين عاما وهذا بعد ثورة يناير المجيدة وفق خطة تطوير شاملة يقوم على تنفيذها وزير الإعلام الجديد صلاح عبد المقصود وهو كاتب صحفى مرموق يعى جيدا أهمية الإعلام المستنير فى حياة الشعوب التى تبتغى نهضة شاملة لكل نواحى الحياة.. ??? وبعد الإعلام المسموع والإعلام المرئى يأتى الرافد الثالث والذى لا يقل أهمية وهو الإعلام المقروء وبحكم طبيعة المتلقى فإنه يخاطب شريحة القراء بينما الرافدان السابقان هما الأكثر عمومية حيث يعتمدان على السمع والمشاهدة وكلاهما متاح بحكم الفطرة التى فطر الله عليها الإنسان دون الحاجة لمهارات مكتسبة كالقراءة والكتابة... ومن هنا فإن قارئ الصحف يندرج تحت ما يسمى بالنخب وإن اختلفت درجة ثقافة كل نخبة منهم وكذلك تنوع الاختيار من بين شتى المواد الصحفية المنشورة.. وتأتى أهمية الصحافة فى أنها تعد مقياسا لفترات الازدهار الديمقراطى للدول فبقدر ما يتحقق لها من حرية التناول يأتى التقييم الإيجابى لأنظمة الحكم كما يأتى إزدهار الصحافة أيضا مواكبا للمسيرة الديمقراطية فى هذه الدول... وعلى هذه الأسس فقد مرت صحافتنا المصرية وخاصة القومية منها بفترات ازدهار سبقت ثورة يوليو سنة 1952، حيث كانت حريتها شاهدة على ما كان متاحا آنذاك ولنا فى أحداث التاريخ ما يثبت ذلك مما تضيق به المساحة بذكرها تفصيلا.. ثم جاءت ثورة يوليو لتمر الصحافة المصرية بفترة فارقة تكممت فيها الأقلام - إن صح التعبير- لفترة أصبح فيها الرقيب هو رئيس التحرير الفعلى رغم وجود رئيس تحرير يتصدر اسمه "ترويسة" الجريدة أو المجلة ولم تطل هذه المرحلة حيث أعقبتها حركة التأميم والتى شملت الصحافة وسائر المؤسسات الخاصة فى سائر مجالات الإنتاج وكانت أشبه بالمذبحة التى أصبحت بعدها الدولة مالكة لكل شىء تقريبا.. وكانت الصحافة التى أصبحت مستأنسة إحدى ضحايا هذه المذبحة. ??? ومرت السنون لتتأرجح حرية الصحافة بين القيد والإباحة وفق سياسات الحكومات المتعاقبة إلى أن قامت ما تسمى بثورة التصحيح فى 15 مايو سنة 1971 لتمثل تحولا ليس فى مجال الصحافة فحسب. إنما فى الخريطة السياسية للدولة المصرية وبدأ الرئيس الراحل أنور السادات فى تأسيس ثلاثة منابر تمثل اليمين «الأحرار» والوسط «مصر الاشتراكى» واليسار «التجمع» ولكل من المنابر الثلاثة جريدة إلى أن تحولت إلى أحزاب تحمل نفس الأسماء.. وهنا أصبح هناك صحف معارضة لأول مرة بعد ثورة يوليو لتدخل حلبة المنافسة الصحفية فى مواجهة الصحافة القومية وكانت تلك المباراة بين الصحافة الحزبية الوليدة والصحافة القومية ذات التاريخ هى بداية ما أطلق عليه حينذاك «صحافة الرأى والرأى الآخر».. وغم ما حدث من نهضة صحفية مشهودة وغير مسبوقة فى هذه الفترة فإنها لم تخل من انتقادات كادت تفسد ما تحقق على صعيد حرية الصحافة ولكن حسبها أنها كانت بداية لما نشهده اليوم من صحافة حرة نسبيا تصنع بشكل جيد رأيا عاما مستنيرا يستهدف فى مقامه الأول مصلحة الوطن وتدعم مسيرته الديمقراطية.. ??? وإذا ما أردنا تقييما موضوعيا لما آلت إليه الصحافة القومية فى هذه الأيام فإن ما حدث من تغيير ضرورى لرؤساء تحرير الصحف القومية هو فى حقيقته إعادة ترشيد مسارها بحيث تكون بحق لسان حال الشعب والمعبرة عن آماله وآلامه.. خاصة بعد أن شاب اختيار بعض من رؤساء التحرير السابقين من أخطاء ليعيدوها ثانية لتكون أبواقا لترويج سياسات خاطئة وأهواء مريضة.. حتى أن بعضهم قد استخدم الصحف القومية والمملوكة للدولة كأنها إقطاعيات خاصة تلبى مصالحهم المشبوهة وقد تجاوز بعضهم ذلك بأن جعلها منابر لقضاياهم الخاصة لضمان استمراريتهم تحت دعاوى باطلة وكاذبة مثل «لا لمذبحة الصحفيين»، فضلا عن «الولولة» والهلع من اقتلاعهم من مقاعدهم التى اغتصبوها فى غفلة من الشرعية والقانون. ??? وفى منتصف الشهر الماضى ظهرت حركة التغيير لرؤساء تحرير الصحف القومية بمعايير غير مسبوقة وبأسلوب لم نعهده وغاية فى الشفافية وقد استغرقت عملية التقييم قرابة الشهرين تحريا للدقة والاختيار الصائب حتى لا نقع فيما سبق من خلل وتزوير.. وقد صادف إعلان النتائج النهائية قبولا من الأغلبية العظمى للجماعة الصحفية فى مقابل قلة قليلة ولكنها ذات صوت عال أجوف والدليل القاطع على ذلك أن جميع الصحفيين المصريين مع سائر الإعلاميين فى وسائل الإعلام الأخرى قد طالبوا بأن يكون هذا النهج الموضوعى والمتسم بالمصداقية هو الأسلوب الأمثل الذى يطمح إليه كل الصحفيين والإعلاميين فى اختيار قياداتهم فى المؤسسات الصحفية والإذاعة والتليفزيون حتى يعم التطهير كل وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئى تطبيقا للمطلب الثورى.. الشعب يريد تطهير الإعلام..